تداعيات جيوسياسية: العالم يواجه ازمة وقود وغذاء ودواء
ملخص :
بينما تتصاعد التوترات الجيوسياسية، بدأت تداعيات إغلاق مضيق هرمز تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الحيوية حول العالم، حيث تتأثر القارات الثلاث بشكل مباشر في عصب الحياة اليومية، فمن مزارع بريطانيا التي تعاني من تضخم تكاليف الإنتاج الزراعي وتواجه أزمة وقود طائرات حادة، وصولا إلى مستشفيات اليابان التي تواجه شبح نقص حاد في المستلزمات الطبية، يبدو أن العالم في سباق محموم مع الزمن لاحتواء هذه التداعيات قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمة عالمية شاملة.
ومن باريس، أطلق رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول تحذيرا شديد اللهجة، مبينا أن مخزون وقود الطائرات المتبقي في أوروبا لا يكفي سوى لستة أسابيع فقط، وذلك وفقا لتقرير نشرته صحيفة إندبندنت.
وقد أعلنت إيران إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام حركة الملاحة البحرية، وذلك تماشيا مع سريان وقف إطلاق النار في لبنان، وبينت أن هذا القرار انعكس بشكل فوري وإيجابي على أسواق الطاقة العالمية.
أزمة وقود الطائرات تهدد قطاع السفر
ونقلت هارييت بوشر، مراسلة الصحيفة البريطانية، عن بيرول تحذيره من أن إلغاء الرحلات الجوية أو حدوث اضطرابات في مواعيدها لا يزال احتمالا قائما بسبب نقص الوقود، مما يهدد موسم السفر الصيفي، ووصف الوضع بأنه ينذر بـ"أكبر أزمة طاقة" قد يشهدها العالم في العصر الحديث.
واضافت الصحيفة أن هذه التحذيرات انعكست بشكل فوري على ميزانيات شركات الطيران الأوروبية، حيث أعلنت شركة "إيزي جيت" عن خسائر متوقعة تتجاوز 540 مليون جنيه إسترليني (حوالي 731.5 مليون دولار أمريكي)، مشيرة إلى أن تكاليف الوقود وحدها قفزت بمقدار 25 مليون جنيه (حوالي 33.8 مليون دولار) في شهر واحد.
واشارت الصحيفة إلى أن شركات الطيران الأوروبية تؤكد أن الأزمة لم تبلغ ذروتها بعد، لكنها تتفاقم بسرعة، فقد أعلنت شركة "ساس" الاسكندنافية إلغاء أكثر من ألف رحلة جوية هذا الشهر.
تخفيض الرحلات الجوية وارد بسبب نقص الإمدادات
ومن جانبه، ألمح مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لطيران "ريان إير"، إلى احتمال خفض 10% من رحلات شركته، مؤكدا أن الموردين لا يمكنهم ضمان الإمدادات لما بعد منتصف مايو المقبل إذا استمر الحصار.
ورغم تأكيد بعض الشركات أن الإمدادات مضمونة حتى مايو المقبل، الا أنها حذرت من "مخاطر نقص الوقود في بعض المطارات الأوروبية"، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على حركة السفر والتجارة.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند قطاع الطيران، بل تمتد لتشمل قطاع الزراعة، حيث يواجه المزارعون في بريطانيا خيارات مصيرية بين الاستمرار في الزراعة أو إعلان الإفلاس.
المزارعون يواجهون صعوبات جمة بسبب ارتفاع التكاليف
ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، قرر المزارع جورج رينر تقليص مساحة زراعته للقمح في مقاطعة روتلاند بنسبة 75%، واصفا الأمر بأنه "مقامرة غير مأمونة العواقب" في ظل تضاعف أسعار الوقود (الديزل الأحمر) وارتفاع تكلفة الأسمدة بنسبة 30%.
وبينت الصحيفة أن قرار رينر يعكس توجها أوسع بين المزارعين، الذين بدأوا في تقليص الإنتاج واستخدام كميات أقل من الأسمدة للحفاظ على استمرارية أعمالهم.
واكدت الصحيفة أن اتحاد المزارعين الوطني في بريطانيا يحذر من أن هذا التراجع قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات، في وقت تتسم فيه سلاسل الإمداد العالمية بالتقلب.
دعوات للحكومة بالتدخل لدعم القطاع الزراعي
وقال رئيس الاتحاد توم برادشو إن على الحكومة البريطانية "التدخل لتخفيف وطأة الضغوط التضخمية التي ستؤثر بشدة على الأسر"، مضيفا أن النظام الغذائي "يقف على شفا الهاوية" بسبب تعرضه للعوامل الجيوسياسية والتغير المناخي.
وكشفت البيانات عن تفاقم ما يعرف بـ"تضخم المدخلات الزراعية"، الذي بلغ 7.6% في مارس، وهو أعلى بكثير من معدل التضخم العام البالغ 3%.
وفي الوقت نفسه، انخفضت أسعار المنتجات الزراعية بنسبة 6.5%، مما يضع المزارعين بين فكي كماشة ارتفاع التكاليف وتراجع العائدات.
نقص المستلزمات الطبية يهدد الرعاية الصحية في اليابان
اما في آسيا، فتأخذ الأزمة بعدا أكثر حساسية مع تهديدها لقطاع الرعاية الصحية، ففي اليابان، حذر أطباء من أن اضطراب إمدادات النفط والنافثا -وهي مادة أساسية لصناعة المنتجات الطبية- قد يؤدي إلى نقص حاد في الإمدادات خلال شهرين فقط.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات النقص بالظهور، حيث أعلنت شركات توزيع طبية عن قيود على شراء القفازات والمحاقن لمنع التخزين المفرط، فيما تعتزم الحكومة اليابانية الإفراج عن 50 مليون قفاز طبي من المخزون الاستراتيجي.
ومع ذلك، يحذر أطباء من أن المخزونات الحالية من المستلزمات الحيوية -مثل أنابيب غسيل الكلى والمحاقن- قد تنفد خلال شهر أو شهرين، مما قد يجبر بعض العيادات على رفض تقديم علاجات أساسية مثل الحقن والمحاليل الوريدية.
القيود التنظيمية تزيد من حدة الأزمة
وتتفاقم الأزمة بسبب القيود التنظيمية التي تمنع المستشفيات من رفع أسعار خدماتها لتعويض ارتفاع التكاليف، ما يضع العديد منها تحت ضغط مالي شديد.
وقد نسبت الصحيفة إلى ماساهيرو كامي، رئيس معهد أبحاث حوكمة الطب، القول إن استمرار ارتفاع التكاليف قد يؤدي إلى إغلاق العديد من المستشفيات بشكل دائم.
كما أشار مسؤولون إلى أن القلق العام يتزايد تدريجيا، في ظل غموض مستقبل الإمدادات.

