اكتشاف مسار عصبي يكشف سر تحول الالم الحاد الى مزمن
ملخص :
ظل تفسير السبب العلمي وراء متلازمة الالم العضلي الليفي غامضا لسنوات، الامر الذي فاقم معاناة نحو 2 الى 4% من البشر، وجعلهم يحاربون ألما حادا مستمرا ومنتشرا في انحاء الجسم دون معرفة سببه الحقيقي.
وبعد 5 سنوات من الالام التي لا تفسرها التحاليل والاشعة، شخص الطبيب حالة السيدة المصرية الثلاثينية، اسماء محمود، باعتبارها مريضة بمتلازمة الالم العضلي الليفي، لكن اسماء وطبيبها لا يعرفان على وجه الدقة سببا دقيقا وراء تحول الامها الحادة الى مزمنة منتشرة في انحاء الجسم.
وفي محاولة لاجابة اوسع عن سؤال ملايين المرضى حول العالم، قدم علماء جامعة كولورادو بولدر بالولايات المتحدة الامريكية دراستهم التي نشرت في مجلة علم الاعصاب، تفسيرا علميا يكشف مسارا عصبيا في الدماغ يلعب دورا حاسما في تحويل الالم الحاد الى الم مزمن.
اكتشافات جديدة في عالم الالم
اكتشف الباحثون ان هذا المسار يقع في جزء من الدماغ يسمى القشرة الحبيبية القاعدية، وهي منطقة صغيرة لكن ذات تاثير كبير على الشعور بالالم المستمر.
وتتبع علماء جامعة كولورادو بولدر الفئران التي اجروا عليها التجارب لمعرفة ما يحدث في الدماغ بعد اصابة في هذا العصب، واستخدموا تقنيات حديثة تسمى كيموجينيتيكس، وهي عبارة عن تحكم جيني دقيق، يمكنهم من تشغيل او ايقاف مجموعة معينة من الخلايا العصبية في الدماغ.
وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة ليندا واتكينز، الاستاذة في علم الاعصاب السلوكي في كلية الاداب والعلوم: استخدمت ورقتنا البحثية مجموعة متنوعة من احدث الاساليب لتحديد دائرة الدماغ المحددة التي تعتبر ضرورية لاتخاذ قرار بان يصبح الالم مزمنا واخبار الحبل الشوكي بتنفيذ هذه التعليمات.
دور حاسم للدماغ
واضافت: اذا تم اسكات صانع القرار الحاسم هذا، فلن يحدث الم مزمن، واذا كان الالم المزمن موجودا بالفعل، فانه يختفي.
وعندما اوقف الباحثون عمل المسار العصبي في الدماغ لم يتحول الالم الحاد الى الم مزمن، فعندما تم تعطيله لدى فئران كانت تعاني ألما مزمنا، اختفى الالم تقريبا.
تشرح الدراسة الفرق بين انواع الالم، حيث يختلف الالم الحاد عن الالم المزمن في الية عمله، فالالم الحاد بمثابة اشارة تحذيرية مؤقتة، تبدا عندما يرسل نسيج مصاب كاصبع قدم متضرر اشارة الى الحبل الشوكي ومنه الى مركز الالم في الدماغ.
الالم الحاد والمزمن
والالم المزمن هو اشبه بانذار كاذب، حيث تستمر اشارات الالم في الدماغ لاسابيع او شهور او حتى سنوات بعد شفاء الاصابة الاولية.
الدراسة الجديدة تعتبر امتدادا لنهج سابق لذات الباحثة ليندا واتكينز التي نشرت في 2011 دراسة في مجلة علم الاعصاب، والتي لاحظت فيها ان هذه المنطقة في الدماغ الفص الجزيري تنشط بقوة لدى الاشخاص الذين يعانون من الم مزمن، لكن المشكلة كانت انه لم يكن هناك طريقة لدراسة دورها بدقة، لان الطريقة الوحيدة للتاثير عليها كانت ازالتها جراحيا، وهو امر غير ممكن استخدامه كعلاج للانسان.
لكن من خلال الربط بين الدراستين وجد الباحثون ان هذه المنطقة في الدماغ ترسل اشارات الى جزء اخر من الدماغ يعالج الاحساس الجسدي، والذي بدوره يرسل اشارات الى الحبل الشوكي ليبقي الالم مستمرا، لياتي من هنا تفسير ظاهرة معروفة لدى مرضى الالم المزمن، حيث يتحول اللمس العادي الى الم مزمن.
الفيبروميالغيا: لغز الالم
يعتبر مرض الالم العضلي الليفي الفيبروميالغيا واحدا من اكثر الامراض الغامضة التي لا يعرف العلماء على وجه الدقة سببها الرئيسي، وبحسب هيئة الخدمات الصحية البريطانية يعتقد ان الالم المزمن العضلي مرتبط بمستويات غير طبيعية لبعض المواد الكيميائية في الدماغ وتغيرات في طريقة معالجة الجهاز العصبي المركزي الدماغ والحبل الشوكي والاعصاب لرسائل الالم التي تنتقل في جميع انحاء الجسم.
وتشير التقديرات وفقا لهيئة الخدمات الصحية البريطانية الى ان شخصا واحدا من كل 20 شخصا يصاب بالفيبروميالغيا، وهو اكثر شيوعا بين النساء منه لدى الرجال، وليس له دواء محدد حتى الان.
ورغم ان كافة الاشعة والتحاليل التي اجرتها اسماء طوال الاعوام الخمسة كانت نتائجها سليمة، الا ان الطبيب عندما شخصها بالفيبروميالغيا قال لها ان هذا المرض ليس له علاج.
نحو علاجات جديدة
في تعريفه للفيبروميالغيا يوضح المعهد الوطني الامريكي لالتهاب المفاصل وامراض العضلات انه لا يوجد علاج نهائي لمرض الفيبروميالغيا، لكن يمكن للاطباء المساعدة في ادارة الاعراض وعلاجها.
وخلال رحلتها مع الالم المزمن وصف الاطباء لاسماء جرعات متفاوتة من علاجات للاعراض المصاحبة للالم وليس لعلاج السبب الرئيسي للالم، كانت مضادات الاكتئاب والمسكنات ومضادات الالتهاب هي السبيل الوحيد لتخفيف حدة الالم، حيث يظل الالم موجودا بلا توقف.
من هنا تاتي اهمية التوصل الجديد الذي اكتشفه الباحثون في تفسير المسار العصبي للالم المزمن، حيث تفتح الباب امام اكتشاف علاج فعال لاصحاب الالم المزمن غير مفهوم الاسباب، وهو ما اكدته ليندا وايتكينز في ملخص الدراسة قائلة: الان بعد ان اصبح لدينا امكانية الوصول الى ادوات تسمح بالتلاعب بالدماغ، فان البحث عن علاجات جديدة يسير بشكل اسرع بكثير.
واصبح باب الامل مفتوحا امام العلماء، ما قد يساعد في تطوير علاجات جديدة للالم المزمن تعتمد على استهداف الخلايا العصبية في الدماغ بدلا من المسكنات التقليدية.

