موافقة مشروطة تُبقي زمام القرار بيد الاحتلال.. تل أبيب تفتح الباب أمام "قوة الاستقرار" في غزة
ملخص :
صادق المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر الإسرائيلي، المعروف بـ "الكابينت"، مساء أمس الأحد، على السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية المنبثقة عن "مجلس السلام" إلى قطاع غزة، في خطوة تُعد الأبرز حتى الآن في مسار تفعيل بنود خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الرامية إلى وقف الحرب الإسرائيلية على القطاع، لكن هذه الموافقة، بحسب ما كشفه مسؤول رفيع في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جاءت مقيدة بشرطين أساسيين: رضا إسرائيلي مسبق، وتنسيق ميداني كامل مع جيش الاحتلال، بما يُبقي زمام القرار الفعلي في يد تل أبيب رغم الطابع الدولي المعلن للقوة.
وتمثل هذه القوة إحدى أربع منظومات أُريد لها أن تتولى إدارة شؤون غزة في المرحلة الانتقالية، وفقا لما تضمنته خطة ترامب لإنهاء "حرب الإبادة" التي ارتكبتها إسرائيل في القطاع، وهي الخطة التي حظيت بغطاء أممي رسمي عقب تبنّي مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2803 في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
عدد محدود ودول "صديقة".. من سيشارك في القوة الدولية؟
بحسب تصريحات المسؤول في ديوان نتنياهو، فإن حجم القوة الدولية المزمع إدخالها لا يتجاوز في هذه المرحلة نحو 200 عنصر فقط، سيتم استقدامهم من دول وصفها بـ "الصديقة" لإسرائيل، وفي سياق متصل، نقلت قناة "آي 24 نيوز" عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي أن أوغندا والمغرب تندرجان ضمن قائمة الدول المرشحة للمشاركة في هذا التشكيل.
ولم يقتصر الأمر على تحديد الحجم العددي، إذ أوضح المسؤول أن إسرائيل تحتفظ لنفسها بصلاحية انتقاء الدول المسموح لها بالانخراط في القوة، وأن هذا الانتقاء لن يشمل سوى الدول التي تجمعها بإسرائيل معاهدات سلام موقعة، وتمتنع في الوقت ذاته عن اتخاذ أي مواقف أو إجراءات معادية لإسرائيل أو لمسؤوليها داخل المحافل والمؤسسات الدولية، وبذلك، تضع تل أبيب معيارا سياسيا صارما لانتقاء الشركاء الدوليين، يتجاوز الطابع الفني أو الإنساني المعلن للمهمة.
الكلمة الفصل بيد إسرائيل.. آلية الموافقة على القوات
وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن صلاحية إقرار الدول المخوّلة بإرسال جنودها إلى غزة تبقى حكرا على إسرائيل وحدها، استنادا إلى قرار سبق أن اتخذه مجلس الوزراء الإسرائيلي في هذا الشأن، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ بيّن المسؤول ذاته أن دخول أي وحدة عسكرية دولية إلى أراضي غزة يستوجب موافقات منفصلة ومتتالية، تصدر عن رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والخارجية، وهو ما يجعل العملية برمّتها خاضعة لتدقيق سياسي وأمني مشدد من الجانب الإسرائيلي.
كما أكد أن هذه القوات ستؤدي مهامها بتنسيق تام مع الجيش الإسرائيلي في المناطق الممتدة خارج نطاق ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" داخل القطاع، لافتا إلى أن السماح بدخول "مجلس السلام" وقواته الدولية إلى غزة أمر منصوص عليه أصلا ضمن بنود خطة ترامب، وليس تنازلا إسرائيليا طارئا.
وفي موقف يحمل دلالات سياسية وميدانية بالغة الأهمية، شدد المسؤول الإسرائيلي على تمسك بلاده الكامل بالسيطرة على منطقة "الخط الأصفر"، مستبعدا أي انسحاب منها ما لم يتم نزع سلاح حركة حماس وتجريد القطاع بأكمله من ترسانته العسكرية بشكل تام وشامل، وبهذا التصريح، تضع إسرائيل شرطا مسبقا واضحا لأي تقدم لاحق في مسار الانسحاب، رابطة إياه مباشرة بمصير سلاح حماس.
نص الخطة الأميركية: قوة انتقالية بدعم عربي ودولي
وتنص خطة ترامب صراحة على أن الولايات المتحدة ستتولى، بالتعاون مع شركائها العرب والدوليين، إنشاء قوة استقرار دولية ذات طابع مؤقت، مهمتها الانتشار الفوري داخل قطاع غزة، بما يوفر مظلة أمنية انتقالية إلى حين استكمال الترتيبات الأمنية والإدارية الدائمة للقطاع.
وفي هذا السياق، أفادت "هيئة البث الإسرائيلية" بأن موافقة الكابينت على السماح بدخول قوة الاستقرار تعني، من الناحية العملية، منح الضوء الأخضر للشروع في إقامة مقر رئيسي لتمركز هذه القوة في محيط مدينة رفح جنوبي القطاع، لتكون بذلك نقطة الانطلاق الأولى لأي انتشار لاحق.
رفح.. نقطة انطلاق ضيقة بدل الخطة الأصلية الأوسع
في المقابل، كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، نقلا عن مصدر مطلع، أن دخول القوات الدولية سيقتصر فعليا على رقعة جغرافية محدودة وضيقة داخل رفح، بما يمثل تراجعا ملموسا عن الخطة الأصلية التي كانت تقضي بإدخال 500 جندي دولي، مقارنة بالعدد المعلن حاليا والذي لا يتجاوز 200 عنصر، وهذا التباين بين الأرقام الأصلية والمعلن عنها يعكس، بحسب مراقبين، وتيرة حذرة ومتدرجة تتحكم بها اعتبارات إسرائيلية أمنية وسياسية.
قاعدة عسكرية قيد الإنشاء قرب "كرم أبو سالم"
وفي مؤشر ميداني على جدية التحركات، بثت إذاعة الجيش الإسرائيلي مقطع فيديو يُظهر قاعدة عسكرية قيد الإنشاء في منطقة "غلاف غزة" الجنوبي، بالقرب من معبر "كرم أبو سالم"، تمهيدا لاستقبال عناصر القوة الدولية متعددة الجنسيات، وذكر مراسل الإذاعة أن المنشآت والمباني الخاصة بالقاعدة أُقيمت بالفعل في الموقع المحدد، وأن مركبات مخصصة لخدمة جنود هذه القوة قد وصلت فعليا إلى المكان.
ولفت المراسل إلى أن أعمال البناء والتجهيز مستمرة دون توقف، على الرغم من أن حركة حماس لم تُبدِ حتى تاريخه أي موافقة على نزع سلاحها، وهو الشرط الذي تصر عليه إسرائيل قبل أي انسحاب من "الخط الأصفر"، ما يعني أن الاستعدادات اللوجستية تمضي بمعزل عن التسوية النهائية لملف السلاح.
ملادينوف: التركيز على خريطة الطريق
من جانبه، رحب نيكولاي ملادينوف، رئيس "مجلس السلام" المعني بإدارة غزة، بالخطوة الإسرائيلية، مؤكدا أن الأولوية القصوى في المرحلة الراهنة تنصب على ضمان المضي قدما في تنفيذ "خطة غزة" المكونة من 20 نقطة، وفي مقدمتها تفعيل خريطة الطريق التي سبق أن قدّمها الوسطاء الدوليون والإقليميون.
وأوضح ملادينوف، في تدوينة نشرها عبر منصة "إكس"، أن موافقة إسرائيل على السماح بنشر قوات دولية تُعد ركيزة جوهرية ضمن الإطار المتفق عليه لإرساء الاستقرار في غزة، ودعم مسار نزع السلاح، وتمهيد الطريق أمام انتقال سلس للإدارة إلى سلطة فلسطينية انتقالية فاعلة، تعمل تحت مظلة اللجنة الوطنية المنوط بها إدارة شؤون القطاع.
مناطق سكنية جديدة ودخول تدريجي للتكنوقراط الفلسطينيين
وبحسب ما كشفته "هآرتس"، فإن قرار الكابينت لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يتضمن أيضا الموافقة على إقامة منطقتين سكنيتين جديدتين، بسعة استيعابية تصل إلى عشرات الآلاف من السكان، مبينة أنه سيُسمح لأعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية بالدخول إلى القطاع بصورة تدريجية ومحدودة، على أن يمارسوا مهامهم داخل ما يُطلق عليه "المنطقة البرتقالية"، وهي الرقعة الفاصلة بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي والأراضي التي لا تزال خاضعة لسيطرة حركة حماس.
شرطة بلا سلاح ناري.. "هراوات" و"صعق كهربائي" فقط
وفي تفصيل لافت يعكس محدودية الصلاحيات الممنوحة للجهاز الأمني الفلسطيني الجديد، أوضحت "هآرتس" أنه سيُسمح لبضع مئات فقط من عناصر الشرطة التابعين للجنة التكنوقراط بالعمل داخل "المنطقة البرتقالية"، مشيرة إلى أن هؤلاء العناصر يتلقون حاليا تدريباتهم في مصر، في وقت ترفض فيه إسرائيل السماح لآلاف من عناصر الشرطة الفلسطينية الآخرين في غزة بمغادرة القطاع لتلقي تدريبات مماثلة على الأراضي المصرية.
وأكدت الصحيفة الإسرائيلية أن عناصر هذه الشرطة لن تُزوَّد بأسلحة نارية على الإطلاق، بل ستقتصر تجهيزاتها على "هراوات مطاطية" وأجهزة صعق كهربائي، في مؤشر واضح على حرص إسرائيل على إبقاء أي تشكيل أمني فلسطيني جديد منزوع القدرة الفعلية على المواجهة المسلحة.
الشرطة الفلسطينية.. حل أمني طويل الأمد بإشراف إقليمي
ووفق ما تنص عليه خطة ترامب، فإن القوات الدولية ستتولى مسؤولية تدريب ودعم قوات الشرطة الفلسطينية العاملة في غزة، على أن يجري ذلك بالتشاور مع كل من الأردن ومصر، بوصفهما دولتين تمتلكان خبرة تراكمية واسعة في هذا المجال، وتنظر الخطة إلى هذه القوة الشرطية باعتبارها الحل الأمني الداخلي المعتمد على المدى الطويل لإدارة الأوضاع داخل القطاع.
تأمين الحدود ومنع تهريب السلاح
وتمضي الخطة الأميركية إلى ما هو أبعد من الترتيبات الداخلية، إذ تقضي بأن تعمل القوات متعددة الجنسيات جنبا إلى جنب مع كل من إسرائيل ومصر، بغية المساعدة في تأمين المناطق الحدودية المحيطة بالقطاع، وذلك بالتعاون مع قوات الشرطة الفلسطينية المدرَّبة حديثا، وتولي الخطة أهمية قصوى لمنع تسرب الذخائر والأسلحة إلى داخل غزة، في مقابل الحرص على تسهيل تدفق البضائع والمساعدات بصورة سريعة وآمنة عبر المعابر.
تكشف هذه التطورات مجتمعة أن الموافقة الإسرائيلية على إدخال قوة الاستقرار الدولية، وإن بدت خطوة إيجابية على الورق باتجاه تفعيل خطة ترامب، إلا أنها تبقى محكومة بمنظومة قيود وشروط إسرائيلية صارمة، سواء من حيث حجم القوة ومصدرها، أو نطاق انتشارها الجغرافي، أو ربطها المباشر بملف نزع سلاح حماس، وهو ما يجعل مسار "الاستقرار" في غزة رهينا، إلى حد بعيد، بحسابات الأمن الإسرائيلي أكثر من كونه استحقاقا دوليا مستقلا.

