كلمات تزيد الجرح عمقا.. حقائق حول المواساة الفعالة
ملخص :
في لحظات الفقد والأزمات، يتلقى المرء سيلا من عبارات المواساة، لكن بعض هذه العبارات قد تحمل في طياتها أثرا عكسيا، فبدلا من أن تكون بلسما شافيا، تتحول إلى وخزات تزيد الجرح عمقا، هذا ما اكتشفته ريبيكا لوف بعد تجربة شخصية مؤلمة.
فبعد أن فقدت ابنها الأكبر، وجدت نفسها محاطة بأشخاص يرددون على مسامعها عبارة "أنت قوية جدا"، ورغم حسن نية القائلين، شعرت ريبيكا أن هذه الكلمات تزيد من ألمها، ولم تفهم سبب هذا الشعور إلا بعد وقت طويل.
بينت لوف، وهي معالجة نفسية، أن المشكلة تكمن في أن هذه العبارة تبطل مشاعر الحزن والمعاناة، وكأنها تقول: "أنا لا أرى ألمك، ولا أقر بفظاعة ما تمر به"، وبينما كانت ريبيكا تحاول البقاء على قيد الحياة، كان الآخرون يشيدون بقوتها، غير مدركين أنها تستمد قوتها الحقيقية من دعم زوجها ووالدتها وأصدقائها المقربين.
ماذا تعني "أنت قوي" حقا؟
يرى الخبراء النفسيون أن عبارة "أنت قوي" غالبا ما تقال بحسن نية، لكنها تحمل رسائل خفية قد تصطدم بمشاعر الشخص المكلوم، وتوضح المعالجة النفسية آمي مورين أن القوة الحقيقية تكمن في إظهار المشاعر وطلب المساعدة والاعتراف بالمعاناة، بينما يخلط كثيرون بينها وبين التصلب أو ادعاء الصمود.
واضافت مورين أن تعليقا مثل "أنت قوي جدا" يترجم عمليا إلى: "عمل رائع في عدم إظهار مشاعرك!" أو "أنا معجب بقدرتك على التماسك"، وبينت أن النتيجة هي أن الشخص الحزين قد يشعر بأنه مطالب بإخفاء مشاعره الحقيقية، وألا يطلب العون، وألا يسمح لنفسه بالانهيار أمام الآخرين.
تتكلم مورين من تجربة شخصية، ففي السادسة والعشرين من عمرها فقدت والدتها ثم زوجها، وتتذكر شخصا قال لها، وهو يظن أنه يواسيها، إن عدم بكائها "يظهر كم هي قوية"، لكنها كمعالجة نفسية كانت تدرك أن الناس كثيرا ما يضعون "قناعا شجاعا" في الأماكن العامة لمجرد عبور اليوم، وأن قراءة هذا القناع على أنه قوة يبعث برسالة خاطئة تماما.
لماذا نتمسك بهذه العبارة رغم أذاها؟
تضيف الأخصائية الاجتماعية لورين جيسيل أن الإنسان في الأزمات لا يكون "قويا" بالمعنى المتداول بقدر ما يحاول أن يتعامل مع ما فُرض عليه من ظروف، وعندما يسمع عبارة "أنت قوي"، قد يشعر أن تجربته أعيد تأطيرها بشكل لا يشبه ما بداخله، وكأن أحدا يصف له صورة لا تمت إلى مشاعره بصلة.
واكدت جيسيل أن هذا النوع من الثناء يزيد الضغط على بعض الأشخاص ليبقوا معاناتهم في الداخل، خصوصا من تعلموا أن إظهار الهشاشة "غير مقبول"، وترى ريبيكا لوف أن الإشادة بالقوة في مثل هذه اللحظات تشبه "مدح القدرة على إخفاء الهشاشة"، وعندما قيل لها مرارا إنها قوية، لم تشعر بأنها مرئية، بل شعرت بأنها مُسكتة.
واوضحت لوف أن عبارة "أنت قوية جدا" في حقيقتها تجاهل، إنها لا تفتح بابا للحوار، ولا تمنح الشخص فرصة ليقول: "أنا لا أشعر بالقوة"، وتساءلت آمي مورين: إذا كانت هذه الكلمات موجعة إلى هذا الحد، فلماذا نكررها على مسامع من نحب؟ وبينت أن العبارة تهدئ قلقنا نحن أكثر مما تسعف الشخص الذي أمامنا.
ماذا نقول بدلا من "أنت قوي"؟
إذا رأينا شخصا عزيزا يغرق في الحزن أو الصدمة، ترتفع مستويات توترنا ولا نعرف ماذا نقول، ونخشى أن نزيد الأمر سوءا، وإذا بدا هذا الشخص "متماسكا" من الخارج، نتمسك بهذه الصورة ونردد "أنت قوي"، بحثا عن نوع من الطمأنينة: إذا كان قادرا على احتمال ما يمر به، فربما أستطيع أنا أيضا تحمل شيء مماثل لو حدث لي.
واشارت لوف إلى أن جذور المشكلة أعمق، فنحن "مجتمع لا يتحدث عن الحزن"، ولا يملك لغة ولا تمرينا كافيا على الجلوس في حضرة الألم دون محاولة إصلاحه أو تغليفه بعبارات جاهزة، ويرى الخبراء أن أفضل ما يمكن تقديمه للموجوعين ليس نصيحة بارعة، بل حضور حقيقي.
تقول ريبيكا لوف إن أكثر ما لمسها لم يكن جملة مُحكمة، بل اعتراف بسيط: "لا أعرف ماذا أقول، لكني أحبك، وأنا هنا من أجلك"، وبينت لوف أن هذا النوع من الصدق كان أكثر مواساة من أي عبارة منمقة، لأنه لا يتظاهر بامتلاك كلمات تليق بالخسارة، وتلفت لوف إلى أن الصمت نفسه مُهمل ومُستخف به.
عندما تؤذيك عبارة المواساة.. هل يحق لك الرد؟
تابعت لوف أن الناس يميلون إلى ملء الفراغ بالكلام أو تغيير الموضوع أو سرد حكاية عن أنفسهم، بينما قد يكون أجمل ما يمكن تقديمه لمن يتألم هو الجلوس إلى جواره دون محاولة تغيير مشاعره أو اختصارها، وأضافت آمي مورين مقترحة عبارات تطبع الحزن في سياقه الطبيعي، من قبيل: "أتصور أنك تشعر الآن بمشاعر كثيرة، وهذا طبيعي"، أو "لا أستطيع تخيل ما تشعر به الآن، لكن ما تحس به مفهوم".
واكدت مورين أن عرض الدعم يجب أن يكون حقيقيا لا مجاملة عابرة، فالأسئلة المفتوحة القصيرة مثل: "كيف حالك الآن؟"، إذا قيلت بجدية واستعداد للإصغاء، قد تفتح الباب لحديث عميق أكثر بكثير من خطبة عن القوة والصبر، ومن جهتها تشدد لورين جيسيل على أن الهدف ليس دفع الشخص لتجاوز محنته سريعا، بل مرافقته خلالها.
تذكر ريبيكا لوف من يمرون بفترات حداد بأنهم غير مضطرين لابتلاع كل ما يقال لهم، وإذا سمعت عبارة مثل "أنت قوي" وشعرت أنها لا تساعدك، يمكن بكل بساطة أن تقول: "هذا لا يساعدني" أو "هذه الجملة ليست مفيدة لي الآن"، وتشجع لوف مراجعيها على الاحتفاظ بجملة قصيرة كهذه "في الجيب"، لأنها ترسم حدا واضحا من دون انفجار أو قطيعة، وغالبا ما يكون وقعها تعليميا أيضا.

