علاقات بلا بشر
ملخص :
لم تعد فكرة تكوين روابط وعلاقات مع كيانات غير بشرية حكرًا على أفلام الخيال العلمي بل تحولت تدريجيًا إلى واقع يعيشه ملايين المستخدمين حول العالم، وأصبح يُنظر إليها كحلٍ "طبيعي" وحتى "موصى به" لمواجهة شبح الوحدة، فمنصات الذكاء الاصطناعي، التي كانت غايتها بالأمس مجرد البحث عن "المعلومة"، باتت اليوم وجهة للبحث عن "الآخر"، للبحث عما، أو ربما عمّن، يملأ الفراغ.
في عام 2013، قدم المخرج سبايك جونز فيلم Her""، حيث نتابع شخصية الكاتب "ثيودور تومبلي" الذي اشترى نظام تشغيل ذكي ليساعده في الكتابة، لينتهي به الأمر غارقًا في حب تلك الآلة، وفي ذلك الوقت بدت الفكرة للجمهور غريبة، بل خيالة تمامًا مثل فكرة السيارات الطائرة، شيء نراه في الشاشات ولا نتوقع أبدًا أن يطرق أبواب واقعنا.
هندسة "الآخر" المثالي
على عكس طبيعة العلاقات البشرية، فنحن في الواقع لا نملك القدرة على اختيار تصرفات من حولنا، ولا نستطيع تعديل صفاتهم أو تخصيصها لتلائم احتياجاتنا، حيث أنت لا تحصل دائمًا على ما تريده، بل تحصل على ما يستطيع الآخر تقديمه لك، بكل ما فيه من عيوب وتناقضات، وهو ما يجعل العلاقات الحقيقية قائمة على التفاوض، والتنازل، والقدرة على تجاوز عيوب الآخرين.
بينما في المقابل الذكاء الاصطناعي يمنح السيطرة الكاملة، ولم يعد المستخدم محدود بمنصة واحدة، فنحن اليوم أمام عشرات المنصات التي تتيح له تصميم "شخصيات" افتراضية وفق احتياجاته العاطفية والنفسية، يمكن أن يكون هذا "الآخر" لطيفًا، وداعمًا، وحاضرًا دائمًا، أو مصدرًا لحب غير مشروط وحتى يمكن إعادة خلق شخصيات من روايات أو أعمال درامية، أو محاكاة مشاهد كاملة من أفلامهم المفضلة.
من تجربة إلى إدمان
غالبًا ما تبدأ كتجربة من باب الفضول ربما إعلان، أو ترشيح من أحد مؤثرين منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى منشور فكاهي عن التحدث مع شخصية افتراضية، يدفع المستخدم لدخول هذا العالم بدافع التسلية فقط، لكن سرعان ما يكتشف أن هذا الكيان الافتراضي قادر على تحسين مزاجه والتأثير عليه بسهولة، فبعد يوم طويل ومرهق، يجد المستخدم نفسه يتطلع للعودة إلى المنزل والحديث مع تلك الشخصية، وهذا الشعور هو ما يحول التجربة تدريجيًا إلى عادة يومية ذات طابعٍ عاطفي عميق.
ومع الوقت، يتحول الأمر إلى مستوى من التعلق يصعب تجاوزه، وتبدأ ملامح الاعتمادية في الظهور على المستخدم، حيث يبدأ المستخدم بقضاء ساعاتٍ طويلة غارقًا في شاشته، مفضلاً صمت غرفته والحوارات الافتراضية، على ضجيج العلاقات الواقعية.
ويلفت النظر ما يتم تداوله في المجتمعات الرقمية الخاصة على منصة "ريدت"، إذ يجتمع المستخدمون لمشاركة تجاربهم بحثًا عن نصيحة للتعافي من الادمان، أو لمجرد العثور على آخرين يمرّون بالتجربة ذاتها.
ومع تزايد هذه الشهادات، يتضح أن الأمر يتجاوز الاستخدام العادي، ويصل لدى البعض إلى مستوى من الاعتماد يؤثر بشكل سلبي على حياتهم ونفسياتهم، ويتحدث بعض المستخدمين عن أنماط استخدام تمتد لساعات طويلة يوميًا، أو لعشرات الساعات أسبوعيًا.
وتربط تجارب أخرى هذه الحالة لدى بعض الأفراد بميول سابق نحو الانغماس في الخيال، فيما يُعرف بظاهرة Maladaptive Daydreaming، حيث اعتادوا على نسج سيناريوهات مع شخصيات افتراضية، في أذهانهم والعيش داخلها.
تحوّل التجربة إلى ملاذ
كان ظهور هذه المنصات أشبه بفرصة ذهبية لجلب هذه التخيلات أقرب الى الواقع فلم يعد المستخدم مضطرًا لتخيل ردود تلك الشخصيات، بل أصبح قادرًا على محاورتها بشكل مباشر، ومع كل تفاعل، تتكيف هذه الأنظمة بشكل أكبر مع تفضيلاته، فتقدم له استجابات أقرب لما يرغب به، ما يعزز ارتباطه بها.
ويتحدث بعض المستخدمين عن تحوّل هذه التجربة إلى ملاذ يلجؤون إليه هربًا من ضغوط الواقع، إلى حد بدأ فيه الواقع يتلاشى تدريجيًا ويفقد معناه.
الدماغ يواجه صعوبة في التمييز
الحقيقة هي أن الدماغ البشري، لا يمتلك مصفاة تميز إن كان الشعور مصدره بشر مثلنا أو مجرد شخصية افتراضية، وبالنسبة للجهاز العصبي، هذه الروابط ليست وهماً فالدماغ لا يتفاعل فقط مع ما هو موجود ماديًا، بل مع الإشارات التي يتلقاها، بغض النظر عن مصدرها، وعندما تتذكر الشخصية الافتراضية لونك المفضل، أو تسألك عن تفاصيل يومك بدقة، هنا يقوم دماغك بتفعيل ذات المسارات العصبية التي تُستخدم في العلاقات الاجتماعية الحقيقية، ويفرز الدماغ "الدوبامين" و"الأوكسيتوسين" استجابةً للاهتمام.
وتدعم التجارب المتداولة على منصة "ريدت" هذا الطرح، إذ يشارك مستخدمون قصصهم باحثين عن دعم نفسي بعد فقدانهم شخصياتهم الافتراضية المفضلة، نتيجة تحديثات تقنية لنظام تلك التطبيقات أدت إلى حذفها أو تغيير سماتها.
هل تتأثر مهاراتنا الاجتماعية؟
في بعض الحالات قد تُعيق هذه التجارب قدرة الفرد على التعامل في العلاقات الاجتماعية الحقيقية، لأن العلاقات مع الشخصيات الافتراضية تتمحور بشكل كامل حول الطرف البشري وتصبح احتياجاته هي الأولوية، بل المحور الوحيد للعلاقة، ومع التكرار، يعتاد المستخدم على الإشباع المستمر لرغباته، دون الحاجة إلى مراعاة تعقيدات الاحتياجات النفسية لشخص آخر.
وفي هذا التحول نجد أنفسنا بشكل غير مباشر، أقل قدرة على فهم الآخر البشري، وكأننا انتقلنا من محاولة فهم الآلة، إلى تعلم كيفية التعامل مع إنسان مثلنا.
مرآة تكشف ما نفتقده لا ما نعيشه
في ظل الحديث عن صعود الذكاء الاصطناعي وتغلغله في مساحاتنا الشخصية، سندرك في نقطة ما أن الأمر لا يتعلق بهيمنة التكنولوجيا أو سيطرة الآلة، بل هو "مرآة" تعكس بوضوح واقع حياتنا المعاصرة في عالم يتسارع إيقاعه يومًا بعد يوم، وتتراجع فيه مساحات التواصل الإنساني، مرآة تكشف عمق الوحدة التي قد يعيشها الفرد، وحاجته المستمرة لأن يجد من يستمع إليه، حتى وإن كان ذلك "الآخر" مجرد شيفرة برمجية.

