رحلة علمية تنتهي بكارثة صحية.. كيف تحوّل شغف مراقبة الطيور إلى تفشي "هانتا" على متن سفينة سياحية؟
ملخص :
في تطور لافت أثار اهتمام الأوساط الصحية والعلمية الدولية، بدأت تتكشف خيوط حادثة تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية الهولندية "إم في هونديوس"، بعدما تحولت رحلة استكشافية مخصصة للباحثين وهواة مراقبة الطيور إلى أزمة صحية معقدة انتهت بوفاة زوجين هولنديين وإخضاع عشرات الركاب لإجراءات عزل وفحوصات دقيقة.
تشير التحقيقات الأولية إلى أن العدوى لم تبدأ على متن السفينة، بل سبقتها سلسلة تنقلات في أمريكا الجنوبية، ما عزز فرضية انتقال الفيروس خلال نشاطات ميدانية مرتبطة بالحياة البرية، وهي الفرضية التي باتت تحظى بترجيح متزايد لدى الجهات الصحية.
شغف علمي قاد إلى النهاية المأساوية
تتمحور القضية حول عالم الطيور الهولندي، ليو شيلبيرود، البالغ من العمر 70 عاما، وزوجته ميريام البالغة 69 عاما، اللذين أمضيا نحو خمسة أشهر في جولة بحثية وسياحية عبر عدد من دول أمريكا الجنوبية، شملت الأرجنتين وتشيلي وأوروغواي.
الزوجان، المنحدران من قرية هاوليرويك الهولندية، كانا معروفين في أوساط مراقبة الطيور والأبحاث البيئية بشغفهما الكبير بالحياة البرية، كما سبق لهما المشاركة في دراسات علمية متخصصة، من بينها بحث نُشر عام 1984 حول الأوز ذي القدم الوردية في مجلة "Het Vogeljaar" الهولندية المتخصصة بعلم الطيور.
وبحسب التحقيقات، زار الزوجان في 27 مارس/آذار الماضي مكبا للنفايات قرب مدينة أوشوايا في أقصى جنوب الأرجنتين، وهو موقع يستقطب مراقبي الطيور بسبب تنوعه البيئي، رغم التحذيرات المرتبطة بظروفه الصحية الخطرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذا الموقع قد يكون أحد مصادر التعرض المحتملة للفيروس، عبر استنشاق جزيئات ملوثة مرتبطة بإفرازات قوارض تحمل سلالة "الأنديز" من فيروس هانتا، وهي من أخطر السلالات المعروفة في أمريكا الجنوبية.
من الرحلة الاستكشافية إلى الكارثة الصحية
بعد أيام فقط من تلك الزيارة، صعد الزوجان في الأول من أبريل/نيسان إلى متن السفينة "إم في هونديوس"، ضمن رحلة ضمت أكثر من 110 ركاب، ومع حلول السادس من أبريل/نيسان، بدأت الأعراض الأولى تظهر على ليو شيلبيرود، حيث عانى من ارتفاع حاد في الحرارة وصداع وآلام معوية وإسهال شديد، قبل أن تتدهور حالته الصحية بسرعة كبيرة.
ورغم المحاولات الطبية للتعامل مع وضعه، توفي الرجل على متن السفينة بعد خمسة أيام فقط من ظهور الأعراض، في مشهد صدم الركاب وأثار حالة استنفار صحي داخل الرحلة، أما زوجته ميريام، فقد بدأت حالتها بالتدهور لاحقا، وخلال عمليات نقل وإجلاء متلاحقة جوا وبحرا، اضطرت السلطات إلى إنزالها من إحدى الطائرات في مطار بجنوب أفريقيا إثر تدهور حالتها بشكل خطير، قبل أن تفارق الحياة في اليوم التالي.
صدمة واسعة في هولندا
أثارت وفاة الزوجين حزنا واسعا داخل مجتمع علماء الطيور والمهتمين بالحياة البرية في هولندا، خاصة أن الزوجين كانا معروفين بنشاطهما العلمي وحضورهما المستمر في الرحلات الاستكشافية الدولية، ونشرت المجلة الشهرية التابعة لقريتهما نعوات مؤثرة استحضرت مسيرتهما الطويلة مع السفر والاستكشاف، ووصفت حياتهما بأنها "رحلة لا تنتهي تشبه الطيور المحلقة"، في إشارة إلى شغفهما الدائم بالطبيعة والترحال.
فرضيات العدوى.. تشيلي تتصدر الاحتمالات
وفي ظل تصاعد التساؤلات حول مصدر العدوى الحقيقي، أكد خوان بترينا، المدير العام لعلم الأوبئة والصحة البيئية في إقليم تييرا ديل فويغو الأرجنتيني، أن البيانات الوبائية حتى الأول من أبريل/نيسان، وهو تاريخ مغادرة السفينة، لم تسجل أي حالات إصابة بفيروس هانتا داخل الإقليم، موضحا أن ندرة القوارض الحاملة للفيروس في المنطقة، إلى جانب قصر فترة تعرض الزوجين لأي بيئة ملوثة محتملة، تجعل فرضية انتقال العدوى داخل الإقليم الأرجنتيني أقل ترجيحا.
وأشار إلى أن السيناريو الأقرب، وفق التحليلات المتاحة، يتمثل في احتمال إصابة الزوجين خلال وجودهما في تشيلي، حيث شهدت بعض المناطق تفشيات سابقة لفيروس هانتا بمعدلات وفيات مرتفعة نسبيا، ما يتوافق مع طبيعة الأعراض وسرعة التدهور الصحي التي ظهرت عليهما.
استنفار دولي وإجراءات عزل مشددة
ومع استمرار المخاوف من انتقال العدوى، وصلت السفينة "إم في هونديوس" إلى ميناء غراناديلا في جزيرة تينيريفي الإسبانية وسط إجراءات أمنية وصحية استثنائية، حيث رافقتها سفينة تابعة للحرس المدني الإسباني حتى دخولها الميناء، كما جرى تجهيز منطقة استقبال خاصة لضمان إنزال الركاب ضمن بروتوكولات صحية صارمة، مع منع أي احتكاك مباشر بينهم وبين السكان المحليين.
وشهدت العملية تنسيقا دوليا واسعا بإشراف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى جانب السلطات الصحية الإسبانية، في محاولة لاحتواء الوضع ومنع أي امتداد محتمل للعدوى.
ثماني إصابات ومتابعة دقيقة للمخالطين
من جهتها، أوضحت الدكتورة، ماريا فان كيركوف، مديرة قسم التأهب للأوبئة والجوائح في منظمة الصحة العالمية، أن عدد الإصابات المؤكدة استقر عند ثماني حالات حتى الآن، مؤكدة أن عمليات تتبع المخالطين شملت جميع الركاب الذين غادروا السفينة في جزيرة سانت هيلينا، إضافة إلى الأشخاص الذين استقلوا رحلات جوية باتجاه جوهانسبرغ، بالتنسيق مع السلطات الصحية في الدول المعنية والشركة المشغلة للسفينة.
وأضافت أن عمليات إنزال الركاب تتم تدريجيا بواسطة قوارب صغيرة، قبل إخضاعهم لفحوصات طبية شاملة داخل الميناء، على أن يتم نقل المصابين أو المشتبه بإصابتهم إلى هولندا لتلقي العلاج، بينما يُعاد الركاب غير المصابين إلى بلدانهم عبر رحلات مخصصة.
منظمة الصحة العالمية: "هذا ليس كوفيد"
وفي محاولة لطمأنة الرأي العام، شددت منظمة الصحة العالمية على أن فيروس "هانتا" لا ينتقل بالطريقة نفسها التي ينتشر بها فيروس كورونا، مؤكدة أن خطر انتقاله بين عامة السكان يبقى منخفضا، وقال المتحدث باسم المنظمة، كريستيان ليندماير، إن الفحوصات التي أجريت للمخالطين المقربين جاءت سلبية في عدد من الحالات، حتى لدى أشخاص شاركوا المصابين الكبائن نفسها/ مضيفا أن الفيروس "خطير بالفعل، لكنه لا ينتشر بطريقة تشبه كوفيد-19"، موضحا أن طبيعة العدوى المحدودة تقلل احتمالات حدوث تفش واسع النطاق بين السكان.

