الفيدرالي تحت الضغط: كيف يحاول ترامب إعادة هندسة السياسة النقدية؟
علا القارصلي
ملخص :
أشارت تقارير صحفية أمريكية إلى أن العلاقة الاستراتيجية بين البيت الأبيض والبنك المركزي الأمريكي تكتسب أهميةً استراتيجيةً قصوى في عام 2026، حيث يسعى الرئيس دونالد ترامب بشكلٍ حثيثٍ لإعادة صياغة استقلالية الاحتياطي الفيدرالي لتتوافق مع أجندته الاقتصادية التوسعية.
وحسب تحليل الخبراء الماليين في واشنطن، يطمح الرئيس إلى خفض سعر الفائدة على التمويل إلى مستوياتٍ غير مسبوقة تقترب من 1%، وهو توجهٌ يراه مراقبو السياسات النقدية تهديدًا جوهريًا للاستقلالية التاريخية التي تمتعت بها المؤسسة، إذ يهدف هذا الضغط إلى تحويل الفيدرالي من مؤسسةٍ تكنوقراطيةٍ مستقلةٍ إلى أداةٍ تنفيذيةٍ تدعم النمو السريع دون مراعاةٍ للمستهدفات التضخمية التقليدية.
ووضحت التقارير أن ترامب لم يتردد في توجيه انتقاداتٍ لاذعةٍ ومتكررةٍ لرئيس الفيدرالي جيروم باول، متهمًا إياه بـ كبح جماح الاقتصاد القومي وعرقلة الطفرة المالية المنشودة، مما أدى إلى حالةٍ من الاحتقان المؤسسي غير المسبوق، وحسب تحليل المشهد السياسي والمالي، فإن هذا الصراع يتجاوز الخلاف التقني حول أرقام الفائدة، ليعكس رغبةً سياسيةً عميقةً في البحث عن تبريراتٍ تكنولوجيةٍ تشرعن التدخل المباشر في القرار النقدي، مما يجعل مستقبل السياسة المالية الأمريكية في مهب الريح السياسية.
رهان الذكاء الاصطناعي
يستند المنطق الاقتصادي الذي يروج له البيت الأبيض في مطالبته بالسياسة التوسعية إلى ضرورة استنساخ حقبة التسعينات الذهبية، حيث يرى ترامب أن الفائدة المنخفضة هي المحرك الأساسي لتحقيق ازدهارٍ اقتصاديٍ شاملٍ، وحسب تحليل البيانات الاقتصادية لعام 2026، يتم استخدام ثورة الذكاء الاصطناعي كحجةٍ مركزيةٍ لخفض الفائدة دون خشيةٍ من اشتعال التضخم، انطلاقًا من رؤية وزير الخزانة سكوت بيسنت الذي يرى ضرورة تبني عقليةٍ منفتحةٍ تشبه عقلية آلان جرينسبان.
غير أن هذا التفاؤل يواجه شكوكًا عميقةً من اقتصاديين مثل مارتن بيلي، الذي أكد حسب تحليل معهد بروكينجز أن الشركات لا تتغير بهذه السرعة، وأن المديرين قد لا يستوعبون التكنولوجيا الجديدة بشكلٍ فوريٍ مما يجعل أثر الإنتاجية يتأخر لسنواتٍ طوالٍ.
وحسب الخبير داريو بيركينز، فإن الإدارة تقدم نسخةً مشوهةً عما حدث في التسعينات، متجاهلةً أن الطفرة السابقة لم تكن وليدة خفض الفائدة فحسب، بل كانت نتاج ظروفٍ جيوسياسيةٍ وماليةٍ فريدةٍ لا تتوفر في المشهد الراهن، مما يجعل الرهان على الذكاء الاصطناعي كذريعةٍ للسياسة النقدية المتساهلة مقامرةً اقتصاديةً كبرى.
تفكيك تدريجي لاستقلالية الفيدرالي
استخدمت الإدارة الأمريكية أدواتٍ تنفيذيةً معقدةً لتقويض سلطة الفيدرالي الحالية، ولعل أبرزها مقترح سكوت بيسنت بتعيين رئيس ظل للاحتياطي الفيدرالي، وهو مخططٌ يهدف لتعيين مرشحٍ معتمدٍ بشكلٍ مبكرٍ لإضعاف نفوذ باول قبل انتهاء ولايته في 15 مايو.
وحسب تحليل المسار السياسي للتعيينات، برز دور ستيفن ميران كصوتٍ وحيدٍ داخل لجنة السوق المفتوحة يطالب بخفض الفائدة بمقدار ربع نقطةٍ في اجتماع مارس، مما يعكس تغلغل الموالين للإدارة داخل أروقة القرار النقدي.
وفي تحليل التطورات القانونية، شهدت المواجهة بين البيت الأبيض وباول تحولاً دراماتيكياً حين أعلنت المدعية العامة جينين بيرو في 25 أبريل أنها ستسقط التحقيق المتعلق بتجديدات مبنى الفيدرالي، وهي الخطوة التي جاءت بعد أن تمسك باول بالبقاء في منصبه حتى انتهاء التحقيق، مما أزال عقبةً قانونيةً كبرى أمام تأكيد تعيين كيفن وارش.
وحسبما ورد في تحليلات صحفية، فإن هذه المناورات تهدف لضمان انتقالٍ سلسٍ للسلطة النقدية إلى يد شخصيةٍ تتبنى الرؤية الرئاسية بالكامل، مع تهميش المعارضة الداخلية التي تتبناها بقية أعضاء اللجنة.
ويمثل كيفن وارش الخيار المفضل لترامب نظراً لخلفيته التي تجمع بين الخبرة المصرفية والولاء السياسي، وهو الذي وصفه الرئيس بأنه شخصيةٌ خرجت من اختبارات الأداء المباشرة لقيادة الفيدرالي، وحسب تحليل التحولات الفكرية لوارش، فقد رصد المراقبون تحولاً راديكالياً في فكره، إذ انتقل من كونه صقرًا تضخميًا عارض سياسات التيسير في عهد أوباما رغم بلوغ البطالة 9%، ليصبح اليوم من أشد المنادين بخفض الفائدة رغم وصول التضخم لمستوياتٍ مقلقةٍ.
ووفق ورد في جلسات الاستماع بمجلس الشيوخ في 21 أبريل، تعهد وارش بالاستقلالية التامة، إلا أنه أثار جدلاً واسعاً حين رفض التصريح بوضوحٍ حول خسارة ترامب لانتخابات 2020، مما عزز شكوك الديمقراطيين في قدرته على مقاومة الضغوط السياسية.
وحسب تحليل الخبراء في بوفا للأوراق المالية، فإن تصريحات وارش الأخيرة التي شددت على وجود نافذةٍ ضيقةٍ لخفض التضخم قد تشير إلى أنه قد لا يندفع نحو خفض الفائدة فور توليه المنصب، مما يضع توقعات الأسواق المتفائلة في حالةٍ من الارتباك الشديد، خاصةً في ظل الضغوط التي يمارسها ترامب علنًا عبر وسائل الإعلام.
المصادر الاقتصادية لعام 2026 أكدت أن جوهر الخطة التي يتبناها ثنائي ترامب ووارش ترتكز على استنساخ تجربة عام 1996، حين سمح جرينسبان للاقتصاد بالنمو القوي معتمداً على طفرة الإنترنت دون رفع الفائدة.
وأظهر تحليل النماذج المقارنة، يحاول وارش تبرير خفض أسعار الفائدة بادعاء أن الذكاء الاصطناعي سيرفع سقف سرعة الاقتصاد دون التسبب في تضخم، لكن هذا التحليل يتغافل عن النسخة الصقورية لجرينسبان عام 1999 حين رفع الفائدة من 4.75% إلى 6.5% لمواجهة الفقاعة.
وحسب تحليل الخبير ناتان شيتس من سيتي بنك، فإن الفيدرالي يواجه واقعًا مريراً حيث فشل في تحقيق هدف التضخم لخمس سنواتٍ متتاليةٍ، مما يجعل أي تهاونٍ في السياسة النقدية خطراً على المصداقية المؤسسية. علاوةً على ذلك، يرى ناتان شيتس أن الطفرة التكنولوجية قد لا تؤدي بالضرورة لخفض الفائدة، بل قد تتطلب رفعها نتيجة زيادة الطلب على رأس المال للاستثمار في مراكز البيانات واحتياجات الطاقة الهائلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتناقض تماماً مع وعود ترامب بخفض التكاليف عبر التكنولوجيا.
صدمة الحرب والتضخم المرتفع
أدت حرب إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026 إلى بعثرة كافة الأوراق الاقتصادية للإدارة الأمريكية، حيث تسبب الصراع المسلح في صدمةٍ عنيفةٍ لإمدادات الطاقة العالمية، وحسب تحليل أسعار السوق في مارس، قفزت أسعار الجازولين بمقدار 92 سنتاً في شهرٍ واحدٍ لتصل إلى 4.12 دولار للغالون، مما دفع معدل التضخم السنوي للقفز إلى 3.3%، وهو أعلى مستوىً منذ عامين.
وحسبما ورد في محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير، تسبب هذا الارتفاع في انقسامٍ حادٍ، حيث بدأت أصواتٌ مثل بيث هماك، رئيسة فيدرالي كليفلاند، تلوح بضرورة رفع الفائدة إذا استمر التضخم بعيداً عن مستهدف 2%، في حين ظل ستيفن ميران المعين من قبل ترامب يطالب بالخفض. وحسب تحليل الخبير تيم دوي، فإن التوقعات الاقتصادية للفيدرالي أصبحت قديمةً وغير صالحةٍ لأنها لم تستوعب بالكامل آثار حرب إيران، خاصةً مع زيادة تكاليف الكهرباء لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نتيجة نقص الوقود، مما يضع خطة ترشيح وارش أمام اختبارٍ ناريٍ قد يجبره على تبني سياسةٍ متشددةٍ تخيب آمال البيت الأبيض تمامًا.
تناقضات هيكلية تهدد الخطة
تقارير مكتب الميزانية بالكونغرس، بينت أن مشروع ترامب ووارش يواجه تحدياتٍ هيكليةً تجعل مقارنته بحقبة التسعينات مقارنةً غير واقعيةٍ، لعل أبرزها وصول الدين العام إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مقارنةً بـ 54% فقط في عهد كلينتون.
وحسب تحليل شامل للسياسات التجارية، يمثل جدار التعريفات الجمركية الذي يفرضه ترامب عائقاً أمام خفض التضخم، حيث تؤدي هذه الضرائب على الواردات إلى رفع التكاليف على الشركات والمستهلكين، مما يتناقض مع رغبة خفض الفائدة.
وأكد محللي أوكسفورد إيكونوميكس، أن سياسات الترحيل الجماعي ستؤدي إلى انكماش عرض العمالة ورفع الأجور بشكلٍ تضخميٍ، مما يجعل مهمة وارش في خفض الفائدة مستحيلةً من الناحية الفنية والعملية.
وفي الختام، يبدو أن مستقبل السياسة النقدية الأمريكية تحت قيادة وارش المتوقعة سيظل عالقاً في منطقةٍ رماديةٍ بين الولاء لترامب وضرورات الواقع الاقتصادي المرير، حيث لم تعد طموحات الذكاء الاصطناعي كافيةً لمواجهة رياح الحرب والديون والسياسات التجارية الحمائية التي تنتهجها الإدارة نفسها، وبناءً على ما تقدم، يمكن تلخيص المشهد في النقاط التالية التي تمثل خلاصة الأزمة الاقتصادية الراهنة:
- تضارب الأهداف بين خفض الفائدة ومكافحة التضخم الناجم عن حرب إيران وارتفاع أسعار الطاقة.
- التناقض الصارخ بين الرغبة في النمو السريع وبين العجز المالي المتفاقم الذي يتطلب أسعار فائدةٍ مرتفعةً لجذب المستثمرين.
- الشكوك العميقة حول استقلالية كيفن وارش وقدرته على اتخاذ قراراتٍ صعبةٍ قد تغضب الرئيس الذي عينه لهذا المنصب تحديدًا.

