تونس تستقبل المتقاعدين الايطاليين: ملاذ ام تحديات اقتصادية؟
ملخص :
بين زرقة البحر وهدوء المقاهي، يقضي باسكال، المتقاعد الإيطالي، أيامه في محافظة نابل الساحلية شرقي تونس، حيث اختار أن يبدأ فصلا جديدا من حياته بعيدا عن بلده الأم.
يقول باسكال "ساموت هنا، ساقضي نهاية أيامي هنا"، وأضاف "انا ايطالي ومتقاعد منذ 7 سنوات، وعندما تقاعدت كان اول ما فكرت فيه هو ايجاد مكان اعيش فيه، لا مجرد مكان للبقاء".
لم يكن اختياره لتونس وليد الصدفة، فالقرب الجغرافي والتشابه الثقافي مع جنوب إيطاليا، حيث نشأ، جعلاه يشعر بألفة مبكرة، يقول باسكال "كنت اعلم انني ساجد تقريبا نفس ظروف العيش، نفس الروح المتوسطية"، الذي عزز ارتباطه بالبلد بزواجه من تونسية واستقراره النهائي فيه.
تحديات واندماج المتقاعدين الايطاليين في تونس
ورغم اندماجه الاجتماعي، لا يخفي المتقاعد الإيطالي بعض التحديات، وعلى راسها التعقيدات الإدارية، لكنه يؤكد في المقابل أن علاقته بالمجتمع المحلي إيجابية.
واضاف "اكبر مشكلة واجهتها هي البيروقراطية، إنها متضخمة وتسبب توترا كبيرا"، وبين "لدي الكثير من الأصدقاء هنا، واختلافنا في طريقة التفكير يمثل ثراء لا عائقا".
لا تقتصر قصة باسكال على بعد شخصي، بل تعكس ظاهرة أوسع تتمثل في تزايد اقبال المتقاعدين الايطاليين على الاستقرار في تونس، وهم بذلك يمثلون الطرف الأوروبي الأكثر حضورا من هذه الفئة.
الجاذبية الضريبية وعلاقات تونس وايطاليا
وفي هذا السياق، يؤكد ساندرو فراتيني، رئيس لجنة الإيطاليين بالخارج في تونس، في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن العلاقات بين البلدين تمر بـ"مرحلة شديدة الحيوية والديناميكية"، مشيرا إلى وجود أكثر من 8 آلاف إيطالي مقيم في تونس، تتركز اغلبيتهم في مدينة الحمامات.
واضاف ان هذه الجالية تمثل "ركيزة للتقارب بين البلدين"، في ظل مبادرات تهدف إلى تسهيل اندماجهم، مثل "مكتب الاصغاء" وبطاقات خدمات توفر امتيازات بالتعاون مع شركاء محليين.
ويرى فراتيني ان الامتيازات الضريبية احد ابرز عوامل الجذب، اذ لا تتجاوز الضرائب على المعاشات في تونس 5% في اقصى الحالات، مقارنة بنحو 30% في إيطاليا، كما يخضع الدخل لنظام تدريجي يبدأ بإعفاء جزئي، مما يعزز القدرة الشرائية للمتقاعدين ويجعل تونس وجهة مفضلة لهم.
شروط الاستفادة من الامتيازات الضريبية في تونس
وأوضحت تقارير نقلتها صحيفة "الشعب نيوز" الناطقة باسم اتحاد الشغل في تونس ان الانتفاع بالامتياز الضريبي يعتمد على بعض الشروط.
ومن هذه الشروط ان الشخص المعني بالامر لم يخضع للضريبة كمقيم ضريبي في تونس في اي من السنوات الخمس السابقة، وان يعتبر مقيما ضريبيا في تونس، وان يتمكن من الحصول على الإقامة في تونس، وان يكون له منزل في تونس في ظل ظروف تجعل من الممكن افتراض نيته الحفاظ عليه كمقر إقامة.
وهذا ما يفسر اقبال هؤلاء على اقتناء المنازل او تاجيرها لفترات طويلة.
التاثيرات المحلية لوجود المتقاعدين الايطاليين
لا تخلو الظاهرة من تداعيات على المستوى المحلي، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة إقامة الأجانب، وتحديدا منطقة الحمامات وبعض المدن في محافظة نابل.
ففي مدينة الحمامات، يشير عدد من السكان إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الإيجارات، مؤكدين أن بعض المالكين باتوا يفضلون تأجير منازلهم للأجانب، نظرا لسهولة التعامل وضمان الدفع.
ويقول "حاتم" (اسم مستعار)، وهو وسيط عقاري غير منظم، إن التعامل مع الأجانب "اسهل بكثير، ولا توجد مشاكل في استخلاص الإيجار"، مشيرا إلى أن العديد من العقارات تعود لتونسيين مقيمين بالخارج، يفضل بعضهم تلقي مستحقاتهم المالية خارج البلاد.
فرص وتحديات تدفق المتقاعدين الاوروبيين
على المستوى الرسمي، تختلف التقديرات حول عدد الإيطاليين المقيمين في الجهة (محافظة نابل)، اذ يؤكد النائب في مجلس النواب ياسين مامي للجزيرة نت ان العدد المصرح به رسميا لا يتجاوز 5 آلاف شخص، وفق معطيات رسمية في الجهة.
ويرى مامي ان وجود المتقاعدين الأوروبيين يمكن ان يمثل فرصة لتعزيز تدفق العملة الصعبة، لكنه يحذر من غياب التاطير، قائلا إن هذه الظاهرة قد تتحول إلى عبء إذا تركت دون تنظيم.
كما يشير إلى أن ارتفاع أسعار العقارات في المنطقة بدا يؤثر على السكان المحليين، إضافة إلى دخول بعض المقيمين الأجانب في أنشطة تجارية بطرق غير منظمة، مما يطرح تحديات إضافية.
تونس بين الملاذ المريح والمفارقة الاقتصادية
بين تجربة باسكال الشخصية، التي تعكس بحثا عن حياة هادئة ومستقرة، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تثيرها هذه الظاهرة، تبدو تونس امام معادلة معقدة: كيف يمكن الاستفادة من تدفق المتقاعدين الأجانب دون الإخلال بالتوازنات المحلية؟ سؤال يظل مفتوحا، في بلد يصدر شبابه نحو الضفة الأخرى من المتوسط، بينما يستقبل متقاعدين أوروبيين اختاروا ان يجعلوا منه محطتهم الأخيرة.

