تفكيك سردية الرقابة الشاملة: إشاعة رقمية مُعاد تدويرها لإرباك المجتمعات
علا القارصلي
ملخص :
في البيئات المشحونة بالاستقطاب الرقمي، لا تظهر الأخبار الزائفة كأخطاء معلوماتية بسيطة، بل كأدوات وظيفية تُستخدم لقياس المزاج العام ورصد مستويات القلق المجتمعي، خصوصاً عند تزامنها مع تحولات تشريعية حساسة، انتشار إشاعة "الرقابة الشاملة" لا يُفهم كحدث عابر، بل كعملية تهدف إلى إنتاج حالة من "الارتباك الرقمي" تقوّض الثقة في الفضاء السيبراني وتدفع المستخدمين نحو العزلة الاختيارية.
الادعاء الكاذب
تداول مستخدمون على مواقع التواصل وتطبيقات الدردشة ادعاءً يفيد بصدور قرارات من وزارات الداخلية في سوريا ومصر ولبنان والكويت تقضي بإطلاق نظام جديد يشمل تسجيل المكالمات، وحفظ محادثات الهواتف المحمولة، ومراقبة تطبيقات التواصل الاجتماعي، هذا الادعاء أثار حالة من الجدل والقلق، ما دفع الجهات الرسمية في الدول المذكورة إلى إصدار نفي واضح له.
التحليل البنيوي لمحتوى الادعاء (تفكيك الرواية)
تعتمد هذه الإشاعة في انتشارها على استغلال "الفجوة المعرفية" لدى المستخدم العادي حول آليات عمل الشبكات والبروتوكولات القانونية، تم تصميم النص ليبدو رسمياً من خلال توظيف مصطلحات توحي بوجود سيطرة تقنية مطلقة، مع تعزيز ذلك بصور مولدة بالذكاء الاصطناعي لإضفاء مصداقية بصرية زائفة على الخبر.
عناصر الادعاء بناءً على المصدر:
- الجهة المنسوب إليها القرار: وزارات الداخلية.
- الوسائل المستهدفة: تسجيل المكالمات، حفظ المحادثات، ومراقبة تطبيقات (واتساب، تويتر، فيسبوك) وكافة المنصات المرتبطة بها.
- الذريعة التقنية والقانونية: الربط المزعوم بأرقام الهواتف عبر السجل المدني والبصمة، واستخدام قانون الجرائم الإلكترونية كغطاء تشريعي متخيل لإقناع المستخدم بوجود مراقبة شاملة حتمية.
تحليل اللغة التحذيرية
عند تحليل عبارة "رسائل ليس لها داعٍ"، يتبين أنها ليست نصيحة أمنية بقدر ما هي أداة لتقييد التواصل، هذه الصياغة تدفع المستخدم إلى ممارسة رقابة ذاتية قسرية على نفسه، وتؤدي إلى عزله رقمياً عبر خلق شعور بأن أي تفاعل بسيط قد يعرّضه للمساءلة القانونية.
ما يحدث هنا هو توظيف استراتيجية "الإرهاب النفسي الرقمي"، حيث يتم تحويل أدوات التواصل اليومية إلى مصدر تهديد محتمل، ما يستدعي إعادة فحص هذه الادعاءات مقابل الحقائق الفعلية.
الأثر القانوني والتقني للنفي الرسمي
تصريح الجهات الرسمية لا يقتصر على نفي الخبر، بل يسحب الشرعية القانونية عن أي بناء معلوماتي قائم عليه.
من الناحية القانونية، يشكل النفي الرسمي مرجعية تُبطل أي تداول مضلل، وتؤكد أن إعادة نشر هذه الادعاءات يدخل ضمن دائرة التضليل.
تقنياً، يثبت النفي أن مزاعم ربط البصمة والسجل المدني بمراقبة واتساب لا تستند إلى أي أساس واقعي، بل تمثل تصوراً تقنياً مفبركاً يستهدف تضخيم الخوف لدى غير المختصين.
التحليل المقارن والنمط المتكرر للإشاعة
الإشاعة هنا ليست حالة فردية، بل "إشاعة زومبي" يتم إعادة تدويرها عبر الزمن، التحليل يشير إلى أن النص المستخدم هو قالب جاهز يُعاد نشره في دول مختلفة (مصر، العراق، لبنان) مع تغيير اسم الجهة الرسمية فقط.
هذا النمط يثبت أن الإشاعة ليست عفوية، بل مُنتج تضليلي مسبق الصنع يُستخدم بشكل دوري.
التوقيت والغرض الوظيفي
إعادة تفعيل هذا النوع من المحتوى يحدث غالباً بالتزامن مع النقاشات العامة حول قوانين الجرائم الإلكترونية، الهدف الوظيفي هو تحويل النقاش القانوني إلى حالة ذعر جماعي، مما يشتت الرأي العام ويُضعف القدرة على النقاش الموضوعي.
هذا الاستخدام الممنهج للنصوص المكررة يشير إلى وجود تضليل وظيفي يستهدف "المناعة المعلوماتية" للمجتمع، ويستدعي كسر دائرة إعادة النشر.
التوصيات المهنية
الحقيقة الرقمية أصبحت خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات، هذا التحليل يؤكد أن روايات "الرقابة الشاملة" ليست سوى إعادة تدوير لإشاعات قديمة بغطاء جديد لإثارة القلق، وبناءً على ما تقدم نخلص إلى الدروس المستفادة التالية:
- التثبت القطعي: الادعاء بوجود نظام مراقبة تقني شامل للمكالمات والوسائط هو ادعاء ملفق وكاذب عارٍ عن الصحة.
- المرجعية السيادية: نفي وزارات الداخلية هو المصدر النهائي والوحيد للمعلومات المتعلقة بهذا الشأن، وأي تجاوز له هو تماهٍ مع التضليل.
- الوعي بالنمط: الحذر من أي رسائل "تحذيرية" تفتقر للروابط الرسمية، خاصة تلك التي تظهر بصيغ متشابهة في دول متعددة.
نصيحة لتعزيز المناعة الرقمية
قبل إعادة نشر أي محتوى تحذيري، يجب التحقق منه عبر المصادر الرسمية مثل وزارات الداخلية أو وكالات الأنباء الرسمية، كسر سلسلة التضليل يبدأ من التوقف عن إعادة النشر غير الموثق.
مصادر الادعاء
https://www.facebook.com/groups/988882402180476/posts/1638486140553429/
مصادر التحقق
https://www.mtv.com.lb/news/1690655
https://www.albawabhnews.com/5357938
https://www.verify-sy.com/ar/factcheck/monitoring-calls-and-social-media-in-syria

