الاستقرار الوهمي: كيف تُدار المالية السورية بمنطق "الفائض" بينما الاقتصاد ينزف؟
علا القارصلي
ملخص :
أشار المركز السوري لبحوث السياسات، إلى أن الخطاب المالي الرسمي في سوريا يشهد تحولًا استراتيجيًّا يتجاوز مجرد التلاعب بالأرقام المحاسبية، حيث انتقل من مرحلة تبرير تقليص الموارد وشح الإيرادات كذريعة لرفع الدعم الواسع، إلى مرحلة التباهي بتحقيق فوائض مالية استثنائية بوصفها إنجازًا إداريًّا يعكس الاستقرار، هذا التحول يسعى لتسويق حالة من الاستقرار الوهمي عبر تقديم موازنة عام 2025 كعلامة فارقة في جودة الإدارة الاقتصادية، إلا أن هذا الخطاب المتفائل يصطدم بواقع اقتصادي مرير تشير فيه التقديرات إلى أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي لم يتجاوز 3 بالألف، ما يعني أن الاقتصاد يعيش حالة ركود فعليًّا، وأن الفائض المزعوم لم يأتِ كثمرة لنمو إنتاجي حقيقي، بل جاء نتيجة ضغط الإنفاق العام الحقيقي وتآكل القوة الشرائية للمواطن، ما يجعل الفجوة بين الأهداف المعلنة لتحسين مستوى المعيشة والواقع المعاش تزداد اتساعًا بشكل ملحوظ، وهذا التباين الصارخ بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يستدعي تفكيكًا دقيقًا لمفهوم الفائض الذي تتحدث عنه السلطات المالية.
مفهوم الفائض المحاسبي الموجب
إن الفائض المالي المحقق في الميزانية السورية ليس دليلًا على تعافي القاعدة الإنتاجية أو جودة السياسة المالية، بل هو فائض محاسبيٌّ بامتياز، ينشأ بشكل أساسي من سياسات التقشف القسري واحتواء الإنفاق العام الحقيقي في بيئة تعاني من تآكل البنية التحتية، حيث تظهر الأرقام الصادمة لعام 2025 أن الإيرادات الفعلية بلغت 3.493 مليار دولار مقابل نفقات بلغت 3.447 مليار دولار، ما نتج عنه فائض ضئيل جدًّا لا يتجاوز 46 مليون دولار، ويتم تحقيق هذا التوازن الورقي عبر تقليص الدعم الاجتماعي وتحويله من أداة حماية إلى مصدر ريعي للدولة، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الفئات الهشة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع الدور التنموي للدولة في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد إلى إنفاق توسعي لإعادة الإعمار وتحفيز الطلب، وبذلك يصبح هذا الفائض المحاسبي الموجب وجهًا آخر للعجز التنموي العميق، إذ لا يمكن لسياسة مالية أن توصف بالنجاح إذا كانت تراكم الأرقام في الخزينة على حساب اتساع رقعة الفقر وضعف المؤسسات وتآكل رأس المال البشري، فهل ينعكس هذا المنطق المحاسبي الضيق على هيكلية الموازنات الطموحة المعلنة للمستقبل.
هيكلية موازنة 2026 الطموحة
تظهر الأرقام في نسخة المواطن لموازنة عام 2026 التي أصدرتها وزارة المالية السورية، توسعًا ظاهريًّا كبيرًا في حجم الإنفاق العام، حيث قدرت النفقات بنحو 10.516 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة تصل إلى 8.716 مليار دولار، ما يترك عجزًا مقدرًا بـ 1.799 مليار دولار، وعند تحليل بنية هذه الموازنة، نجد أن النفقات الجارية تستحوذ على حوالي 60% من إجمالي المخصصات، بينما يخصص للدعم الاجتماعي والضمان حوالي 13% فقط، وفي المقابل، تخصص نسبة 27% للاستثمارات العامة، وهي نسبة تظل متواضعة واسمِيَّة إذا ما قورنت بالاحتياجات الهائلة لترميم القطاعات الإنتاجية المدمرة، إن هذا التوسع في الأرقام الإجمالية يعكس زيادة في القيم الاسمية نتيجة تعدد أسعار الصرف والتضخم، أكثر مما يعكس زيادة فعليَّة في القدرة التنموية، خاصة وأن الموازنة تفتقر للشفافية في تفاصيل توزيعها القطاعي والمناطقي، ومن الأرقام الكلية للنفقات، يبرز التساؤل الجوهري حول مصادر تمويل هذه الطموحات ومدى عدالة النظام الضريبي القائم.
تحولات منطق الجباية المالية
لقد طرأ تغيير جوهري على مصادر الإيرادات العامة، حيث بات النظام المالي السوري يعتمد دائمًا على منطق جباية يميل إلى تحصيل الأموال من الفئات الأكثر استهلاكًا بدلاً من فرض ضرائب تصاعدية على الثروات والريوع الكبيرة، وحسب التحليلات المالية، فإن الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة باتت تشكل فعليًّا نصف الإيرادات المتوقعة، حيث ارتبط ما يقارب 70% من إيرادات عام 2025 بشكل مباشر أو غير مباشر بالاستهلاك والتجارة، وهذا يعكس توجهاً واضحاً نحو الطابع الرجعي للنظام المالي الذي يحمي أصحاب النفوذ والشركات الكبرى عبر تخفيض الضرائب التصاعدية، في حين يتم تحميل العبء الأكبر للمستهلك النهائي والمنتجين الصغار الذين يعانون أصلًا من ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية، إن هذا النمط لا يساهم في إعادة توزيع الثروة، بل يؤدي إلى تعميق التفاوت الاجتماعي وإضعاف القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة، ما يضع استدامة الصمود الاقتصادي للمواطن في مهب الريح.
انعكاسات السياسات على المواطن
حسب تحليل الخبراء، فإن الثمن الاجتماعي لهذا الفائض المحاسبي يظهر بوضوح في تآكل الدخل الحقيقي واتساع فجوة الفقر بشكل غير مسبوق، حيث أدت سياسات تحرير أسعار الطاقة والمشتقات النفطية إلى نقل العبء المالي مباشرة من ميزانية الدولة إلى ميزانية الأسرة السورية، إن تحويل عجز الدعم إلى فائض مالي في سجلات الحكومة لم يكن نتيجة لتحسن الكفاءة، بل كان نتيجة مباشرة لنقل العبء من الدولة إلى المواطن، ما تسبب في صدمات تضخمية أضعفت الطلب المحلي وعطلت تعافي القطاعات الصغيرة، وبذلك، فإن المواطن السوري يجد نفسه اليوم يدفع فاتورة الاستقرار المالي المزعوم عبر تقليص استهلاكه الأساسي، في ظل غياب سياسات حماية اجتماعية متماسكة تعوضه عن الارتفاع الجنوني في تكاليف الكهرباء والتدفئة والخبز، وهذا التدهور في الأوضاع المعيشية يترافق مع اختلالات عميقة في هيكلية الأجور الحكومية.
معضلة الأجور والتفاوت المناطقي
شهدت المرحلة الانتقالية سياسات رواتب أدت إلى خلق طبقات وظيفية داخل الجهاز الحكومي الواحد، حيث تزامنت الزيادات الاسمية مع خطوات لترسيخ الولاء عبر تعيينات محسوبية وتفكيك للبنى المؤسسية القائمة بطريقة تذكر بما حدث في النموذج العراقي بعد عام 2003، إن الزيادات التي أقرت لم تنجح في ردم الفجوة الكبيرة بين الأجور وخط الفقر، بل ساهمت في نشوء شبكات نفوذ داخل المؤسسات تحصل على تعويضات استثنائية تحت مسميات تقنية مثل جذب الكفاءات، هذا التمايز الأجري يخلق شعورًا بالظلم لدى الأغلبية العظمى من الموظفين الذين يتقاضون أجورًا زهيدة، كما يعمق التفاوت بين مناطق السيطرة المختلفة، حيث تشير البيانات إلى أن الفروقات بين الموظفين في مناطق السيطرة المختلفة قد تقلصت لكنها ظلت عند حدود 143% كفجوة قائمة، ما يحول الوظيفة العامة من فضاء للخدمة الوطنية إلى أداة لترسيخ الولاءات السياسية والمناطقية، وفي ظل هذا المشهد، تظل الأولويات الأمنية هي المحرك الأساسي لتوزيع الموارد.
أولويات الإنفاق والسيطرة الأمنية
أكد المركز السوري لبحوث السياسات، على أن تخصيص نحو ثلث الموازنة العامة، أي ما يقارب 4.353 مليار دولار، لقطاع الدفاع والأمن في بلد يعاني من دمار هائل يمثل مفارقة تنموية صارخة، إن طغيان منطق السيطرة على منطق التنمية والعدالة يعني استمرار توجيه الموارد المحدودة نحو الآلة العسكرية والأمنية على حساب قطاعات حيوية مثل الزراعة والصناعة والتعليم، هذا التوزيع يعكس رؤية السلطة التي تضع الحفاظ على الهياكل الأمنية فوق ضرورات التعافي الاقتصادي، ما يعيق أي محاولة حقيقية لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن توفر فرص عمل مستدامة، إن استمرار هذا التخصيص غير المتوازن يرسخ اقتصاد الحرب بصيغ جديدة ويمنع تحول المالية العامة إلى رافعة للسلام المجتمعي، خاصة مع تعقد المشهد المالي نتيجة التشظي وتعدد سلطات الجباية.
التشظي المالي والموازنات المتعددة
تعاني سوريا اليوم من واقع تعددية مالية وجبائية تفتقر إلى المركزية والشفافية، حيث تظهر بيانات هيئة المالية في الإدارة الذاتية لعام 2024 إيرادات فعلية بلغت 777 مليون دولار مقابل نفقات بلغت 790 مليون دولار، مع تخصيص 45% من هذا الإنفاق للقطاع العسكري، هذا التشظي يعني وجود قواعد مختلفة للرواتب والجباية والإنفاق، ما يؤدي إلى تفتيت المواطنة الاقتصادية وضعف آليات المساءلة المالية الشاملة، ففي مناطق الشمال والشرق، تعتمد السلطات المحلية على ريع النفط والجمارك لتمويل نفقات عسكرية وجارية مماثلة في منطقها للمركز، ما يجعل الاقتصاد السوري عبارة عن جزر مالية منفصلة تعمق التفاوتات المناطقية وتجعل من الصعب رسم سياسة اقتصادية كلية موحدة، إن غياب التنسيق المالي واستمرار الجبايات المحلية غير الرسمية يزيد من الأعباء على حركة السلع والأفراد، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى استدامة هذا الهيكل المالي المشظى في المدى الطويل.
استدامة الوضع المالي الراهن
لا يمكن للسياسات المالية القائمة حاليًا أن تحقق استقرارًا طويل الأمد مالم ترتبط بشكل فعلي بأهداف السلم والتنمية والعدالة الانتقالية، فالاعتماد المتزايد على الصناديق السيادية والخصخصة المتسارعة للأصول العامة في بيئة تفتقر للشفافية يحمل مخاطر كبيرة دائمًا، حيث تبرز رأسمالية المحاسيب كأكبر مهدد للاستدامة، خاصة مع تقارير رويترز التي كشفت عن سيطرة لجنة اقتصادية على أصول قيمتها 1.6 مليار دولار عبر تسويات غير شفافة مع رجال أعمال، ومن الملاحظ فعليًّا أن غياب الرقابة المستقلة على هذه التسويات المالية وعقود الامتياز النفطية يضعف الثقة بالدولة ويعيد إنتاج بنى التفاوت القديمة بأسلوب معاصر، وبناءً على ذلك، فإن الاستدامة المالية لا تقاس فقط بقدرة الدولة على تجنب الاقتراض، بل بمدى قدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد يضمن التوزيع العادل للموارد والفرص بين جميع السوريين دون تمييز.
البديل التنموي المطلوب
يتضح من العرض السابق أن المالية العامة السورية تمر بمرحلة انتقالية حرجة، حيث يتم استخدام لغة الأرقام والفوائض المحاسبية لتغطية عجز عميق في الدور التنموي والاجتماعي للدولة، إن النجاح الحقيقي للموازنة لا ينبغي أن يقاس بحجم الأرصدة المودعة في المصرف المركزي، بل بقدرتها على تقليص المظالم، وردم فجوة الأجور، وتحفيز الإنتاج المحلي الذي يحمي البلاد من التضخم والتبعية، إن البديل المطلوب يتمثل في استعادة الدولة التنموية التي تضع العدالة الاجتماعية في قلب سياساتها المالية، وذلك عبر اعتماد نظام ضريبي تصاعدي حقيقي، وإخضاع كافة الصناديق والامتيازات النفطية للرقابة المستقلة والشفافية الكاملة، يجب أن تتوقف المالية العامة عن كونها أداة للاستخراج والجباية من الفقراء، لتصبح وسيلة لتمويل السلام والعدالة وإعادة بناء المواطنة الاقتصادية التي تضمن لكل سوري الحق في العيش الكريم وتساهم في تقليص التفاوتات التي كانت وقودًا للنزاع.

