الأقمار الصناعية ترصد ولادة جزيرة جديدة في بحر بسمارك.. فما القصة؟
ملخص :
رغم أن رصد الأقمار الصناعية للأنشطة البركانية لم يعد أمرًا غير مألوف في العصر الحديث، فإن الثوران الجاري في أعماق بحر بسمارك بالقرب من بابوا غينيا الجديدة يحمل طابعًا استثنائيًا، بعدما فتح احتمال تشكل جزيرة جديدة ترتفع تدريجيًا فوق سطح البحر بفعل تراكم المواد البركانية المتدفقة من قاع المحيط.
وبدأت المؤشرات الأولى لهذا النشاط البركاني في 8 مايو/أيار، عندما التقطت الأقمار الصناعية إشارات غير معتادة تشير إلى وجود ثوران تحت الماء في منطقة نائية من جنوب غربي المحيط الهادي، وخلال الأسابيع اللاحقة، كشفت الصور الفضائية عن أعمدة من البخار والرماد تصاعدت فوق سطح البحر، إلى جانب تغيرات واضحة في لون المياه المحيطة بموقع البركان، وهي علامات تؤكد استمرار تدفق المواد البركانية من أعماق المحيط.
ورغم أن البركان يقع بعيدًا عن أعين البشر في بيئة بحرية عميقة، فإن تأثيراته لم تبقَ محصورة في موقع الثوران، بل امتدت سريعًا إلى المناطق الساحلية القريبة، مسببة تغيرات ملموسة في حياة المجتمعات المحلية.
موجات من حجر الخفاف تغزو السواحل القريبة
أحد أبرز تداعيات الثوران كان إنتاج كميات ضخمة من حجر الخفاف، وهو نوع من الصخور البركانية يتميز بخفة وزنه واحتوائه على فراغات هوائية تسمح له بالبقاء طافيًا فوق سطح المياه لفترات طويلة.
ومع تحرك التيارات البحرية، بدأت مساحات واسعة من هذه الصخور البركانية بالانجراف باتجاه الجزر المجاورة، لتتحول إلى ظاهرة بحرية لافتة رصدتها الأقمار الصناعية بوضوح، فقد أظهرت صور التقطها القمر الصناعي "لاندسات 8"، في 4 يونيو/حزيران، أشرطة واسعة من الخفاف تنتشر فوق سطح البحر بالقرب من موقع الثوران.
وبعد فترة قصيرة، أكدت تقارير محلية وصول كميات كبيرة من هذه الصخور إلى السواحل، حيث غطت بعض المناطق بطبقات كثيفة بلغ سمكها عدة أمتار، الأمر الذي تسبب في صعوبات أمام السكان المحليين، وأثر على حركة القوارب وأنشطة الصيد والنقل البحري.
وكانت جزيرتا "لو" و"بالوان" من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الظاهرة، كما امتدت تداعياتها إلى جزيرة "مانوس" الأكبر حجمًا، التي تقع على بعد نحو 125 كيلومترًا من مركز النشاط البركاني.
إمكانية ولادة جزيرة جديدة من قلب المحيط
ويرى العلماء أن الجانب الأكثر إثارة في هذا الحدث يتمثل في احتمالية تشكل جزيرة جديدة نتيجة استمرار النشاط البركاني تحت سطح البحر.
فعندما تواصل البراكين البحرية قذف الحمم البركانية والرماد والمواد الصخرية، تبدأ هذه المكونات بالتراكم تدريجيًا فوق قاع المحيط، ومع استمرار تدفقها لفترات طويلة، قد يرتفع هذا التراكم حتى يتجاوز مستوى سطح البحر، لتظهر كتلة يابسة جديدة لم تكن موجودة من قبل.
لكن الباحثين يؤكدون أن ظهور مثل هذه الجزر لا يعني بالضرورة بقاءها طويلًا، إذ تكون العديد من الجزر البركانية الحديثة ضعيفة التماسك، ما يجعلها عرضة للتآكل بفعل الأمواج والعواصف والتيارات البحرية، وقد تختفي بعض هذه التكوينات خلال فترة قصيرة بعد ظهورها، إذا لم يستمر النشاط البركاني في دعم نموها.
بين الفوائد البيئية والمخاطر المحتملة
ورغم الأضرار المباشرة التي سببتها كتل الخفاف للسكان والأنشطة البحرية، فإن العلماء يشيرون إلى أن هذه الصخور الطافية قد تؤدي أحيانًا دورًا بيئيًا مهمًا في النظم البحرية.
فأسطح الخفاف العائمة يمكن أن تتحول إلى منصات طبيعية تحمل أنواعًا متعددة من الكائنات البحرية، بما في ذلك الطحالب والكائنات الدقيقة وبعض اللافقاريات، ما يسمح لهذه الكائنات بالانتقال لمسافات بعيدة عبر المحيطات والمساهمة في انتشار الحياة البحرية إلى مناطق جديدة.
غير أن هذه الفوائد المحتملة تقابلها مخاوف بيئية أخرى، إذ يحذر الباحثون من أن تراكم كميات كبيرة من الخفاف فوق سطح المياه قد يحجب ضوء الشمس عن الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية، مما يعرقل عملية البناء الضوئي الضرورية لاستمرار هذه النظم البيئية، كما يمكن للصخور البركانية أن تسبب أضرارًا مباشرة للشعاب المرجانية الحساسة، التي تعد من أكثر البيئات البحرية هشاشة وتأثرًا بالتغيرات المفاجئة.
وتشير دراسات سابقة إلى أن بعض الكائنات البحرية، ومنها أنواع من الأسماك، قد تبتلع قطعًا صغيرة من الخفاف بعد الخلط بينها وبين مصادر الغذاء، وهو ما قد يؤدي إلى آثار صحية سلبية أو نفوق بعض الكائنات المتضررة.
ظاهرة طبيعية تكشف قوة البراكين البحرية
ويكشف ثوران البركان في بحر بسمارك عن جانب معقد من ديناميكية الأرض تحت سطح المحيطات، حيث يمكن لقوة النشاط البركاني أن تغير ملامح البيئة البحرية خلال أسابيع قليلة، وأن تفتح الباب أمام نشوء أراضٍ جديدة، في الوقت الذي تفرض فيه تحديات بيئية وإنسانية على المناطق القريبة.
وبين احتمال ولادة جزيرة جديدة ومخاطر التغيرات البحرية المصاحبة، يواصل العلماء مراقبة هذا الحدث عن كثب لفهم آثاره الجيولوجية والبيئية، باعتباره نموذجًا حيًا لقدرة الطبيعة على إعادة تشكيل سطح الكوكب.

