عندما يتحول شريط السينما إلى رأس حربة جيوسياسية
كيف تعيد باريس وسيول هندسة اقتصاد الشاشة لصياغة بيادق القوة الناعمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ملخص :
لم يكن اختيار بلدة "سان بول دو فونس" التاريخية في جنوب فرنسا مجرد خلفية جمالية لإطلاق قمة "لوميير" الدولية، بل كان إعلانا صريحا عن تدشين جبهة دفاعية وهجومية في آن واحد.. جبهة تقودها فرنسا وكوريا الجنوبية لرسم خريطة طريق جديدة لاقتصاديات الشاشة والصورة المتحركة.
ففي ظل الهيمنة المتزايدة لعمالقة التكنولوجيا ومنصات البث الرقمي، وما يرافقه من تحولات جذرية فرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتجاوز قمة "لوميير" أطر المهرجانات الاحتفالية لتتحول إلى "مؤتمر سيادي" يناقش الاستقلال الثقافي بآليات مالية وتشريعية صارمة.
مليار يورو لإعادة توازن القوى
تكمن الرسالة السياسية الأبرز في الرئاسة المشتركة بين باريس وسيول. فرنسا - المعقل التاريخي لمفهوم "الاستثناء الثقافي" والحماية السيادية للفنون - تجد في كوريا الجنوبية الشريك الأنسب، إذ استطاعت الأخيرة عبر "الموجة الكورية" (Hallyu) تحويل السينما والدراما إلى مادة تصدير استراتيجية حققت اختراقات ناعمة بمليارات الدولارات في عواصم القرار العالمي.
التعهد الاستثماري المشترك بضخ مليار يورو خلال السنوات الخمس المقبلة في "قطاع الصورة" لا يستهدف الإنتاج الفني المجرد، بل يرمي إلى تمويل البنية التحتية التكنولوجية، وبناء خوارزميات توزيع بديلة، ورعاية نمو المنصات المستقلة.
بمعنى آخر.. إنه استثمار متقدم لمنع القوى الرقمية الكبرى من تحويل الثقافات الوطنية إلى مجرد "محتوى" يتم استهلاكه وتوجيهه عبر خوارزميات لا تعبأ بالخصوصيات الثقافية.
مبادرة "إيريس": حماية الملكية الفكرية وتفكيك الاحتكار
شكل إعلان الرئيس الفرنسي عن تأسيس منظمة "إيريس" (IRIS) الدولية لدعم دور السينما المستقلة نقطة تحول عملية في القمة.
اقتصاديا، تعاني دور العرض والانتاجات المستقلة عالميا من أزمة تمويل وتهميش مسارات التوزيع. وسياسيا، يؤدي انهيار السينما المستقلة إلى سيطرة نمط إنتاجي واحد يملي القيم ويصوغ الوعي الجمعي العالمي.
وهنا تسعى "إيريس" إلى تنظيم سوق شبكي بديل يعيد توجيه العوائد لصالح المبدعين وحماية حقوق المؤلف. يكتسب هذا التكتل أهميته القصوى مع استغلال شركات الذكاء الاصطناعي للمنتجات الفكرية في تدريب نماذجها دون تعويض عادل، ما يجعل من "إيريس" خط دفاع سيادي لحماية رأس المال البشري والإبداعي من التهميش.
القوة الناعمة وسينما الجنوب العالمي
تجاوزت القمة أطر الشمال العالمي عبر تخصيص جلسات لبحث الوصول إلى جماهير جديدة في جنوب آسيا وإفريقيا. يدرك صناع القرار في فرنسا وكوريا الجنوبية أن المعادلة الاقتصادية للسينما قد تغيرت فالكتل الديموغرافية الشابة في الجنوب العالمي تشكل سوق التوسع المستقبلي.
إن بناء نماذج تمويل مبتكرة وشراكات إنتاجية مع هذه المناطق يضمن تحقيق اختراق ثقافي وسياسي مزدوج من خلال: تأمين أسواق جديدة للسينما الفرنسية والكورية لتقليل الاعتماد على الأسواق الغربية المشبعة. وإعادة تشكيل الخريطة الإدراكية لشعوب هذه المناطق عبر تقديم روايات ثقافية تتسم بالعدد والتنوع، بعيدا عن أحادية الطرح الغربي التقليدي.
ما أثر الدبلوماسية السينمائية؟
تؤكد قمة "لوميير" أن السينما لم تعد ملفا هامشيا في أروقة وزارات الثقافة وحياة الشعوب، بل ملفا سياديا يمس الأمن القومي الثقافي والاقتصادي. ولذا نجد أن المبادرة الفرنسية-الكورية ترسخ قاعدة مفادها: "لا توجد قوة ناعمة مستدامة دون نموذج اقتصادي مكتف وحماية تشريعية صارمة". وتسعى قمة "لوميير" لإثبات أن الشاشة ليست مجرد أداة للترفيه، بل هي الفضاء الحيوي الذي يخاض فيه صراع النفوذ وصياغة قيم العالم القادم.

