طفولة مع وقف التنفيذ.. كيف أعادت 1000 يوم من الحرب تشكيل ملامح أطفال غزة؟
ليلى العمري
ملخص :
لم تعد الحكايات في غزة تبدأ بـ "كان يا ما كان"، فقد استبدل أطفال القطاع قصص الجدات الدافئة بفصول حقيقية من الرعب الممتد، ألف يوم مرّت على اندلاع الحرب، ألف يوم وكل يوم منها يزن دهرًا من الخوف، والنزوح والفقد، في أي مكان آخر من العالم، تعني الألف يومً نموًا، وضحكات، وخطوات أولى نحو المدارس، أما في غزة، فقد كانت كفيلة بتحويل الطفولة إلى تهمة، وجعل أحلام الصغار تقتصر على النجاة بجسد كامل، أو العثور على شربة ماء نظيفة، أو النوم لليلة واحدة دون كوابيس لطائرات لا تغادر السماء.
أطفال غزة ليسوا مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار المقتضبة، بل هم حكايات مبتورة؛ هم مقاعد دراسية خاوية، وأطراف غضة بترتها الشظايا، وعيون بريئة انطفأ بريقها ليحل محله ذهول الصدمة، وبعد ألف يوم من القصف والحصار، يواجه هذا الجيل حربًا من نوع آخر؛ حربًا صامتة تستهدف عقولهم بتجهيل ممنهج، وأجسادهم بإعاقات دائمة، وأرواحهم بأمراض نفسية غائرة قد تحتاج إلى عقود لتبتلعها ذاكرة النسيان، إنهم يقفون على حافة الحاضر، ينظرون إلى مستقبلهم المسروق وسط ركام المدارس والمستشفيات، ويسألون العالم بصمتهم المزلزل:"ماذا فعلنا لتُسرق أعمارنا هكذا؟".
تجهيل جيل كامل وسرقة المستقبل الدراسي
1000 يوم كفيلة بتحويل المدارس في قطاع غزة من منارات للعلم والتقاء الاصدقاء، إلى ركام من الإسمنت، أو في أفضل الأحوال إلى مراكز إيواء تكتظ بالنازحين والدموع، بقد حُرم مئات الآلاف من الأطفال حقهم الأساسي في التعليم؛ فغابت الطوابير الصباحية، وصمتت أجراس الحصص، وباتت مقاعد الدراسة أثرًا بعد عين، ولم يعد الطفل في غزة يحمل حقيبة ممتلئة بالكتب والألوان، بل أصبح يحمل جالون ماء يبحث عنه بين أزقة الأوقة المدمرة.
هذا الانقطاع الطويل ليس مجرد خسارة لسنوات دراسية، بل هو تجهيل ممنهج يهدد جيل كامل يعاني من الأمية قسرًا؛ فالأطفال الذين كان يفترض أن يتعلموا الحروف والعمليات الحسابية البسيطة، باتوا خبراء في التمييز بين أنواع الطائرات وأصوات القذائف، وحتى المحاولات الخجولة والمبادرات التطوعية لإقامة "صفوف خيام" تعليمية وسط تعلمية وسط الركام، تظل قاصرة أمام حجم الدمار والنزوح المستمر؛ فالخوف والبرد والجوع هي المناهج المفروضة على الصغار اليومي، مما يهدد بشرخ معرفي وثائقي يصعب ترميمه في المستقبل.
وباء الإعاقات وبتر الأطراف
من بين المشاهد الأكثر فظاعة في هذه الحرب، هو مشهد الطفولة المبتورة، فقد خلفت الآلاف من الغارات الجوية آلاف الأطفال الذين يعيشون اليوم بإعاقات دائمة، أطراف غضة بُترت دون تخدير كافٍ في مستشفيات منهارة ومحاصرة، وعيون فقدت بسبب الشظايا المتطايرة وأجساد صغير شُلت حركتها تمامًا جراء انهيار جدران المنازل فوقها.
أطفال غزة الذين كانوا يركضون وراء كرات القدم في الحارات الضيقة، يجدون أنفسهم اليوم حبيسي كراسي متحركة، أو يعتمدون على عكازات خشبية بسيطة في بيئة نزوح وعرة لا تصلح حتى للمشي الطبيعي، إنها ليست مجرد إعاقة جسدية، بل هي معاناة يومية معقدة؛ حيث يفتقر القطاع لأبسط المستلزمات الطبية، ولأطراف الصناعية، ومراكز التأهيل المتخصصة، ويكبر هؤلاء الأطفال مع إعاقتهم، ويرافقهم كل صباح ذاك الإدراك المرير بأن جزءًا من أجسادهم قد دُفن تحت ركام منزلهم القديم، وأنهم سيعيشون بقية حياتهم يحملون جراح الحب ظاهرة على أجسادهم.
الصدمات المركبة والكوابيس التي لا تنتهي
إذا كانت جراح الأجساد مرئية للعين، فإن جراح الأرواح في غزة أعمق وأشد فتكًا، فبعد ألف يوم من العنف المتواصل، لا يوجد طفل واحد في غزة ينجو من التروما (الصدمة النفسية المركبة)، لقد فقد هؤلاء الصغار المفهوم الأساسي للأمان؛ فالمنزل الذي كان يحميهم انهار، والأب الذي كان يطمئنهم قد يكون استشهد، والأم التي كانت تضمن لهم الدفء تبكي عجزًا.
يعاني أطفال غزة من أعراض نفسية حادة تلازمهم كظلالهم؛ فالتبول اللاإرداي، والتأتأة، والذعر الليلي، والصراخ عند سماع أي صوت مرتفع، باتت قواسم مشتركة بين معظم الأطفال، فهناك جيل ينمو وهو يعاني من الذهول الصدمي وانفصال عن الواقع، حيث ترى طفلًا يجلس صامتًا لعدة أيام دون دون تعبير بعد فقده لعائلته، هذه الندوب النفسية لا تختفي بانتهاء القصف، بل تتجذر في أعماقهم كوابيس مستمرة، ليعيش الطفل خوفًا مزمنًا من الفقد المتكرر، ويكبر بعقل مشحون بصور الموت والدماء بدلًا من صور الفرح واللعب.
أنقذوا ما تبقى من الضحكة
بعد أكثر من 100 يوم من الحرب، لم يعد أطفال غزة أطفالًا؛ لقد شاخوا قبل الأوان وسرقت الحرب براءتهم وتركتهم بملامح صلبة وعيون تحمل حزن شيوخ ذاقوا مرارة الحياة وعاشوا عقودًا من الزمن، وإن كل دفتر تالف تحت الركام، وكل طرف مبتور، وكل صرخة ذعر في جوف الليل، هي وصفة عار في جبين عالم يدّعي الإنسانية ويقف متفرجًا على جيل كامل يُسحق ويُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية: حق الحياة وحق الحلم.
إن إنقاذ أطفال غزة اليوم ليس ترفًا، بل هو واجب أخلاقي عاجل يتجاوز حسابات السياسة والميدان، إنهم بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد كسرة خبز أو شربة ماء؛ إنهم بحاجة إلى إعادة بناء أرواحهم الممزقة، وترميم عقولهم بالتعليم، ومداواة أجسادهم بالرعاية الطبية الحقيقية.
ستبقى عيون أطفال غزة شاخصة نحو السماء، لا ينتظرون الموت هذه المرة، بل ينتظرون اللحظة التي يستيقظ فيها ضمير العالم، ليعودوا إلى مدارسهم، وليستعيدوا طفولتهم المسلوبة، وليثبتوا للعلم أنهم رغم كل هذا الرماد، ما زالوا يملكون الحق في الحياة، واللعب، والأمل.

