طهران تحت وطأة الحرب: العمالة تواجه مصيرا مجهولا
ملخص :
في مشهد يعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها ايران، يشتكي العمال من تدهور حاد في سوق العمل، وذلك في ظل تداعيات الحرب الاخيرة التي القت بظلالها على مختلف القطاعات، وباتت تهدد الاستقرار المعيشي للكثيرين. فبعد مرور اكثر من شهر على العمليات العسكرية الاخيرة، يجد العمال انفسهم في مواجهة مباشرة مع ازمة اقتصادية طاحنة.
وامام ورشة بناء متوقفة في طهران، يعبر ارشام، وهو عامل مياومة، عن قلقه العميق بشان مستقبله ومستقبل زملائه، مبينا ان المشاريع السكنية توقفت وتلقي الاجور تاخر، الامر الذي فاقم من معاناتهم. واضاف ارشام بصوت خفيض ان منذ بداية الحرب لم اتقاضى اجرا، وانه كان يعمل قبل الحرب خمسة ايام في الاسبوع على الاقل، اما اليوم فلا شيء.
وارشام ليس الوحيد الذي يعاني، بل هو واحد من بين الاف العمال اليوميين الذين يجدون انفسهم في الصفوف الامامية للازمة، حيث يتحملون العبء الاكبر من التداعيات الاقتصادية للحرب، وبين انهم قد يكونون اخر من سيشملهم اي تعاف اقتصادي.
تداعيات الحرب على سوق العمل
واوضح غلام حسين محمدي، مساعد وزير العمل الايراني، ان الحرب قضت على اكثر من مليون وظيفة حتى الان، فضلا عن مليوني وظيفة اخرى تبخرت بشكل مباشر وغير مباشر، مشيرا الى ان هذه الارقام تعكس حجم الدمار الذي لحق بسوق العمل جراء الحرب والظروف الاقتصادية التي سبقتها.
وبين الناشط العمالي حميد حاج اسماعيلي ان هناك فجوة شاسعة بين الارقام الرسمية للبطالة والواقع المعيش في الشارع الايراني، مؤكدا ان الارقام الرسمية لا تعكس الصورة الحقيقية لمعاناة العمال والباحثين عن العمل.
وفي تصريح تناقلته الصحافة الايرانية، يؤكد حاج اسماعيلي انه اذا احتسبنا العاملين في المنصات الرقمية والفضاء الافتراضي والسوق غير الرسمي، فان العدد الحقيقي للعاطلين يقفز الى ما بين ثلاثة واربعة ملايين شخص، لافتا الى ان هذا الرقم يعكس حجم الازمة التي تواجه سوق العمل في ايران.
التحول نحو العمل عبر تطبيقات النقل
وللوقوف على احوال عمال المياومة، زارت الجزيرة نت احد مقرات تجمعهم جنوبي طهران، واظهرت الزيارة ان واقع سوق العمل اليومي اصبح اشد قسوة، حيث يمرون باحلك الظروف، وان الحرب ضربت سوق العمل في الصميم بعد ان دمرت البنية التحتية الصناعية وتوقفت الاف المصانع عن الانتاج.
وفي حديث للجزيرة نت، يشير عبد الله الى تحول لافت يزيد من قتامة الصورة، قائلا مؤخرا، خاصة بعد وقف اطلاق النار، اعداد العمال الذين يبحثون عن عمل يومي في تزايد مستمر، مبينا ان الساحات التي كان يتجمع فيها العمال صباحا بحثا عن معيل لم تعد تتسع للعمال الجدد.
وردا على سؤال بشان الوجوه الجديدة التي انضمت الى طوابير العمال اليوميين، يقول كامران، وهو عامل يومي اخر، ان اصحاب الشهادات الجامعية والموظفين السابقين لا ياتون عادة الى هنا، ويشرح كامران ان هؤلاء يستخدمون سياراتهم الخاصة وينضمون للعمل في تطبيقات سيارات الاجرة على الانترنت الوطني.
قصص من قلب المعاناة
وللوقوف على صحة ما قاله كامران، انتقلنا الى ساحة نماز في طهران، حيث يوضح احد الموظفين الاداريين في هذا القطاع للجزيرة نت بالقول في شوارع طهران اليوم، يجلس خلف كل مقود سيارة اجرة عبر تطبيقات النقل قصة مهنية منكسرة؛ مدرس لغة فقد فصوله الدراسية ومهندس مدني جمدت مشاريعه وحرفي سرح بعد قصف ورشة عمله.
واضاف المتحدث نفسه انهم يتحولون الى سائقين صامتين، يحملون شهاداتهم في الادراج، ويطاردون الزبائن بحثا عن اجر يومي يحفظ ماء الوجه ويؤجل الانهيار المعيشي الكامل، مبينا ان هذا التحول يعكس حجم المعاناة التي يعيشها الكثير من الايرانيين.
ولمعاينة البنية الاجتماعية والمستوى التعليمي لسائقي تطبيقات النقل الذكي، قام مراسل الجزيرة نت بطلب رحلة عبر احد هذه التطبيقات، وما ان انطلقت الرحلة حتى بدا السائق بلكنته الطهرانية الواثقة في الحديث عن ايام ما قبل الانقطاع عن العالم الخارجي والقيود المفروضة على شبكة الانترنت.
النساء في مواجهة البطالة
وكشف السائق للجزيرة نت انه حاصل على شهادة الماجستير في تدريس اللغة الانجليزية، مضيفا انه كان يدير فصولا افتراضية لطلاب من داخل ايران وخارجها محققا دخلا يضعه في خانة الطبقة الوسطى الصاعدة، لكن منذ ان قطعت شبكة الانترنت قبل نحو اربعة اشهر تبخر كل ذلك بين ليلة وضحاها على حد قوله.
ومن هناك الى حي طهران نو شرقي العاصمة الايرانية، خرجت شهادات نسائية مثقلة بالوجع، لتكشف ان تكاليف الحرب لا تقتصر على الخراب المادي، بل تمتد الى تفكيك هشاشة اجتماعية كانت اساسا على حافة الانهيار.
وتقول حميرا للجزيرة نت ان نسبة كبيرة من فرص العمل المفقودة تركزت في اوساط النساء المعيلات لاسرهن، مما يعني دفعهن نحو هاوية البطالة، لافتة الى ان هذا الامر يضاعف من معاناتهن ويجعلهن اكثر عرضة للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
نداءات لاحتواء الأزمة
وتتقاطع هذه الشهادة الميدانية مع تصريحات صادرة عن زهراء بهروز اذر، معاونة الرئيس الايراني لشؤون النساء والاسرة، كشفت فيها النقاب عن ارقام رسمية تشخص حجم الكارثة التي تعاني منها النساء بهدوء، واعلنت المسؤولة الايرانية ان قرابة ثلث المسجلين في مظلة التامين الاجتماعي ضد البطالة هم من النساء، وهو رقم وصفته بـ اللافت قياسا على نسبة مشاركتهن في سوق العمل الرسمي مقارنة بالرجال.
وفي تطور يعكس عمق الازمة الناجمة عن الحرب الاخيرة على ايران، خرج العديد من المسؤولين الايرانيين لتوجيه نداءات مباشرة الى اصحاب العمل في محاولة لاحتواء موجة التسريح الجماعي.
وفي بيان صدر بمناسبة اليوم العالمي للعمال، دعا المرشد الاعلى اية الله مجتبى خامنئي الى خوض مواجهة اقتصادية واحباط مخططات اعداء الجمهورية الاسلامية، مؤكدا ان الوحدة والتكاتف هما السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

