استطلاعات الراي تكشف تحولات في المشهد السياسي الاسرائيلي
ملخص :
مع دخول الأشهر الحاسمة قبل الانتخابات المرتقبة، تشهد إسرائيل ارتفاعا ملحوظا في وتيرة نشر استطلاعات الرأي، ولم تعد هذه الاستطلاعات مجرد أرقام تسبق صناديق الاقتراع، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من المعركة السياسية الدائرة.
بين مؤسسات استطلاع الرأي المختلفة، تتشكل خرائط متباينة للمشهد الإسرائيلي، فمن صحيفة إسرائيل اليوم مع مؤسسة كانتار، إلى صحيفة معاريف مع شركة لازار، والقناة 12 مع مؤسسة ميدغام، والقناة 14 مع مدير شركة شلومو فيلبر، وموقع زمان إسرائيل مع يوسي تاتيكا، تتنافس هذه المؤسسات في تقديم صورة دقيقة عن توجهات الرأي العام.
هذه الخرائط المتعارضة تعكس التنافس الشديد بين الأحزاب والكتل السياسية المختلفة، حيث تسعى كل جهة إلى تقديم صورة تدعم موقفها وتعزز فرصها في الانتخابات القادمة، وتعتبر استطلاعات الرأي أداة قوية في تشكيل الرأي العام والتأثير على قرارات الناخبين.
تحليل لنتائج استطلاعات الرأي
تبدأ الفجوة في استطلاعات الرأي من صورة المقاعد المتوقعة لكل حزب، ففي استطلاع معاريف، حصل الليكود على 25 مقعدا، وحزب بينيت 2026 على 24 مقعدا، وحزب يشار بقيادة غادي آيزنكوت على 12 مقعدا، وبينما بلغت كتلة معارضي رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو 61 مقعدا من دون الأحزاب العربية، مقابل 49 فقط للائتلاف.
وفي هذا السياق، أظهرت أرقام معاريف أن الائتلاف الحالي يتراجع، وأن الليكود نفسه لم يتمكن من استعادة زخمه، إذ بقي بعيدا عن مستواه السابق عند 27 مقعدا مع بداية الحرب، ثم استقر عند 25 للأسبوع الثالث تواليا، وواضافت أن هذا التراجع يعكس حالة من عدم الثقة لدى الناخبين في أداء الحكومة الحالية.
بالمقابل، تظهر صورة مختلفة في استطلاع القناة 12، حيث يحصل الليكود على 25 مقعدا أيضا، غير أن حزب بينيت يهبط إلى 20 مقعدا، بينما يرتفع حزب يشار بقيادة آيزنكوت إلى 14 مقعدا، ويحصل الديمقراطيون على 10 مقاعد، وعوتسما يهوديت على 10 مقاعد، وشاس على 9 مقاعد، وإسرائيل بيتنا على 9 مقاعد، وبينما يحصل يهدوت هتوراة على 7 مقاعد، ويش عتيد على 6 مقاعد، والقائمة الموحدة العربية على 5 مقاعد، والجبهة العربية على 5 مقاعد.
تأثير وسائل الإعلام على الاستطلاعات
هذا التفاوت في نتائج الاستطلاعات لا يفسره مزاج الناخبين وحده، فلكل منصة خلفيتها، ولكل استطلاع جهة تنفيذه، وكلاهما يؤثر في صورة النتائج، وصحيفة إسرائيل اليوم معروفة بخلفيتها اليمينية وبقربها الممتد من نتنياهو ومعسكره، بينما تُعد القناة 14 الأكثر قربا إلى جمهور اليمين وخطابه السياسي.
في المقابل، تبدو صحيفة معاريف أقرب إلى الصحافة الوسطية التقليدية، فيما يقدم موقع زمان إسرائيل نفسه بوصفه منصة ليبرالية مؤسساتية أقرب إلى فضاء نقد لنتنياهو، وتبقى القناة 12 جزءا من التيار التلفزيوني الإسرائيلي الأوسع، لا من الإعلام الحزبي الصريح، واكد محللون على أن هذه الخلفيات الإعلامية تؤثر بشكل كبير على توجهات الاستطلاعات.
ولا تنفصل نتائج الاستطلاعات عن هوية الجهات المنفذة نفسها، فإذا كان اسم شلومو فيلبر في استطلاعات القناة 14 يُقرأ داخل إسرائيل من خلال خلفيته السياسية السابقة بوصفه شخصية ارتبطت بدائرة نتنياهو قبل أن يتحول لاحقا إلى شاهد دولة، فإن بقية الجهات تبدو أقل التصاقا علنيا بشخصية سياسية واحدة، لكنها ليست خارج السياق السياسي تماما، موضحين أن هذه العوامل يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تحليل نتائج الاستطلاعات.
القيادة والبديل المحتمل
وعندما يطرح سؤال القيادة تظهر المعضلة بوضوح أكبر، ففي معاريف يتقدم نتنياهو على نفتالي بينيت بنسبة 43% مقابل 41%، وعلى آيزنكوت 45% مقابل 38%، وفي القناة 12 يتفوق نتنياهو على يائير لابيد بـ42% مقابل 27%، وعلى بينيت بـ41% مقابل 34%، وعلى آيزنكوت بـ42% مقابل 36%، وعلى أفيغدور ليبرمان بـ42% مقابل 24%.
أما القناة 14 فتمنحه 52% في سؤال الملاءمة لرئاسة الوزراء، مقابل 21% لآيزنكوت و18% لبينيت و5% لليبرمان و3% للابيد و1% فقط لغانتس، وتكشف هذه الأرقام أن معسكر نتنياهو قد يضعف حزبيا، لكن نتنياهو نفسه ما يزال الأقوى في صورة القيادة، مبينا أن هذا يعكس ثقة الناخبين في قدرة نتنياهو على قيادة البلاد.
وفي الجهة المقابلة، يصعد آيزنكوت بصورة متواصلة، ففي استطلاع معاريف يقف عند 12 مقعدا، وفي القناة 12 يرتفع إلى 14، وفي إسرائيل اليوم أيضا يصعد من 12 إلى 14، وبينما تكشف نتائج استطلاع الصحيفة عن تقلص الفارق بينه وبين بينيت، وفي المقابل يتراجع لابيد إلى 6 مقاعد في القناة 12، ويفشل في القناة 14 في تجاوز نسبة الحسم، فيما يصبح وجوده في استطلاع موقع زمان إسرائيل مفيدا فقط من داخل تحالف ثلاثي لا بصفته قوة مستقلة، وتبدو المعارضة -بحسب الاستطلاعات- كأنها تبحث عن قائدها بقدر ما تبحث عن أكثرية لتحكم.
الأمن والاقتصاد في دائرة الضوء
وتكشف الاستطلاعات أيضا أن المزاج الإسرائيلي ما يزال ميالا إلى اليمين الأمني، ففي معاريف قال 62% إن إسرائيل ستعود إلى القتال ضد إيران قريبا، مقابل 42% فقط قالوا إنها لن تعود، و14% لم يحددوا موقفهم، وفي القناة 12 عارض 51% وقف إطلاق النار مع حزب الله أثناء المفاوضات مع لبنان، مقابل 29% فقط أيدوه، بينما بلغت المعارضة داخل جمهور الائتلاف 64% مقابل 18% فقط مع وقف النار.
أما القناة 14 فذهبت أبعد، إذ أظهرت أن 78% يعارضون وقف إطلاق النار في لبنان قبل نزع سلاح حزب الله، و86% يؤيدون بقاء إسرائيل في منطقة أمنية داخل لبنان حتى يتم نزع سلاحه بالكامل، واضاف محللون سياسيون أن هذه النتائج تعكس قلق الإسرائيليين من التهديدات الأمنية المحيطة بهم.
وختاما، تظهر الاستطلاعات أن المشهد السياسي في إسرائيل ما يزال متقلبا، وأن نتائج الانتخابات القادمة غير محسومة، وبينما تتنافس الأحزاب والكتل السياسية المختلفة على كسب ثقة الناخبين، تبقى استطلاعات الرأي أداة مهمة في فهم توجهات الرأي العام والتأثير عليها، واكدوا على أن الفترة القادمة ستشهد مزيدا من التطورات والتغيرات في المشهد السياسي الإسرائيلي.

