صراع على قيادة الفدرالي الامريكي: هل يرحل باول و يمهد الطريق لوارش؟
ملخص :
مع تزايد التكهنات حول مستقبل قيادة مجلس الاحتياطي الفدرالي، تتجه الأنظار نحو احتمال تولي كيفن وارش رئاسة البنك المركزي، وذلك بعد تذليل بعض العقبات السياسية والقانونية التي كانت تعترض طريقه. ومع ذلك، يظل المشهد ضبابيا، إذ يعتمد بشكل كبير على قرار شخصي وسياسي حاسم: هل يختار الرئيس الحالي للمركزي الأمريكي، جيروم باول، مغادرة مجلس محافظي الفدرالي، أم يفضل البقاء حتى نهاية ولايته كعضو في المجلس بحلول يناير من عام 2028؟
وترى مجلة الإيكونوميست البريطانية أن وصول وارش إلى رأس الاحتياطي الفدرالي لا يعني بالضرورة إخضاع البنك المركزي لتوجهات الرئيس الأمريكي، أو إحداث تغيير جذري في السياسة النقدية الأمريكية، فرئيس الفدرالي يخضع لضوابط داخلية وآليات تصويت جماعية. واضافت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن القرار الكبير الأخير داخل الفدرالي أصبح بيد جيروم باول وحده.
وجاء هذا التحول في مسار المناقشات حول ترشيح وارش داخل الكونغرس بعد إعلان وزارة العدل الأمريكية قبل أيام عن وقف التحقيق الجنائي بحق جيروم باول، وهو الملف الذي كان يُنظر إليه كأداة ضغط سياسية تتعلق بتكاليف ترميم أحد مباني الفدرالي في واشنطن. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي كان يعطل ترشيح وارش، قال إنه تلقى ضمانات بأن التحقيق انتهى فعليا، مما سمح بإزالة العقبة أمام تثبيت وارش قبل انتهاء ولاية باول كرئيس في منتصف مايو المقبل.
مستقبل الاحتياطي الفدرالي
وبحسب مجلة الإيكونوميست، فإن وارش قد اجتاز اختبار الولاء السياسي للرئيس الأمريكي خلال جلسة التثبيت في الكونغرس، وذلك حين امتنع عن الإعلان صراحة عن خسارة ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2020 أمام المرشح الديمقراطي آنذاك، جو بايدن. كما دعا وارش إلى تغيير النظام داخل البنك المركزي، وهي عبارة أثارت قلقا واسعا داخل المؤسسة التشريعية.
لكن المجلة البريطانية تشير إلى أن العديد من أفكار كيفن وارش تعتبر إما هامشية أو محدودة التأثير، أو أنها تحتاج إلى موافقة جماعية، فهو ينتقد الاعتماد على التضخم الأساسي ويفضل مؤشرات بديلة. ويريد تقليص ميزانية الفدرالي التي تبلغ نحو 7 تريليونات دولار، ويشكك في سياسة التوجيه المستقبلي الخاصة بمسار أسعار الفائدة.
والتضخم الأساسي هو مؤشر اقتصادي يستخدم لقياس وتيرة ارتفاع الأسعار مع استبعاد السلع التي تتسم بتقلبات شديدة ومفاجئة في أسعارها، وهي غالبا الغذاء ومواد الطاقة مثل البنزين والكهرباء.
التضخم و اسعار الفائدة
إلا أن تنفيذ هذه التغييرات يتطلب تصويت أغلبية مجلس محافظي البنك المركزي المؤلف من 7 أعضاء، كما أن قرارات سياسة الفائدة تحتاج موافقة 7 أعضاء من أصل 12 في لجنة السوق المفتوحة داخل البنك. وبين أن وارش يملك صوتا واحدا ومنصبا قويا، لكنه لا يملك القرار منفردا.
واضافت الإيكونوميست أن الأسواق، التي كانت تتوقع خفض الفائدة عدة مرات هذا العام في الولايات المتحدة، أصبحت تميل حاليا إلى تثبيت الفائدة بين 3.5% و3.75% بعد الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
المسألة الأكثر حساسية الآن، وفق صحيفة وول ستريت جورنال، ليست وارش بل جيروم باول، فبعد انتهاء رئاسته للفدرالي يستطيع باول مغادرة المجلس، أو البقاء في مجلس المحافظين حتى العام 2028. وقد صرح باول في مارس الماضي بأن أي قرار ببقائه في هذا المنصب يتطلب أن يكون التحقيق الجنائي منتهيا تماما، بشفافية وبصفة نهائية.
قرار باول المصيري
لكن الصحيفة أوضحت أن هذا الشرط ربما لم يتحقق بالكامل، لأن وزارة العدل ما زالت تتابع استئنافا قانونيا محدودا، ولأن المفتش العام للفدرالي يواصل مراجعة تكاليف بناء المبنى التابع للبنك. وقال كيرت لويس، المستشار السابق لباول، إن احتمال بقاء باول في المجلس ارتفع بعد التطورات الأخيرة.
واذا غادر باول مجلس المحافظين، سيحصل الرئيس ترمب على مقعد إضافي إلى جانب المقعد المخصص لوارش، وإذا بقي باول فلن تتوافر شواغر أخرى في المجلس قبل يناير 2028. وهنا ترى صحيفة وول ستريت جورنال أن المسألة تتجاوز الأشخاص إلى حسابات رياضية داخل المجلس.
فعين ترمب سابقا ميشيل بومان وكريستوفر والر في مجلس المحافظين، وإذا حصل أيضا على مقعد باول، قد يمتلك أغلبية داخل المجلس. ويقول المسؤول السابق في الفدرالي ديفيد ويلكوكس إن نقطة التحول تأتي عندما يحصل الرئيس على أغلبية راغبة في تفكيك الهيكل المؤسسي.
استقلالية الفدرالي
تاريخيا، يغادر معظم رؤساء مجلس الاحتياطي الفدرالي المؤسسة بعد انتهاء ولايتهم، لكن بقاء جيروم باول قد يشكل رسالة دفاع عن استقلال المؤسسة في مواجهة ضغوط البيت الأبيض. في المقابل، قد يُنظر إلى بقائه على أنه استمرار للصدام السياسي داخل البنك المركزي.
ونقلت وول ستريت جورنال عن جاريد برنشتاين، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، قوله إن وارش إذا ثبت في منصبه فمن حقه أن يترك بصمته، وإن وجود الرئيس السابق للبنك المركزي داخل لجنة الفائدة ليس ممارسة مؤسسية مثالية.
وبين هذا الرأي وذاك، يجد جيروم باول نفسه أمام خيار شخصي ثقيل: التقاعد بعد 14 عاما داخل الفدرالي، بينها 8 أعوام رئيسا، أو البقاء لمنع البيت الأبيض من توسيع نفوذه داخل أكثر المؤسسات النقدية حساسية في الولايات المتحدة.

