السودان.. الحرب تعمق جراح الاقتصاد وتؤجل فرص التنمية
ملخص :
بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، تحديدا في 15 ابريل، لم تعد الخسائر مقتصرة على الدمار الذي خلفته المعارك في البنية التحتية والمصانع والمرافق العامة، بل امتدت لتشمل طبقات أعمق من الاقتصاد والمجتمع، حيث اتسعت رقعة الفقر وتضاعفت معدلات البطالة، وتبدلت أنماط كسب العيش، وتعطلت مشاريع استراتيجية، وفقدت أسواق خارجية، وضاعت سنوات دراسية على أجيال كاملة.
هذه الكلفة المزدوجة، بين خسائر مباشرة وأخرى غير منظورة، تظهر في إفادات وزراء ومحللين اقتصاديين، وفي تقارير حكومية تتحدث عن دمار واسع طال القطاعين العام والخاص، وعن فرص تنموية تعطلت في لحظة كان السودان في أمس الحاجة فيها إلى توسيع قاعدة إنتاجه واستعادة توازنه الاقتصادي.
وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم احمد صالح، بين ان الحرب لم تخلف خسائر مادية مباشرة فقط، بل افرزت اثارا عميقة ستستمر لسنوات، وعلى راسها اتساع دائرة الفقر والبطالة وتغير انماط كسب العيش لدى ملايين السودانيين.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
واضاف صالح، انه حسب التقديرات، ارتفعت نسبة الفقر في السودان من نحو 40% الى 45% قبل الحرب الى اكثر من 65% الى 70% حاليا، وذلك نتيجة توقف النشاط الاقتصادي في ولايات رئيسية، وفي مقدمتها الخرطوم، وتعطل سلاسل الانتاج والخدمات، واتساع النزوح، وفقدان مصادر الدخل.
واشار الى ان معدلات البطالة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، خاصة في القطاعات الحضرية والخدمية، بعد فقدان ملايين العاملين وظائفهم في القطاعين العام والخاص، الى جانب تاثر القطاع غير المنظم الذي يمثل في الاصل النسبة الاكبر من قوة العمل في السودان.
واوضح الوزير، ان هذا التحول دفع اعدادا كبيرة من المواطنين الى انشطة اقتصادية اضطرارية وهامشية، مثل العمل اليومي غير المستقر، والتجارة الصغيرة محدودة الدخل، والخدمات الموقتة، والهجرة الداخلية والخارجية بحثا عن سبل العيش، ويرى ان هذه التحولات تمثل من اخطر الاثار غير المرئية للحرب، لانها تضرب الاستقرار الاجتماعي مباشرة، وتقلص فرص التعافي الاقتصادي لاحقا، وتضاعف الضغوط على شبكات الحماية الاجتماعية والخدمات الاساسية.
وبين صالح، ان وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية تعمل ضمن برامج الحكومة على توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، ودعم التدريب المهني وبرامج كسب العيش، باعتبارها ادوات اساسية لاعادة ادماج المتضررين في النشاط الاقتصادي خلال مرحلة التعافي واعادة الاعمار.
القطاعات المتضررة
على مستوى الخسائر المباشرة، كشف تقرير حكومي صادر عن وزارة الصناعة والتجارة السودانية عن دمار اصاب البنى التحتية والمناطق الصناعية الحكومية في ولايتي الخرطوم والجزيرة، الى جانب ولايات دارفور وكردفان، التي خرجت من دائرة الانتاج بفعل الحرب.
وقال رجل الاعمال ورئيس اتحاد اصحاب العمل السوداني معاوية البرير، ان القطاع الخاص تكبد خسائر فادحة، قدرت في القطاع الصناعي وحده باكثر من 50 مليار دولار، شملت تدمير المصانع والمعدات واجهزة التحكم والشبكات الالكترونية، الى جانب نهب المواد الخام والمنتجات الجاهزة.
واضاف البرير، ان القطاع الزراعي لم يكن بمنأى عن هذه الخسائر، اذ تقدر خسائره بنحو 30 مليار دولار، شملت محطات الري والالات والمولدات والمحاصيل، كما تلقى قطاع الخدمات والبنوك ضربات قاسية، بفعل تركز معظم الناتج المحلي والثروة الاقتصادية في العاصمة الخرطوم التي تاثرت بشدة بالحرب.
وفي هذا السياق، سبق ان قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل ابراهيم، ان خسائر الحرب في البنية التحتية والمرافق العامة والمصانع والشركات والممتلكات الخاصة والعامة، الى جانب تكلفة الفرص الضائعة، قد تصل الى مئات المليارات من الدولارات.
كما اشار ابراهيم، الى ان ايرادات الدولة تراجعت بشدة في الفترة التي تلت الحرب مباشرة، مع توقف التحصيل الالكتروني بنسبة 90%، وانخفاض انتاج النفط والذهب الى مستويات مقلقة، وفي الاتجاه نفسه، اوضح تقرير وزارة الصناعة والتجارة ان الحرب تسببت في تشريد العمالة وتوقف مصادر دخلها، كما خلقت فجوات كبيرة في الانتاج الصناعي للسلع الاساسية، في وقت بلغ فيه عدد المنشات الصناعية المتضررة في ولاية الخرطوم وحدها نحو 3493 منشاة صناعية متوسطة وكبيرة.
ورغم ان بعض التقديرات ترفع اجمالي الخسائر الاقتصادية الى نحو 600 مليار دولار، فان محللين اقتصاديين يرون ان الوصول الى رقم نهائي دقيق يظل امرا صعبا في ظل استمرار الحرب وتعذر وصول فرق التقييم الى جميع المناطق المتاثرة.
تحديات التعافي الاقتصادي
بعيدا عن الاصول المدمرة، تظهر كلفة الحرب في مساحات اخرى اقل وضوحا، لكنها اعمق اثرا على المدى الطويل، والخبير الاقتصادي الدكتور عادل عبد العزيز، بين ان من ابرز الخسائر غير المنظورة فقدان عدد من الاسواق الخارجية للصادرات السودانية، بعد ان كانت السلع النباتية والحيوانية تتجه بانتظام الى دول الخليج والصين والهند ومصر، لكن الحرب اوقفت انسياب هذه الصادرات بصورة شبه كاملة، ما دفع المستوردين الى البحث عن موردين اخرين، وهو ما يعني ان استعادة هذه الاسواق وسلاسل التوريد ستحتاج الى سنوات.
واضاف عبد العزيز، ان الخسائر غير المنظورة تشمل ايضا توقف او تاخر التطور الطبيعي لمشاريع كبرى، مثل مشروع ادخال الطاقات الجديدة والمتجددة لانتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الذرية، الذي كان يفترض ان يدخل دائرة الانتاج بحلول 2030، لكن الحرب ارجأت هذا المسار لسنوات اضافية.
ومن الفرص التي تعطلت ايضا، بدء العمل الفعلي في حقل "الراوات" النفطي جنوب مدينة كوستي، اذ كان مطلوبا ضخ نحو 500 مليون دولار لبدء انتاج 60 الف برميل يوميا، على ان يرتفع تدريجيا الى 100 الف برميل.
ولا تتوقف الكلفة غير المرئية عند الاقتصاد وحده، بل تمتد الى التعليم وسوق العمل، فاستمرار الحرب، كما يقول عبد العزيز، تسبب في فقدان الطلاب في المدارس والجامعات عددا من السنوات الدراسية، ما يعني خسارة شخصية للطلاب واسرهم، وخسارة جزء معتبر من الناتج المحلي الاجمالي بسبب خروج اعداد كبيرة من الشباب من سوق العمل او تاخر دخولهم اليه.
في المحصلة، تكشف 3 سنوات من الحرب في السودان ان الخطر لا يكمن فقط في ما دمرته المعارك، بل ايضا في ما عطلته من فرص، وما احدثته من تشوهات يصعب قياسها فوريا، فكل يوم اضافي من الحرب لا يضيف خسائر جديدة الى الحاضر فقط، بل يخصم كذلك من قدرة البلاد على استعادة اقتصادها حين تتوقف المعارك.

