بعد اختياره رئيسا لحركة "حماس".. ماذا نعرف عن خليل الحية؟
ملخص :
نشأة في كنف عائلة مقاومة وذاكرة طفولة أثقلها الاحتلال
وُلد خليل إسماعيل الحية في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1960 بمدينة غزة، لأسرة فلسطينية محافظة عُرفت بانتمائها لخط المقاومة، ولم يتجاوز عامه السابع حين داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بيت العائلة إثر نكسة 1967، واعتقلت عددا من أفرادها، من بينهم عمه، في مشهد ترسّخ في ذاكرته الطفولية وشكّل أحد المنابع المبكرة لوعيه بواقع الاحتلال.
تلقى الحية تعليمه الابتدائي في مدرسة حطين بغزة، ثم انتقل إلى المرحلة الإعدادية في مدرسة هاشم بن عبد مناف، قبل أن ينال شهادة الثانوية العامة من مدرسة يافا، والتحق بعدها بكلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 1983.
من التدين الفردي إلى الانخراط التنظيمي
بدت على الحية ملامح التديّن منذ سن الخامسة عشرة، غير أن اللقاء الذي غيّر مسار حياته كان في مارس/آذار 1980، حين التقى الشيخ، أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس، فقد نقلته تلك الجلسات المطولة من إطار التديّن الفردي إلى العمل الجماعي المنظم، فانخرط في صفوف الكتلة الإسلامية داخل الجامعة، وواصل نشاطه الدعوي والنقابي والشعبي جنبا إلى جنب مع رفاق دربه، ومن بينهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، الذين انضم إليهم مطلع عام 1983 ضمن نواة الحركة الإسلامية التي تحوّلت لاحقا إلى حركة حماس.
لم يكن هذا الانخراط بلا ثمن؛ فقد ذاق الحية طعم الاعتقال للمرة الأولى عام 1980 لمدة شهر ونصف، ثم اعتُقل مجددا عام 1982 لأسبوع واحد تعرّض خلاله لتعذيب وصفه بأنه هدد حياته، ولم تكن هذه سوى بداية سلسلة طويلة من الاستهداف الأمني الذي لازمه طوال العقود التالية.
أكاديمي وناشط نقابي قبل أن يصير سياسيا
لم يقتصر حضور الحية على الساحة التنظيمية والدعوية، بل امتد إلى الحقل الأكاديمي والنقابي، فبعد تخرجه، عاد إلى الجامعة الإسلامية معيدا في كلية أصول الدين عام 1984، ثم ابتُعث إلى الجامعة الأردنية في عمّان، حيث نال درجة الماجستير في السنة وعلوم الحديث عام 1986، وبعد أكثر من عقد، أكمل مشواره العلمي بنيل درجة الدكتوراه في التخصص ذاته من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في السودان عام 1997.
وتدرّج بعدها في المواقع الإدارية بالجامعة الإسلامية، إذ عُيّن مساعدا لعميد شؤون الطلبة ثم عميدا لها عام 2001، فضلا عن توليه نيابة رئاسة نقابة العاملين بالجامعة عام 1998، ثم رئاستها عام 2001، وأهّله تحصيله العلمي الرصين لنيل عضوية رابطة علماء فلسطين، في مسار جمع بين العمل الأكاديمي والانخراط السياسي والتنظيمي.
من ساحات الانتفاضة إلى قبة التشريعي
شارك الحية في فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وكان من بين النواة المؤسسة لحركة حماس التي قامت على مشروع تحرير الأرض وحق العودة، مقترنا بالإيمان بالعمل الوطني المشترك.
وخلال تلك الحقبة، تحمّل مسؤوليات تنظيمية عدة، من بينها نيابة رئاسة مجلس طلاب الجامعة الإسلامية عام 1986، ونيابة رئاسة الحركة الإسلامية في قطاع غزة، وهو ما جلب عليه اعتقالا ثالثا عام 1991 استمر ثلاث سنوات.
وفي عام 2006، خاض غمار الانتخابات التشريعية الفلسطينية ضمن قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحركة حماس عن دائرة غزة، ونجح في الفوز بعضوية المجلس التشريعي، لتزكيه الحركة رئيسا لكتلتها البرلمانية، وتوازى ذلك مع انتخابه عضوا في المكتب السياسي للحركة، وتوليه لاحقا مواقع قيادية عدة، من بينها منصب نائب رئيس الحركة في قطاع غزة، ورئاسة مكتبها للعلاقات العربية والإسلامية.
ثمن باهظ.. سلسلة استهداف طالت العائلة على مدى عقدين
لم يسلم خليل الحية، ولا أسرته، من فاتورة الدم التي دفعتها القيادات الفلسطينية جراء استمرار المواجهة مع الاحتلال، ففي عام 2007، نجا من محاولة اغتيال استهدفت ديوان عائلته بغارة جوية إسرائيلية، أسفرت عن استشهاد سبعة من أفراد أسرته، بينهم شقيقان له وأربعة من أبناء إخوته وأحد أبناء عمومته.
وفي 28 فبراير/شباط 2008، استُشهد نجله حمزة، وكان عضوا في كتائب القسام الجناح العسكري للحركة، بصاروخ أطلقته طائرة استطلاع إسرائيلية، ولم تتوقف الملاحقة عند هذا الحد، إذ استهدفت غارة إسرائيلية في 20 يوليو/تموز 2014 منزل نجله البكر أسامة في حي الشجاعية شرقي غزة، فاستُشهد أسامة وزوجته وثلاثة من أبنائه، فيما نجت زوجة الحية وحفيدان له كانا خارج المنزل حينذاك.
وتجددت محاولات الاستهداف بعد عملية "طوفان الأقصى"؛ ففي التاسع من سبتمبر/أيلول 2025، تعرّض وفد حماس المفاوض، الذي كان يترأسه الحية، لغارة إسرائيلية أثناء اجتماعه في الدوحة لبحث مقترح لوقف إطلاق النار، نجت فيها القيادات المستهدفة بينما استُشهد نجله همام ومرافقون آخرون، ولم تمض أشهر قليلة حتى استُشهد نجله عزام في السابع من مايو/أيار 2026، متأثرا بجراح أصيب بها في غارة إسرائيلية استهدفته في حي الدرج شرقي مدينة غزة، لترتفع بذلك حصيلة أبنائه الشهداء إلى أربعة.
واجهة تفاوضية في أخطر محطات الصراع
برز اسم خليل الحية بقوة على الساحة التفاوضية منذ جولات المحادثات التي أعقبت الحربين على غزة عامي 2012 و2014، حين كان يشغل حينها منصب رئيس المكتب الإعلامي للحركة، وشارك ضمن وفدها المفاوض في القاهرة، وهو ما عزز مكانته داخل البنية القيادية للحركة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، قاد وفدا يضم فصائل فلسطينية عدة إلى دمشق للقاء الرئيس السوري آنذاك بشار الأسد، ووصف اللقاء وقتها بأنه "محطة تاريخية وانطلاقة متجددة للعمل الفلسطيني السوري المشترك".
غير أن الاختبار الأكبر جاء عقب عملية "طوفان الأقصى"، حين تصدّر الحية المعركة السياسية والإعلامية في مواجهة الاحتلال، وتولى رئاسة الوفد المفاوض في جولات المحادثات غير المباشرة مع إسرائيل، بوساطة مصرية وقطرية وأميركية.
وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ترأس وفدا للحركة زار لبنان للقاء الأمين العام لحزب الله -آنذاك- حسن نصر الله، عقب الإعلان عن اتفاق لتبادل الأسرى مع الاحتلال.
وواصل الحية قيادة الملف التفاوضي حتى أفضت المسيرة الشاقة من المحادثات غير المباشرة، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إلى الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في شرم الشيخ، برعاية أميركية مصرية قطرية مشتركة، في محطة اعتُبرت الأبرز منذ اندلاع الحرب.
خلافة قيادية متعثرة أفرزتها سلسلة الاغتيالات
شهدت قيادة حركة حماس، منذ عام 2024، تحولات متسارعة فرضتها موجة الاغتيالات التي طالت قياداتها العليا، فبعد اغتيال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية في 31 يوليو/تموز 2024 بالعاصمة الإيرانية طهران، أعلنت الحركة في السادس من أغسطس/آب من العام ذاته أن هيئاتها الشورية اختارت بالإجماع يحيى السنوار رئيسا جديدا، وخليل الحية نائبا له.
غير أن هذه القيادة لم تدم طويلا؛ إذ استُشهد السنوار في اشتباك مع قوة إسرائيلية بمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وفي أعقاب استشهاده، تكيّفت الحركة مع الظرف الاستثنائي بتشكيل مجلس قيادة مؤقت من خمسة أعضاء لإدارة شؤون الحكم والتفاوض في زمن الحرب، تولى رئاسته القيادي محمد درويش، الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس شورى الحركة منذ أواخر عام 2023.
وقد جاء انتخاب خليل الحية، بعد جولة اقتراع ثانية حسمت المنافسة بينه وبين خالد مشعل، ليطوي مرحلة الإدارة المؤقتة، ويضع الحركة أمام استحقاق قيادي جديد يتزامن مع مرحلة إعادة ترتيب الأولويات السياسية والتفاوضية في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
رجل تصدّرته المحن قبل أن تصدّره القيادة
يمثل وصول خليل الحية إلى رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس، في توقيت بالغ الحساسية يعقب اتفاق وقف إطلاق النار وموجة الاغتيالات التي طالت القيادة التاريخية للحركة، محطة تتقاطع فيها السيرة الشخصية المثقلة بالفقد مع المسار التنظيمي الطويل الذي قطعه منذ انخراطه الأول في صفوف الحركة الإسلامية أواخر السبعينيات، فالرجل الذي فقد أربعة من أبنائه وعددا من أفراد أسرته في غارات إسرائيلية متعاقبة، يجد نفسه اليوم في موقع القرار الأول داخل حركة تخوض واحدة من أدق مراحلها منذ تأسيسها، وسط ملفات شائكة تتصل بمستقبل التفاوض، وإعادة الإعمار، وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي.

