الشرع ينفي التدخل في لبنان ويؤكد تأجيل بحث ترسيم الحدود لصالح أولويات الاستقرار والتنمية
ملخص :
نفى الرئيس السوري، أحمد الشرع، ما وصفه بـ "الشائعات" المتداولة بشأن تدخل سوريا في الشؤون اللبنانية، مؤكداً أن دمشق وبيروت تتجهان في المرحلة الحالية إلى تأجيل الخوض التفصيلي في ملف ترسيم الحدود بين البلدين، والتركيز بدلاً من ذلك على ملفات أكثر إلحاحاً تتعلق بالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية وتعزيز التعاون المشترك.
وجاءت تصريحات الشرع خلال لقاء جمعه بوفد من وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق في العاصمة السورية، حيث شدد على أن العلاقات السورية اللبنانية تمر بمرحلة تتطلب معالجة التحديات الراهنة وترميم الثقة المتبادلة، بعيداً عن الانخراط في قضايا خلافية معقدة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر.
ملف حدودي معقد وموروث تاريخي طويل
وعن قضية ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان، أوضح الرئيس السوري أنها تعد من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقة بين البلدين، مشيراً إلى أنها بقيت عالقة منذ استقلال الدولتين عن الانتداب الفرنسي عام 1946، ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة من التوصل إلى تسوية نهائية بشأنها.
وأشار الشرع إلى أن لبنان يواجه ظروفاً دقيقة وحساسة في ظل التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بالحرب الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الواقع السوري واللبناني معاً، الأمر الذي يستدعي إعطاء الأولوية للحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب فتح ملفات قد تؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر.
مراجعة العلاقات السابقة وإعادة ترتيب الأولويات
وكشف الشرع أن الجانب اللبناني أثار ملف الحدود في أكثر من مناسبة خلال الفترة الماضية، إلا أن دمشق ترى أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز على بناء أسس جديدة للعلاقات الثنائية، بعد سنوات طويلة من التوترات والتدخلات المتبادلة التي تركت آثاراً عميقة على البلدين، مؤكدا أن العلاقات السورية اللبنانية السابقة قامت في كثير من الأحيان على قواعد غير مستقرة، مشيراً إلى ما خلفته التدخلات السورية في الشأن اللبناني، إلى جانب تدخلات حزب الله في الساحة السورية، من تداعيات سياسية واجتماعية ما زالت تلقي بظلالها على واقع البلدين.
مزارع شبعا.. عقدة إضافية في مسار الترسيم
وفي حديثه عن أبرز نقاط الخلاف الحدودية، اعتبر الشرع أن قضية مزارع شبعا تمثل إحدى أكثر القضايا تعقيداً، نظراً لوقوع أجزاء منها تحت الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع استمرار الخلاف السوري اللبناني حول تبعيتها القانونية والسيادية، موضحا أنه من غير المنطقي، من وجهة نظر دمشق، الدخول في نقاشات تفصيلية حول ملكية المنطقة أو تبعيتها السياسية قبل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لها، محذراً من أن الخوض المبكر في هذه الملفات قد يفتح الباب أمام نزاعات جديدة في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التهدئة وخفض مستويات التوتر.
كما لفت إلى أن الطبيعة المتداخلة للقرى والتجمعات السكانية على جانبي الحدود تجعل أي عملية ترسيم أكثر حساسية وتعقيداً، وتتطلب مقاربة هادئة ومدروسة تراعي الواقع الجغرافي والاجتماعي للسكان المحليين.
أزمة النازحين السوريين في لبنان
وتطرق الرئيس السوري إلى ملف النازحين السوريين في لبنان، واصفاً إياه بأنه أحد أبرز التحديات المشتركة بين البلدين، في ظل استمرار وجود أكثر من مليون و400 ألف سوري داخل الأراضي اللبنانية، مشيرا إلى أن هذا الملف ما زال يفتقر إلى رؤية واضحة تتيح معالجته بصورة شاملة ومستدامة، مؤكداً أن سوريا تواصل الدعوة إلى وقف الصراعات وتعزيز مؤسسات الدولة وتحسين الظروف الاقتصادية بما يسهم في تهيئة بيئة مناسبة لعودة النازحين تدريجياً.
وأضاف أن دمشق ترى في تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير مشاريع الربط المشترك بين البلدين مدخلاً أساسياً لمعالجة العديد من الأزمات القائمة، بما فيها تداعيات النزوح والضغوط الاقتصادية التي تواجهها المنطقة.
جذور النزاع الحدودي
ويعود الخلاف الحدودي بين سوريا ولبنان إلى مرحلة الانتداب الفرنسي، حيث بقيت عدة مناطق ونقاط حدودية موضع نزاع بين الجانبين، من أبرزها مزارع شبعا، إلى جانب مناطق أخرى تقع في شرق لبنان، بينها القموعة وأجزاء من منطقة بعلبك الهرمل.
ورغم إنشاء لجنة سورية لبنانية مشتركة لترسيم الحدود عام 2008، فإن أعمالها لم تحقق تقدماً ملموساً بسبب التجاذبات السياسية المتكررة، قبل أن تتوقف عملياً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من تطورات أمنية وسياسية واسعة.
وعادت القضية إلى واجهة النقاش مجدداً عقب التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا وتولي الإدارة السورية الجديدة مسؤوليات الحكم في ديسمبر/كانون الأول 2024.
دعوة إلى الصبر وإعادة بناء الدولة
وفي الشأن الداخلي، وجه الشرع رسالة إلى السوريين دعاهم فيها إلى التكاتف والصبر خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن التغيير السياسي الذي شهدته البلاد لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مرحلة طويلة تتطلب جهداً جماعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة مكانة سوريا الإقليمية.
وشدد على أن عملية النهوض الوطني تحتاج إلى رؤية واقعية تستند إلى أفضل التجارب والنماذج التنموية، مع الحفاظ على التفاؤل والعمل التدريجي لتحقيق تطلعات السوريين في الأمن والاستقرار والتنمية.

