القمح والأسمدة: نفط روسيا وغازها!
ملخص :
يرى الكاتب الروسي، قسطنطين أولشانسكي، أن التداعيات الاقتصادية لأي تصعيد عسكري واسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد لا تقتصر على الطاقة أو الجغرافيا السياسية، بل قد تمتد إلى ما وصفه بـ "كارثة غذائية عالمية" مرشحة لتكون الأشد منذ قرن.
وفي تقديراته المنشورة في صحيفة "سفوبودنايا بريسا"، يحذر الكاتب من أن العالم، وتحديداً الدول الغربية، قد يجد نفسه أمام موجة تضخم حادة في أسعار الغذاء داخل المتاجر الكبرى، بينما تواجه مناطق واسعة في أفريقيا خطر انعدام الأمن الغذائي وتفاقم الجوع.
ويشير إلى أن التركيز الإعلامي العالمي ينحصر حالياً في التحركات العسكرية والضربات الجوية، في حين يجري -بحسب تعبيره- تجاهل تحول جوهري في بنية الاقتصاد العالمي، حيث بات الغذاء عنصراً أكثر حساسية وتأثيراً من النفط في معادلة القوة الدولية.
الغذاء كسلاح اقتصادي في النظام العالمي الجديد
يطرح الكاتب تصوراً لنظام عالمي جديد تتراجع فيه مركزية النفط لصالح الغذاء والأسمدة، بوصفهما ركيزتين حاسمتين لاستقرار الدول، وفي هذا السياق، يشير إلى أن روسيا - رغم العقوبات الغربية - تعزز موقعها كقوة رئيسية في سوق الغذاء العالمي، مستفيدة من قدراتها الزراعية واللوجستية، لتصبح، وفق رؤيته، لاعباً محورياً في ضمان إمدادات الغذاء لمئات الملايين حول العالم.
مضيق هرمز: من شريان للطاقة إلى عقدة غذائية
يستعيد الكاتب أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية، لكنه يؤكد أن الأهمية الأكبر تكمن اليوم في كونه ممراً أساسياً لصادرات الأسمدة، وبحسب التحليل، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يضرب مباشرة منظومات الإنتاج الزراعي عالمياً، مع اعتماد العديد من الدول على واردات الأسمدة القادمة من منطقة الخليج.
ويشير إلى أن التوترات في المنطقة أدت إلى ارتفاعات حادة في الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، إلا أن التأثير الأكبر كان - وفق الطرح - في سوق الأسمدة التي شهدت قفزات سعرية أكثر حدة، وهو ما يهدد القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي عالمياً.
الزراعة تحت ضغط التكاليف والطاقة
ويؤكد الكاتب أن الزراعة الحديثة أصبحت قطاعاً شديد الحساسية لتكاليف الطاقة، إذ تمثل الطاقة نسبة كبيرة من إجمالي تكاليف الإنتاج الزراعي في الاقتصادات المتقدمة، وبناءً على ذلك، فإن أي ارتفاع في أسعار الوقود أو الأسمدة يؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج، ما ينعكس على أسعار الغذاء عالمياً، ويعمّق معدلات التضخم في الأسواق الاستهلاكية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة.
اختناقات في سلاسل الإمداد العالمية
يشير التحليل إلى وجود اختناقات متزايدة في سلاسل التوريد العالمية، مع تقديرات تفيد بتكدس ملايين الأطنان من السلع والمواد الخام المرتبطة بالإنتاج الزراعي والطاقة في نقاط عبور بحرية حساسة، محذرا من أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤدي إلى تعطيل واسع في حركة التجارة الزراعية، في وقت تعتمد فيه دول آسيوية وأفريقية بشكل كبير على واردات الأسمدة من الخارج.
كما يبرز اعتماد عدد من الاقتصادات الناشئة، مثل الهند وعدد من الدول الأفريقية، على واردات الأسمدة النيتروجينية، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق وأزمات الإمداد.
انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع الغلال
في حال استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة، يتوقع الكاتب تراجعاً كبيراً في إنتاجية المحاصيل الزراعية في مناطق رئيسية حول العالم، من أميركا اللاتينية إلى جنوب آسيا، ويرى أن هذا التراجع قد يتراوح بين 30% و40% في بعض المناطق، وهو ما يعني ضغطاً إضافياً على الأسواق العالمية وارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
تحذيرات أممية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي
وينقل الكاتب عن تقديرات أممية أن استمرار التوترات في الممرات البحرية الحيوية لفترة ممتدة قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الأشخاص الذين يعانون من نقص حاد في الغذاء، بما قد يضيف عشرات الملايين إلى قائمة المتضررين حول العالم، مشيرا إلى أن التغيرات المناخية، مثل ظاهرة "النينيو"، تزيد من تعقيد المشهد، عبر التسبب في موجات جفاف وفيضانات متزامنة تؤثر على مناطق زراعية رئيسية، ما يفاقم هشاشة النظام الغذائي العالمي.
قيود تصدير وتحولات في الأسواق الآسيوية
وضمن هذا السياق، يلفت الكاتب إلى أن بعض الدول الآسيوية بدأت بالفعل في فرض قيود على صادراتها من المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز، في محاولة لحماية أسواقها الداخلية، معتبرا أن هذه الإجراءات تعكس بداية تحول في السياسات التجارية العالمية، حيث تميل الدول إلى تعزيز أمنها الغذائي الداخلي على حساب الانفتاح في التجارة الدولية.
روسيا في موقع استراتيجي داخل أزمة الغذاء
ويخلص الكاتب إلى أن روسيا قد تكون من الدول الأقل تضرراً نسبياً من هذه الاضطرابات، بل وربما الأكثر استفادة منها على المدى المتوسط، نظراً لامتلاكها مقومات إنتاج زراعي واسعة، بما في ذلك الطاقة منخفضة التكلفة، والأسمدة، والأراضي الزراعية الخصبة.
ويرى أن اعتماد روسيا على مسارات تصدير بديلة بعيداً عن المضائق البحرية الحساسة يمنحها قدرة أكبر على الاستمرار في تزويد الأسواق العالمية بالقمح والحبوب، ويذهب التحليل إلى أن أي اختلال في سلاسل الإمداد العالمية قد يدفع العديد من الدول المستوردة، خصوصاً في أفريقيا وآسيا، إلى تعزيز اعتمادها على الموردين القادرين على ضمان الاستقرار، ومن بينهم روسيا.
تحول في موازين القوة العالمية
يختتم الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن العالم يتجه نحو إعادة تعريف مفهوم القوة، بحيث لا يعود النفوذ مرتبطاً فقط بالقوة العسكرية أو عدد حاملات الطائرات، بل بالقدرة على التحكم في سلاسل الغذاء والأسمدة والإنتاج الزراعي، ويرى أن من يملك القدرة على تأمين الغذاء في أوقات الأزمات سيكون اللاعب الأكثر تأثيراً في النظام الدولي المقبل.

