اضطرابات الشرق الاوسط تهدد امدادات الدواء العالمية
ملخص :
تسببت الحرب المتصاعدة في إيران وتوسع نطاق الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط في التأثير على سلاسل إمداد الصحة والدواء، التي تعد من أكثر الشبكات حساسية في الاقتصاد العالمي، وقد أدى هذا التحول إلى اتساع نطاق الصدمة من قطاعات الطاقة والنقل إلى الأمن الصحي.
كشفت تقارير حديثة أن منطقة الخليج، التي لا تعتبر منتجا رئيسيا للأدوية، بل تمثل عقدة عبور محورية لها، تواجه اختناقا مزدوجا أصاب مساراتها الحيوية، وهما مضيق هرمز والمجال الجوي ومراكز الشحن الإقليمية.
وحسب تحليل نشرته المنصة البحثية المتخصصة في مجال الصحة "ثينك غلوبال هيلث"، ظل النشاط التجاري عبر المضيق أقل بنحو 90% من مستويات ما قبل الحرب، في حين تراجعت قدرة الشحن الجوي في منطقة الخليج بنسبة 79%، وهو ما انعكس بدوره على انخفاض السعة العالمية بنحو 22%.
تحديات تواجه قطاع الدواء
في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد صدمة جيوسياسية عابرة، بل تحولت إلى عامل هيكلي يعيد تعريف مخاطر الأمن الدوائي عالميا، من حيث الكلفة وزمن الوصول ودرجة الاعتماد على مسارات جغرافية محدودة، ويكشف هذا الوضع هشاشة نموذج سلاسل التوريد القائم على تركز نقاط العبور في عدد محدود من المراكز الحيوية.
تكمن خطورة التطورات الحالية في أن دول مجلس التعاون الخليجي تشكل مركز عبور رئيسيا يربط بين مصنعي الأدوية ومكوناتها في الهند وأوروبا والصين من جهة، وبين أسواق أفريقيا وآسيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، ويقدر تحليل "ثينك غلوبال هيلث" قيمة الصناعة الدوائية الخليجية بنحو 23.7 مليار دولار.
وتبرز دبي في قلب هذه الشبكة بوصفها مركزا لإعادة التصدير والتخزين المبرد وإعادة التوزيع، مع وجود بنية تحتية متقدمة تعتمد عليها شركات لوجستية كبرى وسلاسل توريد صحية دولية، وتعطل هذا المحور لا ينعكس فقط على التجارة بل على الإمدادات الإنسانية كذلك.
تأثير على الأدوية الحساسة
يظهر الأثر الأول والأسرع غالبا في الأدوية الأعلى حساسية للوقت ودرجات الحرارة، مثل اللقاحات والإنسولين والعلاجات البيولوجية وأدوية السرطان، وتشير المصادر إلى أن هذه المنتجات تعتمد بدرجة كبيرة على الشحن الجوي وسلاسل التبريد، وهو ما يجعلها الأكثر انكشافا عند تعطل المطارات والمحاور الجوية.
ونقلت منصة "هيلث بيت" المتخصصة في الصحة العامة عن الخبير في سلاسل إمداد الرعاية الصحية براشانت ياداف قوله إن أغلب هذه الأدوية يجب أن تُنقل ضمن نطاق حراري ضيق يتراوح عادة بين درجتين وثماني درجات مئوية، وأضاف أن شركات الشحن تحتاج إلى نحو أسبوع ونصف لتعويض كل أسبوع يتوقف فيه الشحن الجوي، بما يرفع مخاطر التلف والتأخير ونقص المعدات المخصصة للنقل المبرد في الشحنات اللاحقة.
وتشير رويترز إلى أن شركات أدوية غربية بدأت فعليا البحث عن مسارات بديلة لإدخال العلاجات إلى الخليج، بما في ذلك النقل عبر مطارات جدة والرياض أو عبر إسطنبول وعمان، مع استخدام الشحن البري في بعض المراحل لتعويض انقطاع الممرات الجوية التقليدية عبر دبي وأبوظبي والدوحة.
ارتفاع التكاليف وتأثيرات محتملة
لا تتجه الأزمة في المدى القصير بالضرورة نحو نقص شامل في الأدوية داخل الاقتصادات الكبرى، بقدر ما تتجه نحو ارتفاع الكلفة وتزايد مخاطر الاختناقات في فئات محددة، فالمخزونات الاحتياطية ما زالت تمنح قدرا من الحماية، إذ تشير تقديرات "ثينك غلوبال هيلث" إلى أن شركات الأدوية تحتفظ في المتوسط بمخزون من المنتجات النهائية يكفي نحو 180 يوما.
وفي الاتحاد الأوروبي، تفرض دول عدة مخزونات للأدوية الأساسية تتراوح بين شهرين وستة أشهر، لذلك فإن الخطر الفوري لا يتمثل في فراغ الرفوف بقدر ما يتمثل في تضخم كلفة النقل والتأمين وإعادة التوجيه، وهو ما قد ينتقل لاحقا إلى أسعار المستهلكين.
ويقول المختص في قطاع التسويق والصناعة الدوائية محمد العمري إن مصانع الأدوية في الأردن والخليج ومصر واجهت ارتفاعا ملحوظا في تكاليف شحن المواد الأولية، رغم عدم انقطاع الإمدادات من مصادرها الآسيوية والأوروبية.
ويوضح العمري أن المشكلة الأساسية لم تكن في التوفر، بل في ارتفاع كلفة النقل، في وقت تخضع فيه أسعار الأدوية لأنظمة تسعير صارمة تحددها هيئات الغذاء والدواء، ما دفع العديد من الشركات إلى تأجيل عمليات الاستيراد لتفادي خسائر لا يمكن تعويضها عبر رفع الأسعار.
ويضيف أن هذا الوضع أدى إلى تباطؤ في الاستيراد لدى المصنعين والمستوردين على حد سواء، مع الاعتماد على المخزونات المتاحة، وهو ما تسبب في بعض الانقطاعات المحدودة التي لم يشعر بها المرضى بشكل مباشر، نتيجة قصر مدة الأزمة وتوفر مخزون أمان كاف لدى الشركات ووكلاء الأدوية الأجنبية، الأمر الذي خفف من الأثر الفوري للحرب على الأسواق.
وتشير رويترز إلى أن بعض التنفيذيين في القطاع يرون أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى انخفاض إمدادات بعض أدوية الأورام خلال 4 إلى 6 أسابيع إذا طال أمد الاضطراب، بينما نقلت تحليلات أخرى عن مختصين في سلاسل الإمداد أن زيادة أسعار الشحن الجوي، ولا سيما من الهند، قد تبدأ في التأثير على أسعار الأدوية للمستهلكين خلال الإطار الزمني نفسه.
وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت في 5 مارس أن عمليات مركزها اللوجستي في دبي أصبحت متوقفة مؤقتا، ونتيجة لذلك، تعذر الوصول إلى إمدادات صحية إنسانية بقيمة 18 مليون دولار، بينما لم تتمكن شحنات أخرى بقيمة 8 ملايين دولار من الوصول إلى المركز، كما تأثر أكثر من 50 طلب إمداد طارئ موجه إلى 25 دولة.
تأثير على الهيليوم الطبي
تضيف الأزمة بعدا آخر يتعلق بالمدخلات الطبية غير الدوائية، وفي مقدمتها الهيليوم المستخدم في تبريد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، ووفقا لما أورده موقع "هيلث بيت"، فإن الهجوم الإيراني في 18 مارس على رأس لفان أدخل قدرا كبيرا من عدم اليقين إلى سوق الهيليوم العالمية، في وقت تعد فيه قطر ثاني أكبر منتج لهذا الغاز عالميا.
ورغم أن الأثر لا يظهر فوريا بسبب وجود مخزونات وفواصل زمنية طويلة نسبيا بين الإنتاج والتسليم وإعادة التعبئة، فإن استمرار القيود قد يؤدي إلى تشديد سوق يعاني أساسا من الهشاشة، خصوصا مع وجود نحو 50 ألف جهاز رنين مغناطيسي في العالم وإجراء أكثر من 95 مليون فحص سنويا.
في المقابل، اتجهت الشركات إلى تطوير مسارات بديلة لتجاوز الاختناقات، إذ أفادت رويترز بأن ممرات لوجستية برية وبحرية يجري توسيعها عبر جدة وصلالة وصحار وخورفكان، مع إعطاء أولوية لنقل السلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء.

