كما في الداخل كذلك في الخارج
ملخص :
خاص - وّد الهاشمي
تُعد عبارة "كما في الداخل، كذلك في الخارج" من أكثر العبارات تداولًا في الخطاب الفلسفي الحديث، وغالبًا ما تُفهم بمعزل عن سياقها الأصلي، لكن كيف يمكن فهم فكرة بهذا العمق دون العودة إلى منبعها؟ إلى نقطة يختلط فيها التاريخ بالأسطورة، والدين بالفلسفة، في فضاء لا يمكن فصله بسهولة بين ما هو واقعي وما هو رمزي.
هناك، تظهر "الهرمسية".. كإحدى أكثر التيارات غموضًا وتأثيرًا، وُلدت في لحظة التقاء حضاري نادرة، حين امتزجت حكمة "تحوت" المصري، إله المعرفة والكتابة، مع صورة "هيرميس" الإغريقي، الوسيط بين العوالم.
هيرمس الهرامسة
حوالي عام 300 قبل الميلاد، ومع قيام الدولة البطلمية بعد وفاة الإسكندر الأكبر، دخلت مصر مرحلة فريدة امتزجت فيها الثقافة الهلنستية اليونانية مع التقاليد المصرية القديمة، لم يكن هذا الامتزاج مجرد تلاقٍ سياسي، بل محاولة لخلق هوية فكرية تجمع بين حضارتين، تمنح الحكم شرعية، وتفتح الباب أمام ولادة أفكار جديدة.
ظهرت شخصية هرمس الهرامسة؛ شخصية يحيط بها الغموض والقدسية، وهناك خلاف حول من يكون فعلاً، لكن يُعتقد على نطاق واسع أنه مزيج أسطوري من الشخصيات أكثر من كونه شخصية حقيقية.. رمزًا نُسبت إليه نصوص وأفكار شكّلت أساس ما عُرف لاحقًا بالفكر الهرمسي.
وتُعد النصوص المنسوبة إليه وأبرزها "لوح الزمرد" من أكثر النصوص غموضًا وتأثيرًا، حيث انتقلت عبر التراث العربي بين القرنين السادس والثامن الميلادي، قبل أن تُترجم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، ورغم غموض أصلها، فقد أصبحت بوابة رئيسية لفهم ما عُرف لاحقًا بعلم "الخيمياء".
ما هو علم الخيمياء؟
يُعزى مفهوم الخيمياء في ظاهره، إلى تحويل المادة من حالة إلى أخرى، لكن هذا الفهم لم يكن سوى الوجه الخارجي لفكرة أبعد وأعمق تُعنى بتحويل الذات الإنسانية من حالة مادية محدودة إلى وعي أوسع وأكثر إدراكًا.. من حالة الرصاص (الثقل، والجهل، واللاوعي) إلى حالة الذهب (النور، والإدراك، والحرية).
وهكذا لم تعد الخيمياء مجرد ممارسة، بل تحوّلت إلى لغة رمزية لفهم الذات، حيث يصبح "الداخل" من أفكار ومعتقدات، هو المحرك الحقيقي لما نعيشه في "الخارج"؛ فكل ما نحمله في وعينا، من تصورات وحدود، لا ينعكس فقط على تجربتنا، بل يشكّلها.
لم يكن هدف الخيمياء الوصول إلى الذهب، بل الوصول إلى حالة من الوعي يرى فيها الإنسان نفسه بوضوح، ويدرك أن فهم الذات قد يكون الطريق الوحيد لفهم العالم من حوله.
القوانين الكونية السبعة
تلك القوانين التي ذُكرت لأول مرة في كتاب The Kybalion عام 1908، لم تُطرح كقواعد علمية بقدر ما قُدّمت كإطار لفهم العالم من زاوية مختلفة ترى أن ما نعيشه ليس منفصلًا عمّا نفكر به.
فمن "قانون العقل" الذي يفترض أن الكون هو العقل الأكبر وكل ما فيه عبارة عن فكرة، وأن الواقع المتمثل بما نراه ونتلمسه ليس إلا انعكاسًا لما نفكر به، إلى "قانون التناظر" الذي يعيد طرح العبارة القديمة بأن الداخل يشبه الخارج، وكأن الإنسان نسخة مصغّرة من نظام أوسع.
ثم يأتي "قانون الاهتزاز"، الذي يرى أن لا شيء ثابت في هذا الكون، كل شيء يهتز بتردد معين وإذا أردنا شيئا، ما علينا سوى أن نهتز بنفس التردد، ويتكامل ذلك مع "قانون الإيقاع"، حيث لا يتحرك شيء في خط ثابت، بل يتبدّل بين حالتين، في حركة لا تثبت على شكل واحد، مثل المد والجزر، والنهار والليل.
أما "قانون السبب والنتيجة"، فيعيد تعريف الصدفة، لا كحدث عشوائي، بل كسبب لم يُدرك بعد، بينما يقدّم "قانون القطبية" تصورًا يرى أن التناقضات ليست سوى درجات مختلفة لشيء واحد، وأن ما نعتبره تضادًا قد يكون في جوهره امتدادًا لنفس الفكرة.
ويأتي أخيرًا "قانون الجنس"، الذي لا يُختزل في المعنى البيولوجي، بل يُطرح كمبدأ للتوازن والتوليد، حيث تتفاعل ثنائيات مختلفة لإنتاج كل ما نراه من أفكار أو أشكال.
الإنسان والكون.. مرآتان متداخلتان
يُنظر إلى الإنسان في الهرمسية بوصفه نموذجًا مصغّرًا يعكس في بنيته أنماطًا أوسع موجودة في الكون، ومن هذا المنطلق، لا تُفهم تلك العبارة بوصفها مجرد تشبيه بلاغي، بل كتصوّر فلسفي يرى أن ما في داخل الإنسان من إيقاع وبنية يشابه ما يحيط به وهذا ببساطة هو جوهر مفهوم "العالم الصغير والعالم الكبير".
ولمحاولة تقريب هذه الفكرة إلى الأذهان، غالبًا ما يتم اللجوء إلى مقارنات علمية، مثل التشابه الذي كان يُطرح سابقًا بين نماذج الذرة والأنظمة الكوكبية، ورغم أن هذا التشبيه لم يعد يُستخدم علميًا بالدقة ذاتها، إلا أنه يعكس ميل الفكر البشري إلى ملاحظة تكرار الأنماط والتشابه عبر مستويات مختلفة من الوجود.
ويأخذ هذا الطرح بُعدًا أكثر جدية عند النظر إلى الدراسة التي أجراها كل من: فرانكو فازا (Franco Vazza)، وألبرتو فيليتي (Alberto Feletti) عام 2020، حيث أُجريت مقارنة كمية بين الشبكة العصبية في الدماغ البشري وما يُعرف بـ "الشبكة الكونية"، وهي البنية التي تتوزع فيها المجرات عبر الكون.
وقد تعمّق الباحثان في هذه المقارنة، ليجدا أن التشابه لا يقتصر على الشكل العام، بل يمتد إلى البنية الإحصائية لتوزيع العناصر داخل كلا النظامين.
فالدماغ البشري، بوصفه شبكة معقّدة متعددة المستويات، يتكوّن من خلايا عصبية تتجمع في عقد ومسارات مترابطة، وهو ما يشبه توزيع المجرات داخل "الشبكة الكونية" لكن على مستوى مختلف تمامًا من الحجم، حيث تتجمع في خيوط وعُقد تفصل بينها مساحات شاسعة.
ومن اللافت أن نسبة صغيرة فقط من الكتلة في كلا النظامين تشكّل البنية النشطة، كالخلايا العصبية في الدماغ أو المجرات في الكون، في حين تتكوّن النسبة الأكبر من مكونات أقل تفاعلًا، كالماء في الدماغ أو الطاقة المظلمة في الكون.
كما أظهرت التحليلات أن نمط توزيع التذبذبات داخل الشبكة العصبية، على مقاييس دقيقة للغاية، يتّبع منحنى إحصائيًا مشابهًا لتوزيع المادة في الكون، رغم الفارق الهائل في الحجم، الذي يمتد من الميكرومتر إلى ملايين السنين الضوئية.
الخيمياء على مستوى نفسي
نجد صدى المبدأ الهرمسي في بعض مفاهيم علم النفس الحديث، وإن اختلفت طرق التفسير، ففي مفهوم "الإسقاط"، يُنظر إلى الإنسان على أنه لا يرى العالم كما هو في ذاته، بل كما يُعاد تشكيله من خلال بنيته النفسية، فقد يميل الفرد إلى إسناد صراعاته الداخلية أو جوانب غير متقبَّلة في ذاته إلى الآخرين، فيراها في سلوكهم قبل أن يراها في نفسه.
كما تلمح أبحاث في علم النفس البيئي إلى وجود علاقة بين الحالة الذهنية وتنظيم البيئة المحيطة، حيث قد يرتبط الشعور بالضغط أو التشتت ببيئات أكثر فوضوية، دون أن يكون ذلك انعكاسًا مباشرًا أو حتميًا.
وبالحديث عن كل هذا لابد من التطرق إلى مفهوم "التقطيع اللحظي" الذي يصف قدرة الإنسان على تكوين انطباعات سريعة استنادًا إلى إشارات محدودة، وهو ما قد يفسر لماذا يبدو أحيانًا أن الواقع الخارجي "يتوافق" مع الحالة الداخلية، بينما يكون الأمر في جوهره نتيجة لطريقة انتقاء الانتباه وتفسير المعطيات.
أما على المستوى الجسدي، فتشير بعض اتجاهات الطب النفسي الجسدي إلى وجود تفاعل بين الحالة النفسية والجسم، حيث يمكن للتوتر المزمن أن يؤثر في وظائف الجسم ويزيد من احتمالات بعض الاضطرابات.
خراب العالم الخارجي ما هو إلا انعكاس لخراب الوعي الداخلي
وبعد أن أبحرنا في أعماق الهرمسية، نصل إلى حقيقة لا يمكن تجاهلها، فبالنظر إلى ما نعيشه اليوم من صراعات دينية محتدمة، وما تبعها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، يتضح أن هذه الفوضى التي تملأ "الخارج" ليست سوى صدى لما يعتمل في "الداخل"، ولا تزال البشرية، إلى حدّ كبير، حبيسة مستوى متدنٍ من الوعي، أسيرة لأنماط تفكير لم تتجاوزها بعد.
ولعل أحد الأسباب الجوهرية وراء هذا التخبط هو تحييد العقل، تلك الهبة الإلهية التي كان يمكن أن تكون أداة للفهم والتحرر، لو أُحسن استخدامها، ولكن ما زال الجمود الفكري يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة.
وإذا أردنا عالمًا يسوده السلام، وواقعًا أكثر عدالةً، فلا بد أن يبدأ هذا التغيير من المختبر الخيميائي الأول: عقل الإنسان ونفسه، فالصراعات التي نراها في الخارج لن تختفي ما لم يتحوّل ما في الداخل من جهل وتعصب إلى وعيٍ أوسع وقدرة على الفهم.
ربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة العقل، لا كأداة تحليل فقط، بل كجسر نعبر به من سجن الموروث المهترئ إلى رحابة الوعي الكوني، لنحقق التناغم الذي نادى به الخيميائيون الأوائل.. توازن الداخل الذي يصنع جمال الخارج.

