مرضى السرطان في غزة يموتون بمعدل أعلى.. لماذا أصبح العلاج مرتبطًا بالخروج من القطاع؟
أطباء يقولون إن وفيات مرضى السرطان ارتفعت إلى ضعفين أو ثلاثة مقارنة بما قبل الحرب، بينما ينتظر نحو 5 آلاف مريض سرطان فرصة العلاج خارج غزة.
ملخص :
خُلود لا تنتظر دواء فقط.. تنتظر بابًا يُفتح
خُلود أبو صمود تبلغ 33 عامًا وهي أم لطفلين، تعاني سرطان المبيض في مرحلة متقدمة. تقول إنها تنتظر منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي السماح لها بالخروج من غزة للعلاج في مصر أو دولة أخرى. خلال فترة الانتظار، تقول إن السرطان انتشر إلى الرئتين والعظام. قالت لـReuters: "كل يوم يتقدم مرضي، وحالتي مأساوية... أنا فقط أنتظر أن أموت."
قابلتها Reuters وهي تعيش مع طفليها في مدرسة تابعة للأونروا تحولت إلى مأوى في خان يونس. قصتها لا تثبت وحدها وجود أزمة صحية كاملة، لكن الأرقام حولها تفعل.
ماذا حدث لعلاج السرطان داخل غزة؟
قبل الحرب كان مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني المركز المتخصص الرئيسي لعلاج مرضى السرطان في القطاع. في مارس/آذار 2025، دمرت القوات الإسرائيلية المبنى بعملية تفجير مسيطر عليها. إسرائيل قالت إن قواتها عثرت على نفق تستخدمه حماس تحت المستشفى.
لكن ما فُقد لم يكن المبنى فقط. تقول Reuters إن من بين من قتلتهم إسرائيل خلال الحرب عشرات المتخصصين المؤهلين تأهيلًا عاليًا، من بينهم أطباء أورام كانوا يعملون في مستشفى الصداقة نفسه قبل هدمه. هذا يعني أن استعادة القدرة على علاج السرطان في غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء مبنى، بل إلى إعادة بناء فريق طبي متخصص فقد جزءًا كبيرًا منه.
منذ ذلك الوقت أصبح الوصول إلى العلاج الكيميائي والخدمات المتقدمة أكثر محدودية، وسط دمار واسع في النظام الصحي ونقص في المعدات والمواد الطبية. دراسة منشورة عبر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية وثقت أن تضرر المستشفى ترك فجوة كبيرة، خصوصًا لمرضى أورام الأطفال الذين أصبحوا أكثر اعتمادًا على العلاج خارج غزة.
تقول Reuters إن الأطباء يقدرون عدد المصابين بالسرطان في غزة حاليًا بنحو 17 ألفًا، لكن الرقم نفسه يحتاج إلى تفسير: نحو 11 ألف مريض كانوا مسجلين قبل الحرب، بينما يقدر أطباء وجود حالات إضافية منذ ذلك الوقت، بعدما تعطلت منظومة التسجيل المنتظم. إذن رقم 17 ألفًا تقدير، لا تعداد مكتمل.
لماذا لا يُعالجون في مستشفيات أخرى داخل القطاع؟
لأن علاج السرطان ليس دواءً واحدًا يمكن نقله إلى أي عيادة؛ يحتاج بحسب نوع المرض إلى منظومة كاملة تشمل فحوصًا مخبرية وصورًا متقدمة وخزعات وتحاليل أنسجة وجراحة أورام وأدوية كيماوية وأحيانًا علاجًا إشعاعيًا، إضافة إلى متخصصين يتابعون الاستجابة وسلسلة إمداد تحفظ الأدوية في ظروف دقيقة.
مع انهيار أجزاء واسعة من النظام الصحي، يقول أطباء تحدثوا إلى Reuters إن المنشآت المتبقية تفتقد ما يصل إلى 70% من بعض الإمدادات الطبية الأساسية، بما فيها احتياجات مرتبطة بالتشخيص وعلاج السرطان. الأزمة إذن ليست مجرد غياب دواء واحد؛ إنها انهيار سلسلة العلاج كاملة، مع فقدان الخبرة البشرية التي كانت تدير تلك السلسلة.
وهنا يصبح السفر جزءًا من العلاج
عندما لا توجد الخدمة داخل غزة، الحل الطبي الطبيعي هو تحويل المريض إلى مستشفى خارجها. هذه ليست آلية جديدة؛ حتى قبل الحرب كان بعض مرضى غزة يحتاجون إلى العلاج في الضفة الغربية والقدس الشرقية وإسرائيل والأردن أو دول أخرى، وكان الخروج يتطلب إجراءات وتصاريح.
لكن حجم الحاجة الآن أكبر بكثير. في يناير/كانون الثاني، قالت مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن أكثر من 18,500 شخص كانوا يحتاجون بصورة عاجلة إلى إجلاء طبي للعلاج غير المتوفر داخل القطاع، بينهم نحو 4,000 طفل. كما قالت وزارة الصحة في غزة وقتها إن نحو 4,000 مريض سرطان كانوا على قوائم حرجة للإجلاء. الرقم الحالي الذي نقله مسؤولون صحيون فلسطينيون لـReuters أصبح نحو 20 ألف مريض بانتظار العلاج في الخارج، بينهم 5 آلاف مصاب بالسرطان.
إسرائيل تقول إنها لا تمنع الإجلاء الطبي
هنا توجد روايتان يجب عرضهما معًا. أطباء ومسؤولون فلسطينيون يقولون إن القيود الإسرائيلية على المغادرة تجعل عددًا كبيرًا من المرضى عاجزين عن الوصول إلى العلاج. أما هيئة تنسيق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية في الأراضي، المسؤولة عن تنسيق الوصول إلى غزة، فتقول إن إسرائيل لا تقيد عمليات الإجلاء الطبي بهذه الصورة، وإن خروج المريض يعتمد على وجود طلب رسمي من دولة مستقبلة وإتمام الفحص الأمني المطلوب. وتقول إن نحو 5,800 شخص بحاجة إلى علاج خرجوا إلى مصر منذ إعادة فتح معبر رفح بصورة محدودة في فبراير/شباط.
لكن Reuters تضيف تفصيلًا يوضح طبيعة الخلاف بدقة أكبر: الجيش الإسرائيلي يفرض سقفًا صارمًا على عدد العابرين يوميًا إلى مصر، رغم أن اتفاق الهدنة الموقع بين إسرائيل وحماس عام 2025 ينص على حرية الحركة دخولًا وخروجًا. أي أن جزءًا من الخلاف ليس فقط حول تفسير الإجراءات الأمنية، بل حول ما إذا كان التطبيق الفعلي يتوافق مع نص اتفاق موقّع.
حتى لو أخذنا رقم 5,800 كما هو، لا تزال قوائم الانتظار الحالية تضم عشرات الآلاف من المرضى وفق المسؤولين الصحيين الفلسطينيين. إذن الخلاف ليس حول وجود عمليات إجلاء من عدمه؛ الإجلاء يحدث، والسؤال هو هل يحدث بالحجم والسرعة اللذين تتطلبهما الحالات الطبية؟
لماذا السرطان تحديدًا لا يتحمل نظام انتظار طويلًا؟
لأن السرطان لا يبقى ثابتًا بينما ينتظر المريض. في بعض الأنواع، تأخير التشخيص قد يعني اكتشاف المرض بعد انتقاله إلى أعضاء أخرى، وفي العلاج الكيميائي تعطيل الدورة العلاجية يمكن أن يقلل من فعاليتها، والجراحة التي تكون ممكنة في مرحلة مبكرة قد تصبح أكثر تعقيدًا لاحقًا. هذا هو سبب استخدام الأطباء تعبير "سباق مع الوقت" في وصف الحالات الحالية.
مدير مجمع الشفاء محمد أبو سلمية قال إن المستشفى يسجل حاليًا ثلاث إلى خمس وفيات يوميًا بين مرضى السرطان بسبب عدم حصول المرضى على العلاج اللازم، بينما قال صبحي سكيك، الذي كان يدير مستشفى الصداقة، إن المعدل قبل الحرب كان نحو حالة إلى حالتين يوميًا. يجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها تقديرات سريرية محلية، لا دراسة إحصائية كاملة تقارن مجموعتين متطابقتين قبل الحرب وبعدها — لكنها ليست تصريحًا معزولًا أيضًا؛ الرقم نفسه ورد من الطبيب نفسه في تقارير سابقة على مدى أسابيع، ما يشير إلى استقرار نسبي في وصفه لحجم الأزمة كما يراها يوميًا.
هناك مرضى قد لا يعرفون أصلًا أنهم مصابون
عندما تنهار الفحوص والتشخيص المبكر، لا يتأخر علاج المرضى المعروفين فقط؛ يتأخر اكتشاف المرض نفسه. سكيك قال لـReuters إن بعض الأشخاص قد يكونون مرضى داخل مخيمات النزوح ولا يعرفون ذلك، بسبب غياب الفحوص والمساعدة اللازمة. هذا يعني أن العدد المسجل حاليًا قد لا يقدم صورة كاملة لحجم المرض، ولهذا يجب تجنب تحويل تقدير الـ17 ألف حالة إلى رقم نهائي.
وهل الحرب نفسها تسببت في سرطانات جديدة؟
هناك مخاوف، لكن لا يوجد حتى الآن ما يسمح بإثبات علاقة سببية محددة. طبيب تحدث إلى Reuters قال إن التعرض لمواد سامة ناتجة عن الذخائر والدمار قد يكون عاملًا في زيادة الحالات. لكن إثبات أن مادة محددة أدت إلى ارتفاع حالات سرطان خلال فترة زمنية قصيرة يحتاج إلى بيانات تعرض وسجلات طبية ومقارنة معدلات إصابة ودراسات وبائية طويلة، وهو ما لا توفره المعلومات الحالية.
لذلك لا تكتب SATR أن القصف تسبب بارتفاع السرطان. الصحيح حاليًا هو أن هناك مخاوف طبية تحتاج إلى بحث، بينما المشكلة المثبتة بوضوح أكبر هي تراجع الوصول إلى التشخيص والعلاج.
الأزمة لا تخص السرطان وحده
في يناير/كانون الثاني قالت الأمم المتحدة إن 1,268 مريضًا أفادت وزارة الصحة في غزة بأنهم توفوا أثناء انتظار الخروج لتلقي علاج عاجل منذ بداية الأزمة. الرقم فلسطيني المصدر، لكنه ورد ضمن تحديث رسمي لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. القوائم تشمل أيضًا أطفالًا يحتاجون لجراحات ومرضى قلب وحالات كلى وإصابات معقدة وأمراضًا تحتاج خدمات لا يمكن تقديمها حاليًا داخل القطاع.
هذا يجعل الإجلاء الطبي ليس ملفًا جانبيًا داخل الحرب؛ هو جزء من قدرة النظام الصحي نفسه على إبقاء الناس أحياء.
لماذا الضفة الغربية والقدس الشرقية مهمتان في هذا النقاش؟
لأن المسافة جزء من العلاج أيضًا. في يناير رحبت منظمة الصحة العالمية بالسماح لمريض واحد بالسفر من غزة إلى الضفة الغربية للعلاج، وكانت هذه أول حالة من هذا النوع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. قالت المنظمة إن إعادة فتح هذا المسار على نطاق أوسع، بما يشمل القدس الشرقية، ستكون أسرع وأقل تكلفة من إرسال المرضى إلى دول بعيدة.
هذا يضيف طبقة مهمة إلى سؤال الإجلاء: ليست القضية فقط كم مريضًا يخرج، بل إلى أين يستطيع أن يخرج. كلما كان المستشفى أبعد، زادت الحاجة إلى دولة مستقبلة ونقل وإقامة ومرافقين وتمويل.
وماذا عن الأردن؟
الأردن جزء فعلي من منظومة الإجلاء الطبي. في يناير وحده، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عمليتين نسقتهما منظمة الصحة العالمية نقلتا 45 مريضًا من غزة إلى الأردن مع عشرات المرافقين. كما وثقت أبحاث منشورة عبر المنظمة تجربة أطفال من غزة تلقوا علاج السرطان في مركز الحسين للسرطان في الأردن، وما يرافق العلاج خارج الوطن من أعباء نفسية واجتماعية على الأطفال وعائلاتهم.
الإجلاء لا ينتهي لحظة خروج الشخص من غزة؛ تبدأ بعدها أسئلة العلاج والسكن والمرافقين والتمويل والانفصال عن بقية العائلة.
ما الذي تغير مقارنة ببداية الحرب؟
في البداية كان السؤال الأساسي هل يبقى المستشفى واقفًا، ثم هل يدخل الدواء. الآن، بعد سنوات من الحرب وتدمير أو تعطل جزء كبير من القدرات المتخصصة ومقتل عدد من الأطباء المتخصصين أنفسهم، أصبحت هناك مشكلة أعمق: بعض أنواع العلاج لم تعد موجودة محليًا أصلًا، لا بسبب نقص المعدات فقط بل بسبب فقدان من كان يعرف كيف يستخدمها.
ولهذا أصبح حق المريض في الحركة جزءًا مباشرًا من فرصته الطبية. في السرطان، الحدود ليست فقط قضية سياسية عندما يكون العلاج موجودًا على الجهة الأخرى منها؛ قد تصبح جزءًا من المسار العلاجي نفسه.
ماذا لا نعرف بعد؟
لا توجد قاعدة بيانات مستقلة ومحدثة تسمح بتأكيد أن معدل وفيات مرضى السرطان في غزة ارتفع بدقة إلى ثلاثة أضعاف؛ الأرقام الحالية تأتي من أطباء يعملون داخل النظام الصحي المتضرر. كما لا نعرف العدد الحقيقي للحالات الجديدة منذ الحرب، لأن التسجيل والفحوص تعطلا، ولا توجد بيانات معلنة تفصل بشكل كامل أسباب رفض أو تأخير كل حالة إجلاء طبي. ولا نعرف كم شخصًا من قائمة الـ20 ألفًا لديه بالفعل دولة مستقبلة جاهزة وكم شخصًا ما يزال ينتظر ترتيبات أخرى.
لذلك يجب مقاومة تحويل قصة معقدة إلى عبارة واحدة من نوع "إسرائيل تمنع 20 ألف مريض من السفر". الرقم يعبر عن قائمة انتظار للعلاج في الخارج؛ آلية التأخير تضم الموافقات الإسرائيلية ومتطلبات الدول المستقبلة والقدرات اللوجستية معًا، مع خلاف واضح بين الجانبين حول المسؤولية عن بطء العملية وحول مدى التزام إسرائيل بنص اتفاق الهدنة نفسه.
ماذا يحدث بعد ذلك؟
أهم مؤشر يجب مراقبته ليس بيانًا سياسيًا؛ إنه عدد المرضى الذين يغادرون كل يوم مقارنة بعدد من يدخلون قائمة الانتظار. إذا كان عدد الحالات المحتاجة للعلاج الخارجي ينمو أسرع من الإجلاء، فستستمر الأزمة حتى مع خروج مئات الأشخاص. المؤشر الثاني هو ما إذا كان سيُعاد فتح مسار منتظم إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس الشرقية. الثالث هو دخول أدوية السرطان والفحوص والمعدات بكميات تسمح بإعادة جزء أكبر من العلاج داخل غزة. والرابع هو بناء قدرة متخصصة جديدة لعلاج الأورام داخل القطاع، بما يشمل تدريب كوادر جديدة تعوض من فُقد منهم.
لأن الإجلاء يستطيع إنقاذ أشخاص، لكنه لا يستطيع أن يكون البديل الدائم لنظام صحي يعالج مجتمعًا كاملًا.

