أمل جديد لمرضى كرون: حمية تحاكي الصيام تخفف الأعراض
ملخص :
كشفت دراسة حديثة عن نتائج واعدة لحمية غذائية تحاكي الصيام في تحسين حالة مرضى كرون الذين يعانون من أعراض طفيفة إلى متوسطة، حيث قام فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد وعدد من الجامعات الامريكية بتتبع تأثير هذه الحمية الجديدة.
واظهرت الدراسة التي نشرت نتائجها في مجلة نيتشر، تتبعا لـ 97 مريضا مصابا بمرض كرون، ثم قسمتهم الى مجموعتين، حيث انخرطت إحداهما، التي ضمت 65 مريضا، في الحمية التي أعدها الباحثون للتجربة، بينما طلب من المجموعة الاخرى، التي ضمت 32 مريضا، الاستمرار ببرنامجهم الغذائي الاعتيادي بغرض مقارنة النتائج لاحقا.
واعتمدت الحمية على التزام المشاركين بنظام غذائي خاص لمدة خمسة أيام متتالية كل شهر، حيث تخفض خلالها السعرات الحرارية اليومية الى ما بين 700 و1100 سعرة فقط، مع الاعتماد على مصادر غذائية نباتية حصرا، اما خلال بقية أيام الشهر، فيسمح لهم بالعودة الى نظامهم الغذائي المعتاد دون قيود.
تحسن ملحوظ في صحة مرضى كرون
واظهرت النتائج تحسنا ملحوظا لدى المرضى الذين اتبعوا هذه الحمية المشابهة للصيام، اذ سجل 45 مريضا تحسنا عاما في حالتهم الصحية، مقارنة بـ 14 مريضا فقط في المجموعة الضابطة التي لم تتبع النظام.
كما تراجعت أعراض مرض كرون أو اختفت بشكل واضح لدى 42 مريضا في مجموعة الحمية، مقابل 12 مريضا فقط في المجموعة الأخرى.
وحاول الباحثون فهم ما حدث في أجسام مرضى كرون بعد اتباعهم للحمية التي صمموها خصيصا لهم، وقفزت تكهناتهم فورا نحو مؤشرات الالتهاب التي تسجل مستوياتها ارتفاعا ملحوظا عادة لدى مرضى كرون، اذ من الممكن تفكيك اللغز بعد تحليل عينات حيوية من المرضى.
دور الالتهابات وتأثير الحمية
وبالفعل، جمع الباحثون عينات دم وبراز من المرضى للكشف عن معاملات الالتهاب، فاظهرت الفحوصات انخفاض مستوى مؤشرات الالتهاب لدى المرضى الذين اتبعوا الحمية مقارنة بمن لم يتبعوها، فانخفضت مستويات كل من الكالبروتين البرازي (مؤشر التهاب) وأنواع معينة من الجزيئات الدهنية الالتهابية.
وكان لافتا انخفاض مستوى الإشارات الالتهابية التي تطلقها الخلايا المناعية بعد اتباع المرضى لهذه الحمية الممتدة لخمسة أيام، اذ يصنف مرض كرون (حتى الان) كأحد الامراض المناعية الناجمة عن استجابة غير طبيعية لعوامل مختلفة تهيج من خلالها رد فعل تحسسي من الخلايا المعوية، فيستثار المرض مصحوبا بأعراض مزعجة تؤرق المريض.
ويؤكد الباحثون أن معرفة السبب الرئيسي وراء الاستجابة الجيدة لمرضى كرون بعد اتباعهم الحمية التي أعدوها لهم باتت مطلبا رئيسيا لتحديد الية تفاعل أصناف معينة من الاطعمة برفقة الصيام أو غيره مع الاجسام المختلفة، فهل يمكن أن تكون البكتيريا النافعة قد لعبت دورا في ذلك؟
الميكروبيوم والأمعاء وعلاقتهما بمرض كرون
وسبق أن أشارت مراجعة علمية نشرت في المجلة الدولية للعلوم الجزيئية عام 2022 الى أن اختلال التوازن الحيوي للميكروبيوم في الامعاء قد يلعب دورا رئيسيا في تفاقم امراض الامعاء الالتهابية التي ينضم اليها كرون.
واظهر الباحثون الذين يعملون في مؤسسات بحثية وجامعات في اسبانيا وايرلندا أن اتباع انظمة غذائية معينة مثل حمية الكربوهيدرات المحددة (SCD) أو حمية فودماب (FODMAP) قدمت خيارات علاجية واعدة لتخفيف الاعراض التي يعانيها مرضى الامعاء الالتهابية، وذلك من خلال تأثيرها على الميكروبيوم في الامعاء.
بل ذهبت مراجعة نشرها مجموعة باحثين من جامعة البرتا في كندا الى أن تردي الحالة الصحية لبعض مرضى كرون قد يكون بسبب اختلال التنوع الحيوي بين الكائنات الدقيقة الموجودة في الامعاء نتيجة الادوية المستخدمة لتخفيف أعراض كرون.
الصيام وتقليل أعراض مرض كرون
وبرز الصيام بالامتناع عن تجاوز حد معين من السعرات الحرارية واجتناب أصناف الطعام جميعها باستثناء النباتية كأحد أبرز ميزات حمية الخمسة أيام لتخفيف أعراض كرون المزعجة.
وعلى الرغم من عدم تحديد الباحثين للسبب الرئيسي وراء تحسن حالة مرضى كرون المشاركين في التجربة، فان الصيام كان بطل عدد من الدراسات التي أشبعته بحثا وتجريبا كأحد الحلول المحتملة في تخفيف أعراض كرون الطفيفة الى المتوسطة وامراض الامعاء الالتهابية عموما.
فقد أجرى باحثون من المغرب العربي دراسة رصدية حللوا فيها بيانات 100 من مرضى كرون خلال فترة صيام رمضان، واظهرت أن 94% من المرضى تمكنوا من الصيام دون أعراض تذكر، بل تحسنت حالتهم الصحية خلال نهار رمضان.
نتائج مشجعة تدعم دور الصيام المتقطع
وفي السياق نفسه، كشفت تجربة سريرية عشوائية نشرت في مجلة Gastroenterology في فبراير/شباط 2026 عن نتائج مشجعة تدعم دور الصيام في تحسين حياة مرضى مرض كرون.
وشملت الدراسة 35 شخصا بالغا يعانون من كرون والسمنة، حيث طبق نظام الصيام المتقطع لمدة 12 أسبوعا.
وقسم المشاركون الى مجموعتين: الاولى ضمت 20 شخصا التزموا بالصيام المتقطع، بينما استمرت المجموعة الثانية (15 شخصا) على نظامها الغذائي المعتاد، واعتمدت حمية الصيام على تناول الطعام خلال 8 ساعات يوميا، مع الامتناع عنه لمدة 16 ساعة.
توقيت تناول الطعام وتخفيف الأعراض
واظهرت النتائج تحسنا ملحوظا لدى مجموعة الصيام، حيث انخفض نشاط المرض بنسبة 40%، وتراجع ألم البطن بنحو 50%.
وتشير هذه المعطيات الى أن توقيت تناول الطعام قد يكون عاملا مهما في تخفيف أعراض المرض، الى جانب نوعية الغذاء.
وقد لاقت هذه النتائج دعما من اندريس هورتادو-لورينزو، نائب الرئيس الاول للابحاث الانتقالية ومشاريع امراض الامعاء الالتهابية في مؤسسة مرض كرون والتهاب القولون في امريكا، الذي اكد أن مثل هذه الدراسات تمثل نهجا مبتكرا يساعد المرضى على التحكم بأعراضهم وتحسين جودة حياتهم.
الحمية مع العلاج الدوائي لتخفيف الأعراض
ورغم أن اليات تأثير الانظمة الغذائية المختلفة على مرضى مرض كرون لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، إضافة الى تفاوت استجابة المرضى تبعا لاختلاف الاطعمة والعادات الغذائية، فان عددا من المختصين يرون أن دمج الحمية الغذائية مع العلاج الدوائي قد يسهم في تخفيف الاعراض، خاصة في الحالات الخفيفة الى المتوسطة.
ويعتقد أن هذا التأثير الايجابي قد يتحقق عبر عدة مسارات، منها تعزيز نمو البكتيريا النافعة في الامعاء، وتعديل نواتجها الايضية، وتقوية الحاجز المعوي، الى جانب تحسين استجابة الجهاز المناعي في بطانة الامعاء.

