الحرب على إيران.. هل أفضت المواجهة إلى تعزيز نفوذ طهران بدلاً من إضعافها؟
ملخص :
يرى تحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران خلال الأشهر الماضية لم تنجح في تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي رُفعت عند انطلاقها، بل أسهمت في إنتاج واقع سياسي وأمني جديد منح طهران هامشاً أوسع للمناورة وعزز من توجهاتها المتشددة في الملفات الإقليمية والنووية.
وبحسب التحليل، تمثلت الأهداف الأساسية للحملة العسكرية في إضعاف النظام الإيراني أو دفعه نحو تحولات سياسية داخلية تقلص من قدرته على الاستمرار، إلى جانب القضاء على القدرات النووية الإيرانية ومنع طهران من مواصلة تطوير برنامجها النووي، غير أن مجريات الحرب ونتائجها الميدانية والسياسية أظهرت مساراً مختلفاً عن تلك التقديرات.
صعود المؤسسة العسكرية داخل هرم السلطة
ويقول التقرير إن النظام الإيراني لم ينجُ من الضغوط العسكرية فحسب، بل شهد إعادة ترتيب لموازين القوى داخله، أفضت إلى تعزيز موقع المؤسسة العسكرية والأمنية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، على حساب النخب الدينية التقليدية التي ظلت لعقود تمثل الركيزة الأساسية لبنية الحكم، مشيرا إلى أن هذا التحول أوجد قيادة أكثر ارتباطاً بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، وأكثر ميلاً إلى تبني سياسات تقوم على الردع والصمود، الأمر الذي انعكس على طريقة تعامل طهران مع التحديات الخارجية ومع ملفها النووي على وجه الخصوص.
البرنامج النووي من ورقة تفاوض إلى ضمانة أمنية
ويؤكد التقرير أن الحرب لم تدفع إيران إلى التراجع عن طموحاتها النووية، بل عززت قناعة دوائر صنع القرار بضرورة الحفاظ على القدرات النووية باعتبارها إحدى أهم أدوات حماية الأمن القومي ومنع تكرار أي هجوم واسع النطاق مستقبلاً، وبدلاً من النظر إلى البرنامج النووي بوصفه عبئاً سياسياً يمكن التخلي عنه مقابل تسويات دولية، بات يُنظر إليه داخل أوساط القيادة الإيرانية الجديدة كعنصر ردع إستراتيجي يوفر مظلة أمنية للدولة ويعزز قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
مؤشرات على مسار تفاوضي جديد
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه الاتصالات السياسية بين طهران وواشنطن لاحتواء تداعيات الحرب وفتح مسار دبلوماسي جديد، وتشير المعطيات، وفق التقرير، إلى اقتراب الجانبين من التوصل إلى مذكرة تفاهم أولية قد تمهد لإطلاق مفاوضات تمتد لنحو ستين يوماً، بهدف بحث الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني ومستقبل التوازنات الأمنية في الخليج ودور إيران في مضيق هرمز.
ويرى التحليل أن إيران تدخل أي جولة تفاوضية محتملة وهي في موقع أكثر ثقة مقارنة بما كان متوقعاً قبل الحرب، بعدما تمكنت من الحفاظ على أجزاء مهمة من بنيتها العسكرية ومنشآتها النووية وخبراتها التقنية، فضلاً عن نجاح مؤسساتها الأمنية في احتواء التحديات الداخلية ومنع انزلاق البلاد نحو الفوضى أو الانهيار السياسي.
قيادة أكثر استعداداً للمخاطرة
وبحسب التقرير، يعتقد عدد من الخبراء أن مراكز القرار الجديدة في إيران تختلف في رؤيتها وسلوكها السياسي عن النخب التي أدارت البلاد خلال العقود الماضية، إذ تبدو أكثر استعداداً لتحمل المخاطر وأكثر اقتناعاً بأن الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية يمكن أن يتحول إلى ورقة قوة على طاولة المفاوضات.
كما تعتقد طهران، وفق التحليل، أن الولايات المتحدة ليست في وارد الانخراط في حرب شاملة جديدة في المنطقة، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضل التوصل إلى اتفاق يحد من التوترات ويخفف انعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يمنح القيادة الإيرانية مساحة أوسع للمناورة ويقلل من حاجتها إلى تقديم تنازلات جوهرية.
ثوابت إيرانية لم تتغير
ورغم كلفة الحرب، يشير التقرير إلى أن المواقف الإيرانية الأساسية لا تزال ثابتة، فطهران متمسكة بحقها في تخصيب اليورانيوم، وترفض التخلي عن برنامجها للصواريخ الباليستية، كما تؤكد استمرار دعمها لحلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله، وحركة حماس، وجماعة الحوثيين.
وفي الجانب الاقتصادي، تواصل إيران المطالبة بالإفراج عن أصولها المالية المجمدة في الخارج، والحصول على ضمانات تسمح بزيادة صادراتها النفطية وتخفيف آثار العقوبات التي أرهقت الاقتصاد الإيراني وأدت إلى تفاقم معدلات التضخم والبطالة وتراجع مستويات النمو.
الحرب والعتبة النووية
ويحذر التقرير من أن الحرب التي استهدفت الحد من الطموحات النووية الإيرانية قد تكون أفضت عملياً إلى نتيجة معاكسة، إذ دفعت طهران إلى التشبث أكثر بخيار تطوير قدراتها النووية باعتباره ضمانة ردع مستقبلية.
ومن وجهة نظر عدد من المحللين، فإن إيران، حتى لو وافقت على قيود أو تفاهمات مؤقتة، ما تزال تمتلك البنية التحتية والخبرات العلمية والتقنية التي تمكنها من استعادة قدراتها النووية بوتيرة سريعة متى رأت أن الظروف السياسية أو الأمنية تستدعي ذلك.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط مستمرة
ويتناول التقرير الأهمية المتزايدة لمضيق هرمز في الإستراتيجية الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران قد تستخدم موقعها الجغرافي ونفوذها في هذا الممر البحري الحيوي كورقة ضغط دائمة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، ويكتسب هذا التهديد أهمية خاصة نظراً إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط، ما يمنح إيران أداة تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية.
تحدٍ إيراني بصيغة جديدة
ويخلص التحليل إلى أن الحرب لم تنهِ التحدي الذي تمثله إيران للولايات المتحدة وإسرائيل، وإنما أعادت تشكيله بصورة مختلفة، فقد خرجت طهران من المواجهة أكثر اعتماداً على المؤسسة العسكرية، وأكثر اقتناعاً بضرورة التمسك بأدوات الردع الإستراتيجية، وأقل استعداداً للرضوخ للضغوط الخارجية.
وفي المقابل، تبدو واشنطن معنية بالتوصل إلى تفاهمات تخفف حدة التوتر وتحد من تداعياته على الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة، دون أن تمتلك حتى الآن تصوراً واضحاً لكيفية معالجة الملفات الخلافية العالقة.
مرحلة "اللاحرب واللاسلم"
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن أي مذكرة تفاهم أو اتفاق أولي محتمل لن يشكل بالضرورة حلاً نهائياً للأزمة، إذ ما تزال القضايا الجوهرية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، وأمن الملاحة في الخليج بعيدة عن التسوية الشاملة.
ولذلك يرجح عدد من الخبراء دخول المنطقة في مرحلة طويلة من "اللاحرب واللاسلم"، حيث يستمر التوتر السياسي والعسكري عند مستويات متفاوتة دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة أو الوصول إلى سلام دائم، وهو واقع قد يمنح إيران مزيداً من الوقت لترسيخ مكاسبها الداخلية وإعادة بناء نفوذها الإقليمي.

