الأجسام الطائرة المجهولة.. حين يتحول الغموض إلى "عقيدة" جديدة في أمريكا
ملخص :
في ظل تنامي الشكوك الشعبية بالمؤسسات الأمريكية التقليدية، واتساع الاهتمام بكل ما يرتبط بالغموض والظواهر غير المفسّرة، لم تعد ملفات الأجسام الطائرة المجهولة مجرد وثائق أمنية أُزيح عنها طابع السرية، بل تحولت إلى قضية ثقافية وفكرية تعكس تحولات عميقة في بنية المجتمع الأمريكي، وفي مفهوم الإيمان ذاته داخل الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، سلطت الكاتبة والباحثة الأمريكية، ديانا وولش باسولكا، أستاذة الدراسات الدينية في جامعة نورث كارولاينا، الضوء على الأبعاد الفكرية والاجتماعية لهذه الظاهرة، معتبرة أن الجدل المتصاعد بشأن الأجسام الطائرة المجهولة تجاوز حدود الفضول الشعبي، ليؤدي أدوارا مشابهة للدين في المجتمع الأمريكي المعاصر.
وثائق البنتاغون.. اعتراف ضمني أم بحث عن الشفافية؟
وجاءت هذه القراءة بالتزامن مع مواصلة وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) نشر وثائق ومواد مصنفة سابقا ضمن الملفات السرية المتعلقة بالأجسام الطائرة المجهولة، في خطوة أثارت اهتماما سياسيا وإعلاميا واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وترى باسولكا أن هذه الخطوة، رغم أنها لا تقدم دليلا حاسما على وجود حياة خارج كوكب الأرض، تحمل دلالات تتجاوز الجانب الأمني أو العلمي، إذ إن إنشاء أرشيف رسمي معتمد من الحكومة الأمريكية بشأن هذه الظواهر يمثل، من وجهة نظرها، شكلا من أشكال الاعتراف الضمني بهذا النمط الجديد من الاعتقاد.
وتعتبر الباحثة أن الدولة، عبر تعاملها الرسمي مع هذه الملفات، أسهمت في إضفاء قدر من الشرعية على سرديات كانت تُصنف سابقا ضمن نطاق النظريات الهامشية أو الخيال الشعبي.
"دين بلا مؤسسة"
وبحسب الطرح الذي قدمته الأكاديمية الأمريكية، فإن الاعتقاد بالأطباق الطائرة لا يرقى إلى مستوى الدين التقليدي المعروف، لافتة إلى أنه لا يستند إلى نصوص مقدسة أو مؤسسات دينية تفرض العقيدة أو تنظم أتباعها، إلا أنها تؤكد، في المقابل، أن هذا الاعتقاد يؤدي وظائف تاريخية مشابهة لما قامت به الأديان عبر العصور، من حيث بناء المجتمعات، وصياغة روايات "التجلي"، وتقديم تفسيرات كونية تتعلق بمكانة الإنسان ومعنى وجوده في العالم.
وترى باسولكا أن الإنسان بطبيعته يميل إلى البحث عن المجهول، وأن الحاجة إلى تفسير الظواهر الغامضة ظلت حاضرة في مختلف المراحل التاريخية، حتى وإن تبدلت الأدوات والرموز المستخدمة للتعبير عنها.
تراجع الدين التقليدي وصعود الإيمان بالغموض
وأشارت الكاتبة إلى أن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تكشف تصاعدا ملحوظا في الاعتقاد بوجود كائنات فضائية زارت الأرض، حيث يؤمن نحو 47% من الأمريكيين بهذه الفكرة، بالتزامن مع تراجع معدلات الانتماء إلى الكنائس والمؤسسات الدينية التقليدية.
وترى أن هذا التزامن لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة، بل يعكس تحولا عميقا في البنية الفكرية والثقافية للمجتمع الأمريكي، حيث بدأت أشكال جديدة من "الإيمان" تحل محل المرجعيات الدينية الكلاسيكية، وبحسب تحليلها، فإن المجتمعات الحديثة، رغم طابعها التكنولوجي والعلمي، لا تزال تبحث عن روايات كبرى تمنح الأفراد الشعور بالمعنى والانتماء، حتى وإن جاءت هذه الروايات في قالب يرتبط بالكائنات الفضائية أو الذكاء غير البشري.
مناهضة المؤسسات.. العقيدة السياسية الجديدة
ويتسم هذا التيار، وفق المقال، بنزعة واضحة نحو التشكيك بالمؤسسات الرسمية، إذ يشترك كثير من المؤمنين بالأجسام الطائرة المجهولة في حالة من الريبة تجاه الحكومات، ووسائل الإعلام التقليدية، وحتى المؤسسات الأكاديمية والعلمية، ولم يعد هذا الاهتمام مقتصرا على جماعات هامشية أو هواة نظريات المؤامرة، بل امتد إلى شخصيات سياسية وعلمية بارزة طالبت بمزيد من الشفافية والإفصاح الكامل عن الملفات المتعلقة بهذه الظواهر.
ومن بين أبرز الأصوات السياسية التي دعت إلى كشف مزيد من الحقائق، السيناتور الديمقراطي، تشاك شومر، إلى جانب السيناتور الجمهوري، مايك راوندز، اللذين طالبا الإدارة الأمريكية بتوسيع نطاق الإفصاح الرسمي حول هذه الملفات، وترى باسولكا أن تنامي هذه النزعة يعكس أزمة ثقة متجذرة داخل المجتمع الأمريكي، حيث أصبحت "مناهضة المؤسسات" تمثل، بصورة متزايدة، اتجاها فكريا وثقافيا عاما يتجاوز حدود السياسة التقليدية.
تغير أدوات صناعة الإيمان
وعقدت الباحثة مقارنة تاريخية بين كيفية تفسير الظواهر الغامضة في الماضي وآليات التعامل معها اليوم، مستشهدة بحادثة ظهور السيدة مريم العذراء في البرتغال عام 1917، وهي الواقعة التي خضعت -آنذاك- لتفسير المؤسسة الكنسية التي احتكرت سلطة التأويل ومنحت الرواية شرعيتها الدينية.
أما في العصر الحديث، فإن "مجتمع الأطباق الطائرة"، بحسب وصفها، لم يعد يعتمد على مؤسسات مركزية أو سلطات دينية، بل بات ينشئ شبكاته بصورة أفقية عبر منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، حيث ينشر الأفراد رواياتهم الشخصية ومقاطع الفيديو والتسجيلات المرتبطة بمشاهداتهم دون المرور عبر قنوات تقليدية أو جهات وصاية معرفية.
وساعد هذا التحول الرقمي، إلى جانب الإرث الثقافي المتراكم حول نظريات التستر الحكومي، في ترسيخ الاعتقاد بأن السلطات الأمريكية تخفي معلومات تتعلق بوجود "ذكاء غير بشري".
الغموض بوصفه وقودا للإيمان
وترى باسولكا أن استمرار الإفراج عن الوثائق المتعلقة بالأجسام الطائرة المجهولة لن يقود بالضرورة إلى حسم الجدل أو تقديم إجابات نهائية، بل قد يسهم في تعميق حالة الإيمان المرتبطة بهذه الظاهرة، موضحة أن هذا النوع من الاعتقاد يزدهر أساسا في بيئة يسودها الغموض وانعدام اليقين، إذ إن غياب الإجابات الحاسمة يمنح هذه السرديات قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع.
أزمة ثقة تعيد تشكيل المجتمع الأمريكي
وفي خلاصة رؤيتها، تؤكد الكاتبة أن تصاعد الاهتمام بالأجسام الطائرة المجهولة لا يعكس فقط الفضول تجاه احتمالات وجود حياة خارج الأرض، بل يكشف عن تحولات أعمق يعيشها المجتمع الأمريكي، مع انتقال الدوافع الدينية والبحث عن المعنى إلى فضاءات تكنولوجية وإعلامية جديدة تتجاوز المؤسسات التقليدية و"حراس البوابة" الذين احتكروا سابقا التحكم بالمعلومة والرواية العامة.
وتخلص باسولكا إلى أن صعود هذا الاعتقاد يعبر، في جوهره، عن أزمة ثقة بنيوية داخل الولايات المتحدة، حيث بات التشكيك بالمؤسسات يمثل لدى شريحة واسعة من الأمريكيين ما يشبه "العقيدة الوطنية الجديدة".

