ازمة السكن في مارب: ايجارات تفوق القدرة وتحرم الاطفال من التعليم
ملخص :
في مدينة مارب اليمنية، تتفاقم ازمة السكن لتتحول الى كابوس يؤرق الاف الاسر، حيث يرتفع سعر الايجار بشكل جنوني في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب الرقابة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي ويطرد الاطفال من مقاعد الدراسة.
هذه الازمة ليست مجرد تحد اقتصادي عابر، بل هي واقع يومي يضغط على كاهل السكان، في ظل منازل متواضعة تزداد ضيقا مع تصاعد الايجارات، مما يجعل الحصول على مسكن امنا حلما بعيد المنال.
وتشير تقارير الى ان الايجارات ارتفعت بنسب قياسية، تجاوزت قدرة الكثيرين على الدفع، مما ادى الى تداعيات خطيرة على حياة الاسر، بما في ذلك حرمان الاطفال من التعليم.
تداعيات ارتفاع الايجارات على التعليم والاستقرار الاسري
ام وائل، ارملة فقدت زوجها في الحرب، لم تفقد منزلها فحسب، بل خسرت ايضا قدرة ابنائها على مواصلة التعليم، حيث رفع مالك المنزل الايجار بشكل تعجيزي، مما اضطرها للانتقال الى سكن بعيد يفتقر الى المدارس، وبالتالي توقفت مسيرة ابنائها التعليمية.
وقالت ام وائل ان مالك المنزل رفع الايجار من 80 الف ريال يمني الى 250 الف ريال، اي اكثر من ثلاثة اضعاف، ومع عجزها عن الدفع، اضطرت الى مغادرة منزلها والانتقال الى سكن اخر.
وبينت ان ارتفاع الايجار اصبح اقوى من احلام ابنائها في التعليم، واصفة الوضع بانه ماساوي ومؤلم.
رواتب الموظفين تتلاشى امام غلاء الايجارات
تحت سقف منزل ضيق، يعيش ابو صالح مع اسرته المكونة من ستة افراد، محاولا التكيف مع واقع يصفه بانه اثقل من قدرته على الاحتمال، حيث يعمل موظفا حكوميا ويتقاضى راتبا شهريا يبلغ نحو 500 الف ريال يمني، لكن هذا الدخل يتلاشى سريعا امام الايجار.
واضاف ابو صالح انه يدفع 300 الف ريال شهريا كايجار، اي اكثر من نصف راتبه، موضحا ان ما تبقى من الراتب لا يكفي لتلبية احتياجات اسرته الاساسية، وانه بحاجة الى مصدر دخل اضافي لتخفيف العبء.
واكد ان الوضع اصبح لا يطاق، وان الكثير من الاسر تعاني من نفس المشكلة، داعيا الحكومة الى التدخل لوضع حد لارتفاع الايجارات.
ملاك العقارات يبررون الزيادات بارتفاع الطلب وتكاليف المعيشة
في المقابل، يرى بعض ملاك العقارات ان هذه الزيادات في اسعار الايجارات مبررة، حيث قال احد الملاك ان ارتفاع الايجارات يعود الى زيادة الطلب وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرا ان تحديد السعر حق مشروع للمالك.
واضاف ان السوق تحكمه قاعدة العرض والطلب، دون قيود قانونية ملزمة، مشيرا الى ان المالك حر في تحديد سعر الايجار.
وبين ان ارتفاع تكاليف البناء والصيانة يضطر الملاك الى رفع الايجارات، مؤكدا انهم ايضا يعانون من ارتفاع الاسعار.
قانون الايجارات يعاني من قصور ويحتاج الى تعديل
يربط المحامي والناشط الحقوقي سليم علاو تفاقم ازمة الايجارات بضعف الاطار القانوني، رغم وجود قانون ينظم العلاقة بين المؤجر والمستاجر، حيث قال ان القانون رقم 22 لسنة 2006 يشوبه قصور كبير، وكان يميل في بعض جوانبه لصالح الملاك، مشيرا الى ان تعديله كان مطروحا قبل بدء الحرب في 2014، لكنه لم يقر.
واضاف ان زيادات الايجارات تخضع للجشع والعرض والطلب، لافتا الى ان بعضها تجاوز 100%، في ظل غياب سقوف قانونية او رقابة.
وحذر من ممارسات تعسفية تشمل قطع المياه او الكهرباء، او استخدام اقسام الشرطة للضغط على المستاجرين، رغم ان هذه النزاعات مدنية وليست جنائية.
وثائق رسمية تكشف عن محاولات غير مكتملة لمعالجة الازمة
تكشف وثائق رسمية عن محاولات لمعالجة الازمة، بينها قرار بتشكيل لجنة لمعالجة ارتفاع الايجارات، مما يعكس ادراكا رسميا مبكرا لحجم المشكلة، لكن هذه الجهود لم تترجم الى اجراءات فعلية، مما ابقى السوق دون تنظيم.
كما اظهرت مذكرة صادرة عن النيابة العامة توجيهات بعدم تدخل الاجهزة الامنية في النزاعات، باعتبارها قضايا مدنية تحال الى القضاء.
وتعكس هذه الوثائق حجم التعقيد، بين غياب التنظيم من جهة، وتقييد تدخل الجهات التنفيذية من جهة اخرى.
القضاء يواجه صعوبات في تحقيق التوازن بين حقوق المؤجر والمستأجر
يؤكد عادل الحمزي، قاضي محكمة مارب الابتدائية، ان قضايا النزاعات بين المؤجرين والمستاجرين تتصدر المشهد في المحاكم، نتيجة الوضع الاقتصادي والحرب وموجات النزوح، حيث قال ان المشكلة الكبرى هي عجز المستاجرين عن السداد، وهو ما يضع القاضي امام معضلة.
واضاف ان القانون الحالي يراعي مصلحة المؤجر بشكل كبير، ولا يمنح المستاجر حماية كافية، داعيا الى تحديثه لتحقيق التوازن بين الطرفين.
وبين ان القانون ينص على حق المؤجر في طلب الاخلاء اذا تاخر المستاجر اكثر من ثلاثة اشهر، وهو ما يجعل المستاجر عرضة للطرد في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
دعوات للتدخل العاجل لضبط السوق وحماية المستأجرين
يدعو القاضي عادل الحمزي الى تدخل عاجل من السلطة التنفيذية لضبط السوق، مؤكدا ان الدولة تملك صلاحية تحديد سقوف للايجارات، على غرار تسعير السلع الاساسية، ويشير الى ان القانون لا يمنح المؤجر حق الاخلاء لمجرد الرغبة في رفع الايجار، بل يلزمه بالتجديد وفق ايجار المثل، الا في حالات محددة.
لكن الواقع يكشف اختلالا واضحا، حيث يتحول المستاجر في كثير من الاحيان الى ضحية، دون حماية كافية، وبين نصوص قانونية قديمة تميل لصالح المالك، وواقع اقتصادي قاس يضغط على المستاجر، تتحول ازمة الايجارات في مارب الى قضية اجتماعية وانسانية معقدة.
ومع غياب حلول ملموسة، يبقى السؤال مفتوحا: الى متى سيظل السكن حقا مرهونا بالقدرة المالية، بينما تتأكل فرص الاف الاسر في حياة كريمة وتعليم مستقر؟

