حكايات الكنداكات بين مرارة الفقد وحراسة الأمل
ليلى العمري
ملخص :
لم يكن صباح 15 من أبريل من عام 2023 صباحًا عاديًا في السودان، في ذلك اليوم، لم تستيقظ النساء على رائحة "الجبنة" (القهوة السودانية التقليدية) الممزوجة بالهيل، بل استيقظن على دويّ غريب مزّق سكون بيوتهن، وأعلن برصاصته الأولى أن الحياة كما عرفناها قد انتهت إلى غير رجعة، في لحظة واحدة، تحولت جدران المنازل الدافئة في الخرطوم، ودافور، وكردفان، من ملاذات آمنة تحرس ضحكات الأطفال، إلى سجون من الخوف والترقب.
المرأة السودانية، التي طالما كانت عماد الأسرة وحارسة التراث ورمز النضال السلمي، وجدت نفسها فجأة تقف في خط المواجهة الأول لحرب لم تكن لها فيها ناقة ولا جمل، حرب لم تختارها، لكنها باتت تدفع ثمنها الغالي من لحمها الحي، وراحتها، ومستقبل بناتها، لقد تحول صوتهن العذب الذي كان يغني للوطن والحرية، إلى غصة مكتومة في الحناجر، وهن يرقبن ملامح مدنهن الحبيبة وهي تتآكل تحت رماد القذائف، ويشهدن بأم أعينهن كيف تتبدد أحلامهن البسيطة في بضعة أيام.
فصول من الصبر والألم فوق أرض النزوح
عندما تصبح البيوت أهدافًا، وتتحول الشوارع إلى ساحات للموت، لم يعد النساء سوى خيار واحد أحلاهما مُر: الهروب من تلك اللحظات الرهيبة، لم تمتلك المرأة وقتًا لتبكي أو تودع زوايا بيتها الهادئة، كان عليها أن تجمع شتات عائلتها في دقائق معدودات، وخرجت آلاف النساء يحملن في يدٍ حقيبة صغيرة تضم بضع وثائق وصور عائلية، وفي اليد الأخرى يقبضن على أيدي أطفالهن المذعورين.
رحلة الخروج من الكدن المنكوبة كالخرطوم أو الفاشر لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت قطعة من الجحيم، مشت الأمهات لمسافات طويلة تحت شمس حارقة، وعبرن طرقًا غير آمنة يتربص بها الخطر من كل جانب، كانت كل خطوة تخطوها المرأة محفوفة بالخوف من القذائف الطائشة، ومثقلة بعبء الحفاظ على كرامة بناتها وحمايتهن من الذئاب البشرية التي استغلت غياب القانون، نساء تركن وراءهن حكاياتهن، مطابخهن، فساتين الأعراس، وجامعاتهن، ليجدن أنفسهن في نهاية المطاف داخل خيام من قماش لا تقي حرًا ولا بردًا، في مراكز نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية.
لقد أعادت الحرب صياغة الأدوار داخل المجتمع السوداني بشكل قسري ومأساوي، ففي غياب الآباء أو الأزواج – الذين إما استشهدوا في المعارك، أو تم احتجازهم، أو تقطعت بهم السبل في مناطق أخرى – وجدت المرأة نفسها فجأة المعيل الوحيد لأسرة ممزقة، تحولت الطبيبة والمهندسة والمعلمة و"ست البيت" البسيطة، إلى باحثة عن لقمة العيش في بيئة منهارة تمامًا.
في معسكرات النزوح أو الكدن المضيفة، ترى المرأة السودانية اليوم وهي تقف لساعات طويلة في طوابير المياه شحيحة الوجود، أو تبحث بين الجمعيات الإغاثية عن علبة حليب لطفلها الباكي، بعضهن واجهن الواقع بصلابة مذهلة، فبدأن يخبزن الخبز البسيط أو يبعن الشاي على أرصفة غريبة ليحصلن على بضع جنيهات تسد رمق الصغار، إنه عبء نفسي وجسدي هائل؛ فالمرأة لا تجد وقتًا لتمارس حزنها الخاص على فقدان زوجها أو أخيها، لأن عليها أن تظل متماسكة وقوية أمام أطفالها، تمثل لهم دور الأب والأم والوطن البديل في آن واحد.
انهيار الرعاية الصحية والتهديد الصامت
لعل من أقسى فصول هذه المأساة هو الجانب المتصل بالصحة والأمان الشخصي، فمع خروج أكثر من 80% من المستشفيات في مناطق النزاع عن الخدمة، باتت الأمومة خطرًا يهدد الحياة؛ فكم من امرأة سودانية فاجأها المخاض في عتمة الليل داحل خيمتها، لتلد طفلها على تراب الأرض دون معقمات، ودون وجود قابلة أو طبيب، لتواجه خطر الموت نزفًا أو بالعدوى.
والأقسى من ذلك، هو الخوف الصامت الذي ينهش أرواح الفتيات والنساء، فالتقارير الإنسانية تتحدث بحرقة عن تعرض الكثيرات لانتهاكات جسدية واعتداءات وحشية استخدمت كسلاح في هذه الحرب لكسر إرادة المجتمعات، وتلك الجراح غير المرئية، والوصمة التي تحاول الضحايا إخفاءها في مجتمع محافظ، تشكل نزيفًا روحيًا مستمرًا، فالمرأة السودانية تعيش اليوم صدمة نفسية مركبة (تروما)؛ صدمة فقدان الهوية، وصدمة العنف الصامت الذي لا تجد من تبوح له به سوى بالدموع على وسادة من حصى.
رغم الرماد.. ستبقى الكنداكة حارسة الحياة
في ختام هذا المشهد الدامي، يظل السؤال المعلق في فضاء الضمير الإنساني: إلى متى ستظل النساء في السودان يدفعن فاتورة حرب لم يكتبن سطرها الأول؟ إن ما تعيشه المرأة السودانية اليوم ليس مجرد أزمة نزوح أو نقص في الغذاء والمأوى، بل هو محاولة لكسر إرادة روح صلبة طالما كانت صمام الأمان لهذا المجتمع.
لكن، ورغم قتامة المشهد وعمق الجراح، ترفض المرأة السودانية –"الكنداكة" التي ألهمت العالم يومًا بثباتها- أن تنكسر، إنها تجمع شظايا قلبها المكسور كل صباح لتصنع منه أملًا جديدًا لأطفالها تبتسم وفي عينها دمعة مخيفة، وتطبخ من قليل الزاد ما يطعم جيرانها في الخيمة المجاورة، وتواسي أجتها في اللجوء بكلمات من الصبر واليقين بأن النفق المظلم لابد أن ينتهي بنور.
إن العالم اليوم مطالب، أكثر من أي وقت مضى، ألا يكتفي بمراقبة المأساة من بعيد، أو التعامل مع نساء السودان كأرقام في إحصائيات اللجوء والنزوح، إنهن قصص كفاح وكرامة تستحق الانحناء، ويجب على المجتمع الدولي والقوى الإنسانية أن تضع حدًا لهذا النزيف، وأن توفر الحماية والرعاية الحقيقية لهؤلاء الحاضنات للسلام والمستقبل، وستبقى المرأة السودانية، بصلابتها المعهودة وثوبها الأبيض الناصع كقلبها، حارسة الأمل الأخير، والذخيرة الحية التي ستعيد بناء السودان يومًا ما، عندما تصمت المدافع وتعود الطيور إلى أعشاشها.

