هل شكسبير "عبقري إنجليزي".. أم مشروع استحواذ حضاري عالمي؟
علا القارصلي
ملخص :
يبرز ويليام شكسبير بصفته أيقونة إبداعية تجاوزت بعبقريتها حدود الجغرافيا وضيق اللغة الإنجليزية، ليتحول إلى إرث إنساني مشترك ينهل منه المبدعون في شتى أصقاع الأرض، فالمكانة الاستراتيجية التي يحتلها هذا الكاتب لا تنبع فقط من غزارة إنتاجه، بل من قدرته الفائقة على سبر أغوار النفس البشرية وصياغة تطلعاتها الوجودية في قوالب مسرحية وشعرية خالدة.
وبمراجعة السجلات التاريخية الموثقة، نجد أن هذا الصرح الأدبي ولد وتوفي في تاريخ رمزي هو 23 نيسان، مما أضفى على سيرته طابعًا أسطوريًا يتماهى مع عظمة منجزه، إذ يُعد تاريخِيًا أعظم كاتب مسرحي عرفته البشرية، حيث استطاعت مسرحياته الكبرى مثل: هاملت وعطيل والملك لير، بالإضافة إلى سونيتاته الشعرية الرقيقة، أن تعيد تشكيل الوجدان العالمي وترسخ مفاهيم جمالية جديدة.
إن أثر شكسبير في الأدب المقارن يتبدى في تحول نصوصه إلى "متون مرجعية" تُرجمت إلى أكثر من مئة لغة، وأصبحت مادة خصبة للتحليل السيميائي والفلسفي، فهي لا تقدم مجرد حكايات درامية، بل تشكل نظامًا معرفيًا متكاملًا يحلل صراعات السلطة، وجنون الغيرة، وهشاشة الكائن البشري أمام القدر، وهذا الثراء هو ما جعل من اسمه علامة مسجلة للعبقرية التي لا تطالها يد النسيان، حيث ظل لقرون فخرًا للشعب البريطاني ومنارة حضارية عالمية، ومع ذلك، فإن هذه السيادة المطلقة على عرش الأدب لم تكن بمنأى عن رياح التشكيك، بل لعل ضخامة المنجز ذاتها هي التي ولدت تساؤلات قلقة حول حقيقة الشخصية الكامنة وراء تلك الكلمات، مما مهد السبيل لبروز سرديات بديلة حاولت خلخلة الهوية الرسمية لهذا المبدع الفذ.
لغز الهوية والطبقة الاجتماعية
الدوافع التي أدت لظهور نظريات التشكيك في هوية شكسبير لم تكن مجرد ترف فكري، بل كانت انعكاسًا لصراعات اجتماعية وطبقية عميقة، حيث استندت الحجة المركزية للمشككين إلى استبعاد قدرة فرد ينتمي لعامة الشعب، ولم يتلق تعليمًا أرستقراطيًا رفيعًا في البلاط، على امتلاك هذا الإدراك الجمالي المتوقد والموسوعية المعرفية التي تشمل القانون والطب والفلك وشؤون القصور، وهذا المنظور النخبوي يرى أن شكسبير ليس إلا "اسمًا مستعارًا" لشخصيات رفيعة المستوى آثرت التخفي لأسباب سياسية، مما حول المبدع في الوجدان الجمعي من إنسان واقعي إلى لغز هيرمينوطيقي بامتياز.
وفي سياق محاولات "تبيئة" هذا اللغز في الفضاء العربي، نجد تداخلًا عجيبًا بين سيرة الشاعر وسيرة شخصية تاريخية أخرى تحمل الاسم ذاته، وهو القبطان ويليام هنري إرفين شكسبير، ذلك الرحالة البريطاني الذي التقى الملك عبد العزيز آل سعود في الكويت في فبراير من عام 1910، ووصفه بامتلاكه وجهًا صادقًا ومنفتحًا وقامة تفوق معدل أطوال العرب، إذ إن وجود هذا القبطان في قلب الجزيرة العربية ساهم تاريخِيًا في تغذية بعض المخيالات التي حاولت "تعريب" الاسم أو إيجاد صلة وثيقة له بالمنطقة، مما زاد من تعقيد صورة المبدع وجعلها عرضة لتقاطعات أيديولوجية تحاول استلاب العبقرية من سياقها الأصلي لصالح سرديات الانتماء القومي، إن هذا الصراع حول "الأصالة والنسب" يعكس رغبة إنسانية في تفسير العبقرية عبر الجينات والطبقات لا عبر الموهبة المحضة، وهو ما جعل من شكسبير مادة دسمة لنظريات المؤامرة التي لا تزال تروج لفكرة المبدع المتخفي.
أطروحة القذافي المثيرة للجدل
اتخذ هذا الجدل منحى دراماتيكيًا وفريدًا في عام ألف 1996م، عندما أطل الزعيم الليبي معمر القذافي من تونس ليطرح نظريته التي ادعى فيها أن شكسبير ليس إنجليزيًا، بل هو مبدع عربي قادم من أعماق الصحراء واسمه الحقيقي هو "الشيخ زبير"، وقد ساق القذافي أدلة "أنثروبولوجية" ومظهرية تتعلق بشكل الجبهة العريضة وتدويرة اللحية والملامح التي تظهر في اللوحات المنسوبة للشاعر، معتبرًا إياها قرائن قطعية على جذوره المشرقية.
ورغم أن هذه التصريحات قوبلت بضحكات وذهول من أعضاء مجلس النواب التونسي، آنذاك، إلا أن القذافي شدد بجدية تامة على أن الأمر ليس دعابة، بل هو استعادة لحق ثقافي منهوب، منطلقًا من سياق "عروبي" راديكالي يحاول رد الاعتبار للعقل العربي عبر نسب المنجزات الكونية إليه، وتكمن خطورة هذا الطرح في كونه يعيد صياغة التاريخ الأدبي بناءً على تشابهات صوتية وافتراضات لغوية واهية، مثل ربطه بين "شكسبير" و"الشيخ زبير"، محاولًا إقناع الوعي الجمعي بأن العبقرية الغربية ما هي إلا صدى لروح عربية هاجرت واستقرت في الضباب الإنجليزي.
إن هذا التحليل القذافي، رغم افتقاره للمنهجية الأكاديمية الصارمة، يظل وثيقة تعكس أزمة الهوية والبحث عن التميز الحضاري عبر "تأصيل" الآخر وتجريده من خصوصيته الثقافية، مما جعل من "الشيخ زبير" أيقونة في تاريخ السريالية السياسية التي تتقاطع مع النقد الأدبي بشكل مشوه تمامًا.
الجذور العربية لنظرية زبير
حسب تحليل المسار الزمني لهذه الادعاءات، يتضح أن بذور نظرية "الشيخ زبير" لم تنبت مع القذافي، بل كانت لها إرهاصات بدأت كدعابة أدبية ساخرة وتورية لغوية على يد الرائد اللبناني أحمد فارس الشدياق في الفترة ما بين عام 1881م وعام 1884م، حيث وظف الشدياق ذكاءه اللغوي لإسقاط الاسم الإنجليزي على قالب عربي في سياق تهكمي، ولكن هذه الدعابة سرعان ما تحولت إلى "فرضية بحثية" في ستينيات القرن العشرين مع المؤرخ العراقي صفاء خلوصي الذي حاول إضفاء طابع الرصانة على فكرة العرق العربي لشكسبير مستندًا إلى الملامح المورفولوجية، وصولًا إلى الطرح الأكثر تعقيدًا الذي قدمه الباحث السوري كمال أبو ديب في عام 2011م عبر كتابه المعنون "سونيتات أو تواشيح وليم شكسبير"، حيث ذهب أبو ديب إلى أبعد من ذلك زاعمًا أن شكسبير قد يعود في أصوله إلى قرية سورية قرب مدينة "صافيتا"، محاولًا إيجاد روابط إيقاعية وبنيوية بين السونيتات الشكسبيرية وفن التوشيح العربي.
إن هذا التتبع التاريخي يفسر ظاهرة سيكولوجية عميقة في العقل العربي المعاصر، تتلخص في الرغبة المحمومة لردم الفجوة الحضارية عبر "امتلاك" الرموز العالمية، مما يحول فعل القراءة من كونه تذوقًا جمالِيًا إلى معركة لاسترداد الهوية، حيث يغدو شكسبير في هذه السردية ضحية لعملية "تغريب" قسري أخفت أصوله العربية السورية أو المشرقية، وهي محاولات تعكس قلق الذات العربية وبحثها عن الاعتراف العالمي من خلال "تعريب" العبقرية الكونية.
تنوع السرديات والبعد التركي
في متابعة لتشظي هذه النظريات وتجاوزها للمحيط العربي، فقد برزت في عام 2016م أطروحة مغايرة للمؤرخ التركي قادر مصر أوغلي الذي زعم أن شكسبير كان في حقيقته مسلمًا متخفيًا باسم "الشيخ بير" وينتمي لأصول بلقانية من ألبانيا أو البوسنة، وقد بنى مصر أوغلي دعواه على أساس أيديولوجي يحاول ربط الإبداع الكوني بالمنظومة الإسلامية عبر استغلال التشابه الصوتي للأسماء وادعاء وجود قيم دينية مبطنة في المسرحيات الشكسبيرية تعكس الروح الصوفية أو الأخلاق الإسلامية.
وهذه النظرية تتقاطع في جوهرها مع أطروحة "الشيخ زبير" من حيث توظيف الأسماء لبناء مجد قومي أو ديني متخيل يعوض الشعور بالتراجع الحضاري، حيث يتم استقطاب الرموز الكبرى إلى الحظيرة الثقافية الخاصة بالمدعي عبر عمليات تأويلية قسرية تفتقر للوثائق التاريخية الملموسة وتعتمد فقط على رغبات عاطفية وتخمينات لغوية سطحية، إن تنوع هذه السرديات بين العربي والتركي يؤكد أن شكسبير تحول من مؤلف مسرحي إلى "ساحة اشتباك" أيديولوجي تحاول كل ثقافة من خلالها إثبات تفوقها عبر ادعاء ملكية العبقرية الأكثر تأثيرًا في التاريخ البشري، وهي ظاهرة تكشف عن مدى هشاشة المنهجية العلمية عندما تصطدم بطموحات الهوية القومية التي تسعى لاختطاف الرموز الكونية وتوظيفها في سياقات صراعية ضيقة بعيدة كل البعد عن الحقيقة التاريخية الموثقة.
الحقيقة التاريخية الموثقة عالميًا
حسب تحليل الموقف العلمي والمنهجي الرصين، فإن كل هذه الادعاءات تظل مجرد شطحات فكرية تسبح في فضاء الأساطير المعاصرة، بينما يظل السجل التاريخي الرسمي في بلدة ستراتفورد أبون آفون هو المرجع النهائي، حيث تثبت الوثائق الكنسية والقانونية تعميد ويليام شكسبير وزواجه ودفنه في كنيسة الثالوث المقدس، مؤكدة أن وجوده الإنجليزي حقيقة لا تقبل الجدل.
ومع ذلك، فإن بروز حركة "إزالة الطابع الاستعماري" في السنوات الأخيرة، كما تشير تقارير صحفية، جعل من انتقاد شكسبير أو التشكيك في إرثه "هواية وطنية" عالمية تحاول تفكيك المركزية الثقافية الغربية، حيث يتم الربط أحيانًا بين أعماله ومفاهيم تفوق العرق الأبيض في محاولة لإعادة تقييم نصوصه من منظور ما بعد كولونيالي، إلا أن القيمة الجوهرية لشكسبير تكمن في كونه "روح العصر" وكل العصور، وقدرته على البقاء حرًا من القيود الأيديولوجية الضيقة، فالمبدع الحقيقي هو من يمنح كلماته للبشرية جمعاء دون أن يسأل عن عرق أو دين، ويظل شكسبير مادة خصبة لهذه النظريات لأن عظمة منجزه تتجاوز التفسيرات المنطقية البسيطة، مما يدفع العقول للبحث عن أصول غامضة تبرر هذا التدفق الإبداعي الاستثنائي، وفي نهاية المطاف، يبقى شكسبير هو النص، والنص هو الهوية الوحيدة التي تعلو فوق صراعات النسب والانتماء، وتظل أعماله هي الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات التجيير الأيديولوجي، مؤكدة أن الإبداع الإنساني هو الفضاء الوحيد الذي يمكننا فيه التواصل مع الماضي والمستقبل بعيدًا عن ضيق الأفق القومي أو الديني.

