مهرجان عمّان السينمائي الدولي: منظومة سينمائية مستدامة في الأردن
كتب - شهد القعطبي
ملخص :
قبل ميلاد مهرجان عمّان السينمائي الدولي، تلخّصت علاقة الأردن بالسينما باعتباره موقع تصوير خلّاب لأفلام الصحراء العربية والخيال العلمي، ولكن مع ترشيح الفيلم الأردني "ذيب" لجائزة الأوسكار عام 2016، وجد الأردن نفسه على الخريطة السينمائية الدوليّة للمرة الأولى كمنبع للقصة، وعلى الرغم من عدم فوز الفيلم بالجائزة، إلا أن هذا الترشيح أضاء على حقيقة أهم بكثير، الأردن يمتلك قصص تستحق أن تروى، ويقدمها بجودة تليق بالمنافسة على مستوى العالم.
انطلاقة المهرجان كحاضنة للسينما الأردنية
انطلق المهرجان بدورته الأولى عام 2020 كمشروع منبثق عن الهيئة الملكية للأفلام، وذلك ضمن ظروف استثنائية مع جائحة كورونا قدّم فيها حلولاً مبتكرة لتحديات المرحلة كسينما السيارات الأولى من نوعها في المنطقة، وجاء هذا الإصرار منبثقًا عن رؤية سمو الأميرة ريم العلي رئيسة المهرجان، بتقديم حاضنة للمواهب الأردنية والعربية الصاعدة وإيصال قصصها إلى العالم.
يحمل المهرجان خصوصية بسبب التركيز على الأعمال السينمائية الأولى لصنّاعها، كحلقة وصل بين صناع الأفلام المبتدئين وشبكة واسعة من المنتجين وذوي الخبرة في المجال، وهو ما افقترته المملكة بشكل واضح في السابق، إذ تتنافس هذه الأعمال ضمن 4 فئات: أفضل فيلم عربي روائي طويل، وأفضل فيلم عربي وثائقي طويل، وأفضل فيلم غير عربي لمخرج في عمله الأول، كما يختار الجمهور فيلمه المفضل ضمن الفئات الأربعة السابقة.
بالإضافة إلى القسم المهني التّابع للمهرجان تحت عنوان " أيام عمّان لصنّاع الأفلام"، الّتي يُقدّم فيها مجموعة من الورشات والجلسات المتخصصة في كافة الأقسام السينمائية، من الكتابة حتى المونتاج وتصحيح الألوان، من قبل أبرزالاسماء في الصناعة على مستوى العالم، ولاسيّما منصات تقديم المشاريع، ولقاءات للتواصل والتشبيك، موزّعة على أيام المهرجان كاملاً.
كما قدمت الدورة الأولى نقطة انطلاق لمواهب سينمائية متميزة، أبرزها المخرجة الأردنية مي الغوطي التي حازت على جائزة السوسنة السوداء لأفضل فيلم قصير عن فيلمها "هدى"، وحصلت على جائزة نقدية قدرها 5 الاف دولار أمريكي، إذ بدأت الغوطي مسيرتها في مختبر كتّاب السيناريو "راوي"، أحد مشاريع الهيئة الملكية للأفلام لتطوير السيناريوهات، وبعدها بعامين فقط أخرجت فيلمها الثاني "أهازيج" الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وتم اختياره ضمن عروض مهرجان تورونتو للأفلام العربية، بل ونال جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان هوليوود للسينما العربية.
مساحة تداخل إبداعي من حول العالم
شهدت عمّان في العام الماضي حضور أكثر من 130 ضيف دولي من صناع الأفلام من حول العالم في المهرجان، ولا يتم اختيار الضيوف بشكل عشوائي، بل يحتضن المهرجان نخبة من السينمائيين كل عام لتقديم قيمة حقيقية أثناء الورشات المتخصصة، ومساحات التشبيك مع صناع الأفلام المبتدئين.
يظهر هذا التنوع في جميع الدورات بلا استثناء، ابتداءً من مشاركة الممثل المصري خالد عبد الله، الذي شارك في الفيلم الوثائقي "المربع" حول الثورة المصرية عام 2011 وحصل على ترشيح لجائزة الأوسكار، إذ يمتلك مسيرة طويلة كناشط حقوق إنسان إلى جانب خبراته السينمائية ، بالإضافة إلى الممثلة والمنتجة التونسية هند صبري صاحية الرصيد الحافل في السينما المصرية، و دخلت مؤخرًا خط الإنتاج على منصة (Netflix) لمسلسل "البحث عن علا" حول تحديات النساء العربيات ما بعد الانفصال.
كما يوسّع المهرجان رقعة التنوع باستقطاب كفاءات من شرق آسيا كالمخرج الفلبيني (Brillante Mendoz)، الذّي يقدم في أفلامه لوحة فنية مؤلمة حول واقع الفقر المدقع ومآلاته في المجتمع الفلبيني، ليصبح الفلبيني الوحيد صاحب جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي، واضعا بلاده على خريطة السينما الدولية.
تراكُم هذا الزخم على مدار السنوات السبع لعمل المهرجان خلق بيئة سينمائية صاعدة في الأردن، قائمة على تطوير الصناعة إبداعيًّا وتقنيًّا بإرشاد من أقوى الخبرات في العالم، مع الحفاظ على أصالة الشعور في القصة الأردنية والعربية على حدّ سواء.
المهرجان كرافد مادي وإبداعي في الصناعة
قدّم المهرجان في دورته الأولى جوائز نقدية بلغ مجموعها 68,500 دولار موزعة على 6 جوائز، منها جوائز لأفلام ما زالت قيد التطوير والعمل، وتنوعت صيغة الجائزة نفسها ما بين التمويل وتقديم خدمات فنية وتقنية للعمل السينمائي من قبل شركاء المهرجان حتى إطلاقه، كشركات التوزيع الفني، وشركات معدات التصوير، وخدمات المونتاج والتحرير الصوتي.
يعد فيلم "Six 2 One" أحد قصص نجاح هذا النموذج في الجوائز، إذ حصل على جائزة ضمن فئة الأفلام قيد التطوير في الدورة الماضية، مع تمويل من صندوق الأردن لدعم الأفلام، و يستعرض الفيلم مسار 4 شبّان خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كما يتوقّع أن يبدأ تصويره في أواخر عام 2026، ويؤكّد مخرجه تامر نابر أنّ الفيلم لا يهدف إلى تقديم أبطال مثاليين داخل ملحمة تاريخية، بل أشخاص يحملون تناقض بشري واقعي، ويختارون الإيمان على الخوف باستمرار كوسيلة للنجاة.
حصلت السينما الأردنية على نصيب كبير من هذه الفرص، أبرزها قصة فيلم " إن شاء الله ولد" للمخرج الأردني أمجد الرّشيد، الذي حصل على تمويل مشترك من جهات سينمائية دولية عدّة في مقدمتها صندوق الأردن لدعم الأفلام، ليحصد 40 جائزة على مستوى العالم بعد عرضة في 140 دولة، إذ تدور قصة الفيلم حول معاناة أرملة أردنية في الحصول على حقها في الميراث داخل مجتمع ذكوري متشدّد، ويعد هذا الفيلم أول عمل أردني يحظى بعرضه الأول في مهرجان كان السينمائي الدولي وينافس فيه.
ويقدّم هذا الفيلم نموذجًا لتحقيق الرسالة الأسمى من وجود المهرجان، عمل سينمائي أردني بدعم من صندوق الأفلام ينافس على مستوى العالم، ليعود مخرجه في الدورة الحالية ضيفًا محمّلاً بتجربة سينمائية استثنائية يشاركها مع صناع الأفلام الميتدئين، ثمّ ينطلق منهم مخرج متميّز جديد ويعيد الكرّة مرة أخرى، إشارة إلى المنظومة السينمائية المتكاملة في البلاد، بدءًا من استقطاب الهيئة المليكة لأصحاب المواهب، وإدراجهم في مختبرات تطوير الأفلام، إلى المنافسة في المهرجان على التمويل وتبادل الخبرات مع عمالقة السينما في العالم، ومن ثم انطلاقة دولية تثري الفنّان والتجربة السينمائية الأردنية ككل.
صعود السينما كعمود اقتصادي في الأردن
لا يمكن إنكار المردود الاقتصادي الهائل الناتج عن تصوير أفلام عالمية في الأردن، خصوصًا ضمن فئة الخيال العلمي وأفلام الأبطال الخارقين، إذ يشير تقرير الهيئة الملكية للأفلام لعام 2023 أنّ الإنتاجات الدولية - خصوصا في وادي رم والبتراء- ضخَت ما يفوق 500 مليون دولار أمريكي في الاقتصاد الأردني ما بين عامي 2017 و 2023.
وعلى الرغم من أهمية ذلك، إلّا أنّ صعود السرد السينمائي في الأردن كمصدر للقصة تحت إشراف المهرجان حقق إضافة نوعية لهذه الأرقام، إذ ازدادت نسبة الأفلام الأردنية المصورة في هذه المواقع، مما خلق أكثر من 133,000 فرصة عمل في المجال للأردنيين، بالإضافة إلى الأعمال ذات الإنتاج المشترك بين الأردن ودول أخرى.
تنطلق الدورة الحالية للمهرجان في السادس والعشرين من يوليو، مع إطلاق حاضنة جديدة للأفلام القصيرة بحضور ثُلّة من المشاركات الدّوليّة، لتستكمل فصلاً جديدًا من جكاية مهرجان عمّان السينمائي الدولي، منارةً للقصًة، والشعور، والإنسان، من قلب الأردن إلى العالم.

