كارينا شولياك: من "المفضّلة" في حياة إبستين إلى طبيبة أسنان تُطاردها الوثائق
ملخص :
لم تُغلق قضية جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي الذي أُدين بجرائم جنسية وانتحر في زنزانته عام 2019، بوفاته، بل ظلت تفتح بابا تلو آخر أمام شخصيات آثرت البقاء بمنأى عن الأضواء طوال سنوات، وفي أحدث حلقات هذه القصة المتشعبة، عادت صديقته المقربة السابقة، كارينا شولياك، إلى دائرة الاهتمام العام، بعدما أفرجت وزارة العدل الأمريكية مطلع العام الجاري عن كمّ هائل من وثائق التحقيق، شملت آلاف الرسائل المتبادلة وعشرات الصور التي جمعتها بإبستين على مدى سنوات.
ووضع هذا الإفراج الوثائقي حدا لمحاولاتها الطويلة للعيش متخفية بهوية جديدة، كطبيبة أسنان في نيويورك، بعيدا عن إرث رجل غيّر مسار حياتها بالكامل.
ويكشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" تفاصيل دقيقة عن مسيرة شولياك، منذ لحظة تعرّفها إلى إبستين، مرورا بالدور الذي اضطلع به في تشكيل مستقبلها الأكاديمي والمالي، وصولا إلى محاولاتها الأخيرة لبناء حياة مهنية هادئة كطبيبة أسنان في حي بروكلين، وسط تساؤلات متصاعدة حول حصتها المحتملة من ملايين الدولارات التي خلّفها إبستين.
شخصية معقدة بين الضحية والشريكة
تصف "نيويورك تايمز" شولياك، البالغة من العمر 37 عاما، بأنها واحدة من أكثر الشخصيات التباسا وتعقيدا في دائرة إبستين المقربة، فمنذ وفاته، حاولت الاختفاء تماما عن الأنظار، من دون أن تصنّف نفسها صراحة كإحدى ضحاياه، في وقت لم تعتبرها السلطات الفدرالية الأمريكية شريكة رسمية في شبكة الاتجار الجنسي التي كان يديرها، هذا الموقع الرمادي بين الضحية والمقربة هو ما يمنح قصتها بعدا خاصا، ويجعلها محط اهتمام إعلامي وقانوني متجدد كلما ظهرت وثائق جديدة إلى العلن.
من بيلاروسيا إلى الحلم الأمريكي
بحسب الوثائق، انتقلت شولياك من بيلاروسيا إلى الولايات المتحدة عام 2011، حاملة تأشيرة طالب مؤقتة لدراسة اللغة الإنجليزية، وهي في الأصل كانت تسعى لاستكمال دراستها في طب الأسنان التي كانت قد بدأتها في بلدها الأم، وتوضح الوثائق أن شابة أخرى من سيبيريا هي من قدّمتها إلى إبستين في مارس/آذار من العام نفسه، حين كانت شولياك لا تتجاوز الـ 21 من عمرها، لتنطلق بينهما علاقة استمرت قرابة ثماني سنوات متواصلة.
وسارت اللقاءات الأولى بينهما، وفق ما يرصده التحقيق، على النمط ذاته الذي اعتاده إبستين في تعامله مع نساء أخريات ممن استمالهنّ عبر الهدايا والوعود، إذ أغدق عليها العطايا منذ البداية، وعرض عليها مساعدتها في تحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان مرخصة، لكن رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة تكشف أن شولياك قاومت محاولاته في الأشهر الأولى من معرفتهما، قبل أن يواصل التقرب منها بإصرار، إلى أن زارت مزرعته في ولاية نيومكسيكو في يوليو/تموز 2011، ثم توجهت إلى جزيرته الخاصة الشهيرة بعد أشهر قليلة من تلك الزيارة الأولى.
صفقة القبول الجامعي: تبرّع مقابل مقعد دراسي
بحلول شتاء عام 2012، قبلت شولياك أخيرا عروض إبستين لمساعدتها في تحقيق طموحها الأكاديمي، فبعدما رفضت كلية طب الأسنان في جامعة كولومبيا طلب التحاقها، تدخّل إبستين شخصيا عبر طبيب أسنانه الخاص، توماس ماغناني، الذي تواصل مباشرة مع عميد الكلية، فيما قدّم إبستين تبرعا ماليا للجامعة بلغت قيمته نحو 210 آلاف دولار، وتشير الصحيفة إلى أن هذا التبرع كان كافيا، على ما يبدو، لتسهيل قبول شولياك في الكلية رغم رفضها الأول.
والأكثر لفتا للانتباه أن ملفات وزارة العدل الأمريكية تضمنت رسائل نصية تكشف أن ماغناني، إلى جانب جيمس فاين، أحد مسؤولي كلية طب الأسنان، أطلعا شولياك مسبقا على الموضوعات التي ستُطرح عليها في اختبار القبول العملي، الذي خضعت له بصفتها طالبة منتقلة في أبريل/نيسان 2012، وبعد اجتيازها الاختبار وقبولها رسميا في الجامعة، تكفّل إبستين بسداد كامل رسومها الدراسية طوال سنوات دراستها الثلاث، وفي مقابل هذا الدعم، كتبت له في إحدى رسائلها عام 2012 عبارة دالة على امتنانها العميق: "أنت أنقى الرجال".
زواج الضرورة وطريق الجنسية الأمريكية
يكشف التحقيق أن شولياك، حين تقدمت بطلب الالتحاق بجامعة كولومبيا، كانت قد تجاوزت بالفعل المدة القانونية لتأشيرتها في الولايات المتحدة، ما وضعها في موقف قانوني هشّ، لكن إبستين، الذي بدا حريصا على إبقائها قريبة منه داخل البلاد، اقترح مطلع عام 2013 حلا غير تقليدي، إذ أشار في إحدى رسائله إلى أن زواجها من امرأة قد يكون "أسرع طريقة للحصول على البطاقة الخضراء".
وبالفعل، وبعد أشهر قليلة من هذا الزواج الصوري على ما يبدو، حصلت شولياك على الإقامة الدائمة، لتصبح بعد ذلك مواطنة أمريكية رسميا في مايو/أيار 2018، وقد انفصلت بعد عام واحد فقط من حصولها على الجنسية الأمريكية، من دون أن تطعن سلطات الهجرة الأمريكية في الإجراءات القانونية التي بموجبها حصلت على جنسيتها، بحسب ما أوردته الصحيفة.
"المفضّلة": امتيازات مالية وشخصية استثنائية
تكشف الوثائق المفرج عنها حجم الامتيازات الاستثنائية التي منحها إبستين لشولياك على مدى سنوات علاقتهما، إذ وصفها في إحدى المرات بأنها "المفضّلة" لديه من بين النساء المحيطات به، وأتاح لها استخدام بطاقة ائتمانية مفتوحة لشراء ما تشاء دون قيود تُذكر.
كما اصطحبها في رحلات حول العالم، وحوّل إليها على مدار سنوات ما يقارب مليون دولار أمريكي، إضافة إلى عشرات آلاف الدولارات الأخرى التي أرسلها مباشرة إلى والديها المقيمين في بيلاروسيا، ومع مرور الوقت، لم تعد شولياك مجرد مقربة عادية، بل اكتسبت ثقة إبستين الكاملة حتى أصبحت تشارك فعليا في إدارة ممتلكاته وشؤون موظفيه، وتذهب الصحيفة إلى أنها كانت آخر شخص تحدّث إليه إبستين هاتفيا قبل انتحاره داخل زنزانته عام 2019، وهو ما يعكس عمق العلاقة الشخصية التي جمعتهما حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
وصية استثنائية وخاتم "تمهيدا للزواج"
قبل انتحاره بوقت قصير، عدّل إبستين وصيته ليخصص لشولياك حصة كبيرة من ثروته، التي كانت تُقدّر آنذاك بنحو 600 مليون دولار، ومن ضمن ما أوصى به لها خاتم ألماس فاخر يزن 33 قيراطا، وفق ملاحظة مكتوبة بخط يده على إحدى الوثائق المرتبطة بالوصية، جاء فيها أن هذا الخاتم كان "تمهيدا للزواج" منها، في إشارة إلى نوايا محتملة لم تتحقق بسبب انتحاره المفاجئ.
وبحسب سجلات التحقيق التي كشفت عنها السلطات الفدرالية، فإن شولياك قد ترث ما يصل إلى 100 مليون دولار من إجمالي تركة إبستين، إلا أن الحجم الفعلي لما ستحصل عليه لا يزال غامضا حتى الآن، ويعود هذا الغموض، بحسب التقرير، إلى تراجع القيمة الإجمالية للتركة، التي انخفضت إلى ما بين 120 و200 مليون دولار، بعد سداد تعويضات مالية ضخمة لضحايا إبستين المعترف بهم قانونيا، كما تتضمن الوصية عشرات المستفيدين الآخرين، من بينهم أبناء شقيقه الراحل، مارك إبستين، الذين قد يحصل كل منهم على ما يقارب 10 ملايين دولار.
العودة إلى الحلم: رخصة مزاولة المهنة في نيويورك
ورغم الثروة الضخمة التي قد تؤول إليها من تركة إبستين، لم تتخلَّ شولياك، بحسب ما أوردته الصحيفة، عن حلمها الأصلي بممارسة مهنة طب الأسنان، فبحلول عام 2023، عادت إلى نيويورك وتقدمت إلى برنامج ما بعد الدكتوراه في طب الأسنان بجامعة كولومبيا، لاستكمال أحد المتطلبات الضرورية للحصول على رخصة مزاولة المهنة في الولاية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حصلت شولياك أخيرا على رخصة مزاولة المهنة في ولاية نيويورك، لتبدأ بعدها العمل بدوام جزئي في عيادة لطب الأسنان تقع في منطقة وسط بروكلين، وفق ما أكده أحد الأطباء العاملين في العيادة ذاتها، الذي تحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته.
مريضة تكتشف الحقيقة وتُطلق تحذيرا
وفي تطور لافت، تروي "نيويورك تايمز" أن إحدى مريضات العيادة، وتُدعى يونهاي كيم، خضعت للعلاج على يد شولياك في مناسبتين منفصلتين، قبل أن تتعرف صدفة إلى هويتها الحقيقية، بعد نشر صورها ضمن ملفات إبستين المفرج عنها، ما دفعها للتواصل مباشرة مع الصحيفة بهدف تحذير المرضى الآخرين ممن قد يترددون على العيادة نفسها.
وتنقل الصحيفة عن كيم قولها إنها شعرت بصدمة واستياء بالغين حين اكتشفت الحقيقة، ولم تستطع تصديق ما حدث معها، معتبرة أن القدر لم يمنحها حظا سعيدا كالفوز باليانصيب، بل قادها بدلا من ذلك إلى لقاء إحدى المقربات من إبستين من دون علمها.
نهاية مسيرة مهنية قصيرة وسط الضجة الإعلامية
ويشير التحقيق إلى أن آخر يوم عمل فعلي لشولياك في العيادة كان في 12 فبراير/شباط الماضي، إذ تغيّبت بعد ذلك التاريخ بحجة المرض، ولم تعد إلى مزاولة عملها هناك مجددا، ويرجّح الطبيب العامل في العيادة، الذي تحدث للصحيفة، أن الضجة الإعلامية الواسعة التي أثارها نشر الوثائق المتعلقة بقضية إبستين جعلت من الصعب عليها الاستمرار في العمل بالمكان نفسه، وسط تزايد فرص كشف هويتها الحقيقية أمام المرضى والزملاء على حد سواء.
في المقابل، رفض محامي شولياك الإفصاح عما إذا كانت قد التحقت بوظيفة جديدة في مجال طب الأسنان بعد مغادرتها العيادة، تاركا الباب مفتوحا أمام تكهنات إضافية حول مستقبلها المهني والشخصي في ظل استمرار تسليط الأضواء على تفاصيل علاقتها بإبستين.
قصة لم تنتهِ فصولها بعد
تظل قضية كارينا شولياك نموذجا صارخا على الطريقة التي استخدم بها إبستين نفوذه المالي لبناء شبكة علاقات معقدة، جمعت بين الاستمالة الشخصية والدعم الأكاديمي والامتيازات المالية الضخمة، وبينما تحاول شولياك اليوم طيّ صفحة الماضي والاندماج في حياة مهنية طبيعية، تبدو الوثائق المتواصل الإفراج عنها عائقا حقيقيا أمام مساعيها، في وقت لا يزال فيه مصير حصتها من تركة إبستين، وملامح مستقبلها المهني، مسائل معلّقة بانتظار مزيد من الكشف والتوضيح.

