سلطة غرف الصّدى: التجييش الصّامت في عصر الرّقمنة
ملخص :
نعيش اليوم في عالم من سيل للمعلومات المتدفّقة حول شتّى القضايا، وأصبح من المعتاد أن نشارك آراءنا حولها عبر المنصات الرّقمية المتعددة، الّتي من المفترض أن تربطنا بالعالم أجمع وتقدّم لنا شتّى وجهات النّظر حول شؤونه، ولكن ماذا إن كنّا نستخدم أدوات تحبسنا في فقاعة تكرر فقط ما نريد أن نسمعه؟
ما هي غرف الصّدى
ظهر المصطلح مع شيوع استخدام منصّات التّواصل الاجتماعي في الألفية الجديدة، إذ طبيعة الخوارزميات في هذا المواقع مصمّمة لتزوّد المستخدم بمحتوى يتفّق مع آراءه حسب المواد الّتي يتفاعل معها بكثرة، وتقليل عرض المواد المغايرة لرأيه إلى أن تختفي تماما، وبالتدريج يتحول حسابه إلى بيئة مغلقة تكرّر وتضخّم قناعاته وانحيازاته بمعزل عمّا يختلف عنها، وأطلق عليها الباحثون مصطلح "غرفة الصّدى".
كيف تتشكّل غرف الصّدى؟
لفهم الاستراتيجيّة ما وراء توزيع المحتوى على المستخدمين، علينا في البداية فهم كيف تحقّق المنصات الرقمية أرباحا لتضمن استمراريتها؟ الحقيقة هي أنّ هذه الصّناعة بأكملها قائمة على أرباح التفاعل مع الإعلانات المعروضة، وبطبيعة الحال كلّما ازداد الوقت الّذي يقضيه المستخدم على حسابه ازدادت احتمالية تفاعله مع الإعلان، و لذلك تعمل الخوارزميّة على رفد صفحة الشخص بمحتوى يتفق مع آرائه واهتماماته ليستخدم التطبيق لمدة أطول، وعليه يحقّق أرباحا متزايدة للمنظومة، لا يقتصر تشكيل غرفة الصّدى على الخوارزمية وحدها، بل نساهم نحن كمستخدمين في اتّساع رقعة تأثيرها بشكل كبير، يبدأ هذا عندما نختار حسابات الأشخاص أو المؤسسات الّتي نتابعها حسب التّفضيل الشّخصي، فنقوم تلقائيا بتقليل وصول المحتوى المغاير على صفحاتنا، أو ما يطلق عليه التّعرض الانتقائي على المنصّات الرّقميّة، وحتّى عندما نتفاعل مع المحتوى قد نرصد منه فقط ما نتفق معه أو نراه منطقيّا، على الرّغم من وجود أدلّة تثبت العكس أمامنا بشكل مباشر، وتحدث هذه العملية بشكل لا واعي في الدّماغ تحت مسمّى الانحياز التأكيدي في رصد المعلومات.
تأثير غرف الصّدى
يظهر انجذاب الإنسان لما يشبهه دائما بسبب حاجة ماسّة للانتماء داخل المجموعة، يرى الباحثون أن التواجد داخل غرف الصّدى يحمي المستخدم من الشّعور بالرّفض أو إطلاق الأحكام عليه، وقد يصل في بعض الحالات إلى تشكيل شعور بالفوقية على الآخر المختلف عنه، فعندما نتعرّض بشكل مكثّف لرأي واحد فقط يصبح هو الحقيقة المطلقة بالنسبة لنا، وهو ما يؤدّي إلى تبنّي آراء متطرّفة حول القضايا الاجتماعيّة، والسّياسية، وسهولة الانخداع بالمعلومات المضلّلة الّتي تتّفق مع توجّهنا الفكري، لاسيّما مع غياب التّفاعل مع الواقع الوجاهي الّذي تظهر فيه تعقيدات الآراء المختلفة على الأرض.
ووفقا لدراسة تابعة للمعهد الوطني للصّحة في الولايات المتحدة الأمريكية، قام الباحثون بتحليل أكثر من 32 مليون منشور للمستخدمين، واتّضح أنّ الأفراد الّذين ينشرون محتوى يبث خطاب كراهية على مواقع التّواصل الاجتماعي يقومون بإعادة نشر متكرّرة لمحتوى سابق أكثر من إنتاج مواد جديدة، ويتفاعلون معها بشكل مكثّف داخل مجموعات تحمل اراء متشابهة، وتساهم أنظمة التوصية بالمحتوى للمستخدمين على انتشار هذه المواد بوتيرة متسارعة، ممّا يوضّح ضرر غرف الصّدى على انتشار خطاب الكراهية في الفضاء الرّقمي.
نموذج الانتخابات الأمريكيّة عام 2016
شهدت الانتخابات الأمريكيّة في عام 2016 حالة من استغلال بيانات المستخدمين على منصة (Facebook) لاستقطاب النّاخبين، فسجّل موقع أنّ ما عدده 30 مليون منشور من الأخيار الزائفة المتعلّقة بالمرشّح "دونالد ترامب" -آنذاك- انتشرت عبر حسابات داعمة له، و صدّقها 50% من المستخدمين لا سيما ما يتّفق منها مع توجهاتهم بسبب تأثير الانحياز التّأكيدي، و تعرّضت شركةFacebook حينها لاستجواب رسمي في مجلس الكونغرس الأمريكي حول مسؤوليتها في حماية بيانات المستخدمين من الحسابات الوهمية، خاصة المموّلة من دول أخرى بهدف تقويض الانتخابات، ونتج عنه توظيف 350 عامل جديد متخصص في مراجعة المحتوى المنشور على المنصة، يقدّم هذا النّموذج محاكاة لتقاطع الأخبار الزّائفة مع غرف الصّدى في العالم الرّقمي، واثار هذا التداخل الكارثي في واقع تنتشر فيها الأخبار الزّائفة أسرع بكثير الحقيقيّة، بسبب ما تتعمده من إثارة و بثّ الخوف والتّهديد خصوصا خلال الأزمات، يزداد الأمر تعقيدا مع غياب مهارات التّحقق من دقّة المحتوى و مصادره، مما يجعل الأدوات الرقميّة سلاح مثالي للتجييش السّياسي و الاقتصادي على المدى البعيد.
كيف نخرج من غرف الصّدى؟
في مقالة منشورة على موقع "ذا ميديوم"، يدعو الكاتب المستخدمين إلى متابعة أشخاص ذويي آراء مختلفة عنهم بشكل مقصود لتنويع طبيعة المحتوى المعروض لديهم، والتحقق من المصادر دائما مع ضرورة الانقطاع عن منصات التواصل الاجتماعي بشكل دوري، علاوة على تكثيف التّجمعات الوجاهيّة لمناقشة القضايا الّتي تمسّ المجتمع على أرض الواقع بدلا من تحيزات الفضاء الرّقمي.
تكمن خطورة واقعنا الرّقمي اليوم في زعزعة مفهوم الرأي الشّخصي، عندما نعلق في غرف صدى على المدى الطويل، كيف أعرف أنّ رأيي هو رأيي حقّا؟ أم أني مجرد دميّة تحرّكني قوى أكبر منّي؟ كيف أثق بتقييمي للواقع عندما أراه بعين واحدة؟ كيف وأنا لا أدري أنّ الأخرى مغلقة أصلا؟

