غزة على موعد مع انتخابات دير البلح: هل تفتح صفحة جديدة؟
ملخص :
تستعد مدينة دير البلح الواقعة في قلب قطاع غزة لخوض انتخابات بلدية جزئية مرتقبة، وتعد هذه الانتخابات هي الأولى من نوعها منذ عام 2005، وتاتي هذه الخطوة بعد انقطاع دام اكثر من عقدين، وذلك في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب المدمرة التي خلفت وراءها تحديات انسانية وخدمية جسيمة.
ولم يات اختيار مدينة دير البلح بشكل عشوائي، بل جاء نتيجة لكونها الاقل تضررا نسبيا مقارنة بالمدن الاخرى في القطاع، ما جعلها بمثابة نموذج اولي لاختبار امكانية اعادة تفعيل المسار الديمقراطي المحلي في بيئة لا تزال تعاني من اثار الحرب والانقسام.
وكان مبنى بلدية دير البلح قد تعرض للقصف الاسرائيلي خلال الحرب على غزة في ديسمبر، واسفر القصف عن مقتل رئيس البلدية حينها دياب الجرو وعشرة موظفين اخرين اثناء تاديتهم لواجبهم في تقديم الخدمات الانسانية للمواطنين والنازحين، وذلك على الرغم من تصنيف المدينة كمنطقة امنة من قبل الجيش الاسرائيلي.
دير البلح: محطة انتخابية تجريبية
وترى لجنة الانتخابات المركزية في هذه الانتخابات محطة مفصلية، مع وجود توجه لتعميمها لاحقا اذا ما تكللت بالنجاح، باعتبارها مدخلا لاحياء النظام السياسي المحلي، الا ان هذا الطموح يواجه واقعا سياسيا وامنيا معقدا يثير تساؤلات حول قدرة هذه الانتخابات على تجاوز كونها مجرد تجربة محدودة نحو تاثير اوسع.
وتتنافس عدة قوائم انتخابية مستقلة على مقاعد مجلس بلدية دير البلح، ابرزها قائمة السلام والبناء، وقائمة دير البلح تجمعنا، وقائمة مستقبل دير البلح، وقائمة نهضة دير البلح، وعلى الرغم من تاكيد هذه القوائم على طابعها المستقل، الا ان الجدل الشعبي لا يزال دائرا حول خلفياتها السياسية في ظل بيئة سياسية منقسمة.
وبين المدير الاقليمي للجنة الانتخابات المركزية جميل الخالدي، ان الانتخابات ستجرى في الخامس والعشرين من ابريل الحالي، وذلك ضمن عملية تشمل 420 هيئة محلية في الضفة الغربية مقابل هيئة واحدة فقط في غزة، وتعتبر هذه الخطوة الاولى من نوعها منذ اكثر من 22 عاما بعد فترة طويلة سادت فيها سياسة التعيين بدلا من العملية الانتخابية، مع وجود ضمانات وتاكيدات على انجاحها والقبول بنتائجها.
تفاصيل النظام الانتخابي الجديد
وقال الخالدي "يعتمد النظام الانتخابي على القوائم المغلقة، بحيث تضم كل قائمة 15 مرشحا على الاقل، من بينهم اربع نساء كحد ادنى، فيما يختار الناخب قائمة واحدة فقط ويمنح صوته لخمسة مرشحين من داخلها، دون ان يتاح له التصويت لمرشحين من قوائم اخرى، وتشكل الهيئة المحلية من 15 عضوا من الحاصلين على اعلى الاصوات مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن اربع نساء وبما لا يتجاوز عدد الرجال 11 عضوا".
وفيما يتعلق بانتخابات الهيئة الوحيدة في دير البلح والتي قد تشكل نموذجا يمكن البناء عليه اذا ما تكللت بالنجاح، اشار الخالدي الى وجود اربع قوائم رئيسية تتنافس عليها، وقد جرى تجهيز 12 مركزا انتخابيا يضم كل منها ثماني محطات اقتراع موزعة جغرافيا لتسهيل وصول الناخبين، ويبلغ عدد المؤهلين للتصويت نحو 70 الف ناخب ممن تجاوزوا سن الثامنة عشرة من سكان مدينة دير البلح فقط.
واضاف الخالدي "على صعيد اليات الفرز، فقد جرى التاكيد على اعتماد اجراءات دقيقة وشفافة تضمن نزاهة العملية الانتخابية وسلامة نتائجها عبر احتساب الاصوات وفق معايير واضحة واعتماد المرشحين الخمسة عشر الحاصلين على اعلى الاصوات لتشكيل الهيئة المحلية بما يعكس الارادة الحقيقية للناخبين ويعزز الثقة بالعملية الديمقراطية".
الشارع ومطالبه المُلحة
وعلى الرغم من هذا الاطار التنظيمي، فان الشارع يضع معايير مختلفة للحكم على هذه التجربة، فبالنسبة للكثير من المواطنين، لا تكفي العودة الى صناديق الاقتراع ما لم تنعكس نتائجها على حياتهم اليومية.
وقالت المواطنة رابحة البحيصي "المواطن اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن حلول حقيقية"، وذلك في اشارة الى اولوية الخدمات الاساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي، بينما يرى علي ريان ان الانتخابات لن تكون كافية اذا لم تحقق ادنى المطالب الحياتية للمواطنين وتترجم الى تغيير ملموس على ارض الواقع.
وتضع هذه الاولويات القوائم المتنافسة امام اختبار عملي، حيث تتركز مطالب الناخبين في تحسين البنية التحتية وتوفير فرص العمل وتعزيز الشفافية بعيدا عن الاستقطاب الحزبي الذي اثر طويلا على الاداء الخدمي.
الخطابات ومتطلبات المرحلة
وفي هذا السياق، تحاول بعض القوائم تقديم نفسها كنموذج مختلف، حيث تطرح قائمة السلام والبناء خطابا قائما على الكفاءة والخبرة، وبين رئيس القائمة محمد ابو ناصر ان المرحلة تتطلب حلولا عملية ومبتكرة مع التركيز على دور الشباب في التغيير.
وبينما لفتت قائمة دير البلح تجمعنا الانظار باستخدامها اللون العنابي كهوية بصرية موحدة، فانها تركز على العدالة في تقديم الخدمات بعيدا عن السياسة.
اما قائمة نهضة دير البلح فتشدد على ان برنامجها وطني وخدمي يركز على تحسين الخدمات ودعم الفئات المهمشة، واوضحت المرشحة عن القائمة فاتن حرب ان القائمة تستند الى رؤية وطنية خدمية وتسعى لتعزيز مبدا الشفافية بعيدا عن الحزبية.
توظيف سياسي ام تكافؤ؟
سياسيا، تتجاوز دلالات الانتخابات بعدها الخدمي، ويرى الصحفي والمحلل السياسي وسام عفيفة انها خطوة ذات وظيفة سياسية تهدف الى اعادة انتاج قدر من الشرعية للنظام السياسي، الا انها تظل محدودة التاثير في ظل غياب انتخابات شاملة تشمل الضفة وغزة معا.
وحذر عفيفة من ان تحول دير البلح الى نموذج منفصل قد يعكس عمق الانقسام بدلا من معالجته، خاصة في ظل استمرار التعقيدات السياسية.
وبدوره، يرى ممثل جبهة التحرير العربية في لجنة القوى والفصائل بسام الفار ان التحدي لا يكمن في اجراء الانتخابات بحد ذاته، بل في الظروف المحيطة بها، مشيرا الى ان الاوضاع المعيشية الصعبة واغلاق المعابر وغياب الحد الادنى من الامكانيات في بعض المناطق تجعل من هذا الاستحقاق مهمة معقدة.
واوضح الفار ان وجود قوائم مدعومة يثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص، مؤكدا ان الرهان الحقيقي يجب ان يكون على البرامج الانتخابية وليس فقط على النتائج، ومع ذلك، راى ان الانتخابات قد تشكل خطوة نحو تعزيز الوحدة الوطنية في ظل توافق واسع بين الفصائل على ضروريتها.
وفي المحصلة، تقف انتخابات دير البلح بين احتمالين، اما ان تكون بداية لمسار تدريجي لاستعادة الحياة الديمقراطية، واما ان تبقى مجرد تجربة محدودة تصطدم بواقع سياسي وخدمي اكثر تعقيدا من ان تغيره صناديق الاقتراع وحدها.
يذكر ان لجنة الانتخابات المركزية في السلطة الفلسطينية تدير الانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة.

