الترابط الرقمي المفرط: تحوّل المنصات من أدوات تواصل إلى أنظمة سيطرة تعيد تشكيل الإنسان
علا القارصلي
ملخص :
حسبما ورد في كتاب وجد بشارة "عن الترابط الرقمي وخيباته" فإن الوسائط الرقمية تتسم بطبيعة متناقضة تجعلها تتراوح بين دعم الممارسة الديمقراطية وبين كونها بنى تحتية مهيمنة تعيد صياغة المجتمع، إذ يحلل روجرز بروبيكر الترابط المفرط بوصفه بنية تحتية-فوقية، تتجاوز في تأثيرها البنيوي كافة الثورات الاتصالية السابقة مثل التلغراف والهاتف، وهي تتغلغل بشكل عميق في نسيج الهوية والسياسة والاقتصاد لتصبح حقيقةً فارقةً في عصرنا الراهن تعيد إنتاج اللامساواة وتفرض أساليب تدخلًا سياديًا في إدارة العمل، وتعتمد هذه البنية في جوهرها المادي على مراكز بيانات ضخمة تستهلك الموارد الطبيعية والمياه بكثافة مما يجعلها تتناقض جذريًا مع ادعاءات الاستدامة، وقد أحدث هذا الترابط تحولًا هيكليًا في كيفية فهمنا لذواتنا وتفاعلاتنا الاجتماعية محطمًا اليوتوبيا التي صاحبت بدايات الإنترنت، ومستبدلًا إياها بواقع تسيطر فيه الشركات الخاصة على كافة أشكال الوساطة بين الأفراد ومجالات الحياة المختلفة، وهذا الوضع يدفعنا قسريًا نحو حالة من الاتصال الدائم تجعلنا نعيش في قلق مستمر من التخلف عن الركب الرقمي وتوقع التواجد الفوري، مما يمهد الطريق لفهم السمات البنيوية العميقة التي تحكم هذا النمط الجديد من التواصل.
سمات التواصل الرقمي
تبرز الأهمية الاستراتيجية لفهم الكيفية التي تشجع بها البيئة التقنية أفعالًا معينة وتعيق أخرى من خلال "إتاحات" تفتح آفاقًا جديدة لكنها تغلق أخرى، إذ يفكك بروبيكر سمات التواصل الرقمي من خلال ثلاث خصائص رئيسة هي الغزارة والتسطيح والتصغير، حيث تؤدي وفرة المعلومات المفرطة إلى جعلنا نعرف أقل عن أشياء أكثر ونعيش حالةً من التشتت وسط كم هائل من البيانات التي تفتقر للقيود المؤسسية، ويساهم هذا التسطيح في إلغاء التمايز بين مجالات الحياة المختلفة وتجريد المحتوى من سياقه المعرفي مما يضع الادعاءات الأكثر شططًا على قدم المساواة مع الحقائق الرصينة، كما يفرض التصغير (Miniaturization) تحويل الثقافة والوظائف إلى وحدات صغرى عبر مفهوم المهمات الصغرى (Micro-tasks) والالتزامات الصغرى (Micro-obligations) التي تجعل الفرد معالجًا كفؤًا للمحفزات السطحية لكنه يفتقر دومًا إلى المعرفة المركزة، ويرتبط هذا الواقع بمفهوم شيري تيركل حول الذات المقيدة، التي تجعل الفرد في حالة اتصال دائم لا ينقطع، وهذا التبدل يؤدي غالبًا إلى إضعاف القدرة على الانتباه وتوجيهه نحو استهلاك محتويات سريعة الزوال ومجردة من العمق، مما ينعكس بشكل مباشر على البناء السيكولوجي للفرد وقدرته على تكوين رؤية متماسكة عن العالم.
أزمة الهوية والانتباه
ووفق ورد في كتاب بشارة، فقد تحول الانتباه البشري إلى عملة ثمينة في اقتصاد المنصات الرقمية التي تستغل الخوارزميات فيها الهشاشة النفسية للمستخدمين لضمان بقائهم متصلين أطول فترة ممكنة، وتتجلى هذه الأزمة من خلال ظاهرة انهيار السياق التي تمحو الحدود بين الجماهير المختلفة مما يجبر الفرد على تقديم ذات أدائية مشخصنًا كل تفاعلاته لتناسب قوالب المنصة التكميمية، حيث يصبح فعل المشاركة والتدوين دائمًا وسيلة لإثبات الانتماء إلى فصيل معين أكثر من كونه تبادلًا حقيقيًا للمعلومات التي أصبحت ثانوية أمام الاصطفاف الاجتماعي، وفي هذا الفضاء المفتوح ينقلب الشعار النسوي القديم ليصبح السياسي مشخصنًا في كيفية تشكيل الحوار والمشاركة، مما يؤدي إلى تفتت معرفي يجعل الناس يعيشون في عوالم منعزلة وغير متوافقة، وتصبح الهوية الرقمية مجرد منتج يتم تسويقه عبر التفاعل المستمر مع المحفزات البصرية والسمعية التي صممها جيش من المهندسين لجذب الانتباه بشكل دائم، وهذه الضغوط النفسية والاجتماعية لا تتوقف عند حدود الحياة الخاصة بل تمتد لتفرض إجهادًا غير مسبوق في بيئات العمل.
إجهاد بيئات العمل
ورد في مجلة Frontiers، فقد تحول العمل الرقمي من ميزة توفر المرونة والتعاون إلى عبء جسدي وعقلي مستمر يهدد رفاهية الموظفين بشكل مباشر، إذ كشفت دراسة جامعة نوتنغهام عن الجانب المظلم لهذا التحول حيث يشعر العمال بالإرهاق نتيجة الحجم الهائل للرسائل والاجتماعات الافتراضية التي تطمس الحدود بين الحياة الشخصية والمهنية، وتفرض ثقافة الترابط المفرط حالة من "الإتاحة الدائمة" تجعل الموظف يشعر قلقًا وتوترًا إذا لم يستجب فورًا للرسائل خوفًا من اتهامه بالتقصير، مما يؤدي إلى صعوبة الانفصال النفسي عن العمل وصعوبة التوقف عن التفكير في المهام حتى في الأوقات الخاصة، وهذا الضغط لا يقتصر على زيادة وتيرة المهام بل يشمل جهدًا معرفيًا وعاطفيًا جراء كثافة البيئة الرقمية، حيث تضطر التكنولوجيا الموظف إلى البقاء مستعدًا للاستجابة الفورية تجنبًا لشكوك الإدارة في إنتاجيته أثناء العمل عن بعد، مما قد يؤدي إلى أزمة صحة مهنية واسعة النطاق إذا لم يتم التدخل، وهذه البيئة المرهقة تعد جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى إخضاع الفرد لآليات السيطرة التقنية والرقابة الشاملة.
آليات السيطرة التقنية
حسب تحليل بروبيكر لأنظمة السيطرة، تحولت المنصات الرقمية من وسائط محايدة إلى مؤسسات حكم تكنوقراطية تمارس سلطة تنظيمية وتوليدية على السلوك البشري، حيث تبرز السيطرة التعديلية (Modulatory Control) التي تعمق الانضباط داخل المسورات الرقمية التي تطوق مجالات الحياة، ويتم تحويل حياة الأفراد إلى بيانات قابلة للتكميم والتنبؤ الخوارزمي مما يمنح المنصات القدرة على توجيه السلوك وتشكيله خفيًا دون الحاجة إلى ثقة متبادلة، وتبرز الرقابة العكسية (Sousveillance) والتشهير الإلكتروني كأدوات لقمع المعارضة خاصة عندما تلتقي مصالح شركات التقنية مع السلطات السياسية، ويتجلى ذلك في الرقابة الخوارزمية الممارسة عبر الحظر الخفي (Shadow-banning) للمحتوى الفلسطيني أو عبر نشاط منصات مثل كاناري ميشين (Canary Mission) التي تفضح الناشطين وتُبلغ عنهم علنًا لإسكات النقد، وتعمل هذه الآليات كفضاءات انضباطية تفرض منطق المنصنة على كل مجالات الحياة وتجعل الفرد عرضة للمساءلة الدائمة عن أثاره الرقمية، وهذه السيطرة يتم تسويقها تقنيًا تحت شعارات الكفاءة والموضوعية بينما هي تعزز نفوذ نخب غير منتخبة، مما يمهد لبروز أيديولوجيا جديدة تمزج بين التقنية والنزعات الشعبوية.
التكنوقراطية والشعبوية الرقمية
وكما ورد في نقد اليوتوبيا التكنولوجية، فإن الواقع الفعلي يكشف عن زيف وعود الديمقراطية الرقمية حيث تهيمن نخب وادي السيليكون وهي النخب التي تحكم العالم تقنيًا واقتصاديًا، عبر مفهوم الشعبوية التكنوقراطية التي تكرس الشعبية كمقياس وحيد للقيمة، وتعتمد هذه الأيديولوجيا على ما وصفه إفجني موروزوف بالحلولية (Solutionism) التي تعيد تأطير القضايا الاجتماعية المعقدة كمشكلات تقنية بسيطة لها حلول خوارزمية، مما يؤدي إلى ممارسة سياسة من دون سياسة (Politics without politics) عبر نزع الصبغة السياسية عن الحوار العام وتحويله إلى مسائل تقنية وعقلانية فعليًا، وهذا التوجه يهمش المداولات العامة حول العدالة والشرعية ويضع سلطة القرار في أيدي مهندسي البيانات الذين يصممون هندسة الظهور وفق مصالحهم الجيوسياسية، مما يؤدي حتميًا إلى ترسيخ الوضع الراهن وإغلاق آفاق التغيير الفعلي لأن الأنظمة التنبؤية تسعى لجعل توقعاتها حقيقة واقعة من خلال توجيه سلوك القطيع الرقمي، وبينما يتم الاحتفاء باللامركزية فإن السلطة تتركز في يد قلة تتحكم في انتشار المعلومات وتكوين المواقف السياسية في الفضاء العام، مما يستوجب صياغة استراتيجيات شاملة لمواجهة هذا التغول التقني.
استراتيجيات المعالجة المقترحة
ووفق تحليل النتائج والتوصيات الواردة في دراسات وكتب، فإن استعادة التوازن في العصر الرقمي تتطلب تكاتف الجهود على المستويين التنظيمي والفردي لاستعادة وعيًا بشريًا يحمي الرفاهية، حيث توصي دراسة نوتنغهام ومقترحات بروبيكر بضرورة تبني آليات عملية تشمل:
- تدريب الموظفين على المهارات الرقمية لتمكينهم من التنقل بين الأدوات بكفاءة وتقليل الجهد المعرفي.
- تمكين العمال من وضع حدود واضحة وفواصل زمنية بين العمل والوقت الخاص لضمان الانفصال النفسي.
- تشجيع أقسام تكنولوجيا المعلومات على تبسيط الأدوات والحد من التكرار الإجرائي لتقليل حالة الحمل الزائد.
- إخضاع المنصات للمساءلة القانونية والاجتماعية لضمان الشفافية الخوارزمية وفهم البنى السياسية المحيطة بها.
إن الهدف النهائي ليس رفض التقنية بل امتلاك وعيًا كافيًا بمخاطرها واستخدامها كأدوات داعمة للارتقاء الإنساني توازنًا مع الحفاظ على استقلالية الإرادة البشرية، ختامًا، إن مواجهة خيبات الترابط الرقمي المفرط لا تكمن في الانعزال، بل في إخضاع هذه البنى التحتية الجبارة للمساءلة والوعي النقدي لضمان سيادة الإنسان على أدواته.

