صدمة في عالم الموضة: النفط يغير خريطة الازياء
ملخص :
لم يعد ارتفاع أسعار النفط مجرد رقم في بورصات الطاقة، بل أصبح واقعا ملموسا يؤثر بشكل مباشر على أسعار الملابس التي نرتديها، فمن المصانع التي تعتمد على البتروكيماويات، مرورا بخطوط إنتاج الأقمشة، وصولا إلى واجهات متاجر الملابس، تتشابك خيوط سلسلة معقدة تنقل تأثيرات ارتفاع أسعار النفط بسرعة لتستقر في نهاية المطاف على سعر كل قطعة ملابس.
وبحسب تقرير حديث صادر عن منظمة متخصصة في صناعة الأقمشة، فإن البوليستر يشكل نحو 59% من إجمالي إنتاج الأقمشة على مستوى العالم، ويعتمد نحو 88% من إنتاجه على مصادر نفطية غير معاد تدويرها، وهو ما يضع هذه الصناعة في مواجهة مباشرة مع تقلبات أسعار الطاقة.
وقفزت أسعار النفط منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية بنحو 32%، لتصل إلى مستويات قريبة من 100 دولار للبرميل، وهو ما ينذر بمزيد من الضغوط على صناعة الأزياء.
تأثير أسعار النفط على صناعة النسيج
واوضحت الدكتورة أمل صقر، وهي استشارية متخصصة في تصميم المنسوجات، أن الصناعات النسيجية تعتبر من بين القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات أسعار النفط، وذلك نظرا لاعتمادها الكبير على الألياف الصناعية.
واضافت أن أكثر من 60% من الأقمشة المستخدمة في صناعة الملابس على مستوى العالم تعتمد على ألياف صناعية مشتقة من البترول، مثل البوليستر والنايلون والاكريليك، مبينة أن كل زيادة في سعر برميل النفط تترجم بشكل مباشر إلى ارتفاع في تكلفة القماش.
واستشهدت الدكتورة صقر بأزمة عام 2008، حين ارتفعت أسعار البوليستر عالميا بنحو 30% خلال ثلاثة أشهر فقط، بالتزامن مع وصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية، لافتة إلى أن مصانع الغزل في آسيا اضطرت إلى تخفيض إنتاجها بنسبة تراوحت بين 20 و25% نتيجة لضغوط التكلفة.
اضطرابات الشحن وتداعياتها
كما أشارت الدكتورة أمل صقر إلى أن الاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر، أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 300%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة المواد الخام وسلاسل الإمداد.
ورغم أن الأقمشة الطبيعية مثل القطن والكتان لا تعتمد بشكل مباشر على النفط كمادة خام، إلا أنها لا تزال تتأثر بشكل غير مباشر، وفقا للدكتورة صقر.
واضافت أن زراعة هذه الألياف تعتمد على الأسمدة والوقود والنقل، وكلها مرتبطة بأسعار الطاقة، مبينة أن أزمة الأسمدة العالمية في عام 2021 أدت إلى ارتفاع أسعارها بنحو 80%، وهو ما انعكس على أسعار القطن التي ارتفعت بنحو 40%.
تحديات تواجه المصنعين والمستهلكين
وتوضح أمل صقر أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على المواد الخام، بل يمتد ليشمل جميع مراحل الإنتاج، بدءا من تشغيل آلات الغزل وصولا إلى عمليات الصباغة والتجفيف.
واضافت أن مصانع النسيج تعمل بهوامش ربح ضيقة، ومع ارتفاع التكاليف، تصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، إما رفع الأسعار أو تقليل الإنتاج، وكلا الأمرين سينعكس في النهاية على المستهلك.
ووفقا لتقارير صادرة عن البنك الدولي، ارتفعت تكاليف تشغيل مصانع النسيج في عدد من الدول بنحو 18% في أعقاب ارتفاع أسعار الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
الاسواق المستوردة في عين العاصفة
وتشير أمل صقر إلى أن الأسواق المستوردة تتأثر بشكل أسرع بأي اضطرابات في الشحن أو الطاقة، موضحة أن ارتفاع تكاليف الشحن من آسيا أدى إلى زيادات في أسعار الأقمشة الصناعية تراوحت بين 10 و18%، بينما ارتفعت أسعار القطن المستورد بنسب تتراوح بين 15 و25%.
واضافت أن تغيير مسارات الشحن من مضيق هرمز، الذي تعرقلت فيه حركة الشحن، إلى رأس الرجاء الصالح، زاد زمن النقل بين 10 و14 يوما، وهو ما تسبب في نقص بعض المنتجات وتقلبات في توفر الأقمشة والملابس.
اعادة تشكيل سلاسل القيمة
ويرى بوراك شاكماك، وهو الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية، أن تأثير أسعار النفط على الأزياء ليس مباشرا أو فوريا، موضحا أن سعر المنتج النهائي يتأثر بسلسلة قيمة متكاملة تشمل الإنتاج والتسويق والتوزيع، وليس فقط تكلفة المواد الخام.
واضاف انه بدلا من نقل التكاليف إلى المستهلك، تعيد العديد من العلامات التجارية التفكير في كيفية خلق القيمة، سواء من خلال تحسين العمليات أو العمل بكفاءة أكبر مع الموردين.
كما يشير إلى توجه متزايد نحو النماذج المحلية، حيث تسعى العلامات التجارية إلى العمل بالقرب من أسواقها وإدارة المخزون بشكل أفضل، وهو ما يساعد على التحكم في التكاليف وبناء نماذج أكثر مرونة.
الاستدامة ضرورة ملحة
وفيما يتعلق بالاستدامة، يؤكد شاكماك أنها لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت مرتبطة بالكفاءة والاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل.
واضاف أن القطاع يشهد تحولا نحو نماذج الاقتصاد الدائري، بما يشمل إعادة التدوير وتقليل الهدر، وهي ممارسات لم تعد اختيارية، بل ضرورية لتحسين الكفاءة التشغيلية.
جيل جديد من المصممين
وترى آنا زينولا، مديرة معهد مارانجوني في الرياض، أن ارتفاع أسعار النفط لا يعيد تشكيل تفكير المصممين بقدر ما يعزز توجهاتهم الحالية نحو اختيار مواد أكثر وعيا.
واضافت أن الاستدامة جزء أساسي من العملية التعليمية، حيث يتم تدريسها كمنهج متكامل يبنى عليه كل قرار تصميمي، وليس كمادة منفصلة.
وتوضح أن المعهد يركز على إعداد الطلاب لمتطلبات السوق، قائلة أننا نعرض الطلاب لتحديات حقيقية تتطلب تحقيق التوازن بين التكلفة والاستدامة واحتياجات المستهلك، مع تعريفهم بابتكارات المواد التي تثبت إمكانية الجمع بين الاستدامة والجدوى التجارية.
توقعات بارتفاع الاسعار
وبحسب تقارير صادرة عن مؤسسات متخصصة، من المتوقع أن ترتفع أسعار الملابس عالميا بنسبة تتراوح بين 8 و12% خلال العام المقبل، في ظل استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن.

