مذكرة نيابية لمدونة اللباس والذوق العام.. قوننة السلوك أم حماية الهوية؟
ليلى العمري
ملخص :
في مجتمع تتداخل فيه الأصالة بالحداثة، وتتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنولوجية بلمح البصر، تظل المساحات العامة ميدانًا حيًا للنقاش لا ينتهي حول الحدود والمفاهيم، بين مرونة التعبير الفردي وبين صور الشارع العامة، يُطرح التساؤل الأزلي: أين تنتهي حرية الفرد، وأين تبدأ حرية المجتمع؟ وفي يوليو من عام 2026، اشتعل هذا النقاش تحت قبة البرلمان الأردني بصلابة، إثر توقيع مذكرة نيابية طالبت الحكومة رسميًا بوضع "مدونة إرشادية للذوق العام والسلوك واللباس اللائق"، في خطوة سريعة لتسلط الضوء على هويّة الشارع وشكل الحضور العام في المؤسسات والأماكن العامة.
لم تكن المذكرة مجرد حبر على ورق نوقش في جلسة اعتيادية، بل كانت حجرًا ثقيلًا حرك مياهًا كادت تكون راكدة تحت السطح، فبينما يرى الموقّعون عليها ومؤيدوها ضرورة إيجاد مرجعية أخلاقية وتنظيمية صريحة تحمي الذوق العام، وتحافظ على الصورة الحضارية والانضباط في المساحات المشتركة والمؤسسات الرسمية، ينظر إليها نقاد ومتابعون بعين القلق والتحفظ، ويتساءل المعارضون عما إذا كانت مثل هذه المدونات مدخلًا لفرض وصاية مجتمعية أو تقييدًا فضفاضًا للحريات الشخصية التي كفلها الدستور، معتبرين أن الذوق مفهوم نسبي يتسع بمرونة ولا يمكن تأطيره ببنود ومواد صماء، وبين حماية الهوية وخوف التضييق، يجد الشارع الأردني نفسه أمام مرآة تحاكي أولوياته وشكله الحقيقي في مرحلة حساسة.
دوافع المذكرة: البحث عن بوصلة تنظيمية في المساحات العامة
تنطلق المذكرة النيابية الموقع عليها في يوليو 2026 من قناعة لدى الموقّعين بأن الشارع والمؤسسات والفضاءات العامة باتت بحاجة إلى إطار مرجعي واضح يحكم السلوكيات وينظم مظاهر التواجد العام، ويرى النواب المطالبون بالمدونة أن الغرض الأساسي ليس تقييد الأفراد أو ملاحقتهم، بل وضع "خطوط إرشادية" تعزز احترام المظهر العام والذوق السليم، لا سيما في المؤسسات الحكومية، الجامعات، والأماكن الخادمة للجمهور.
يستند هذا التوجه إلى تجارب دول عدة قامت بصياغة لوائح ومواثيق للذوق العام لمنع السلوكيات التي قد تسبب إزعاجًا للمواطنين أو تخدش الرمزية الثقافية للمجتمع، بالنسبة للمؤيدين، تهدف المدونة إلى حماية السلم الاجتماعي والحد من التجاوزات السلوكية والمظاهر التي تخرج عن الأعراف السائدة، ومؤكدين أن احترام المؤسسة العامة والمساحة المشتركة يتطلب أدنى قدر من الالتزام الشكلي والسلوكي الذي يعكس وجه الدولة الحضاري ومورثها القيمي.
نسبية "الذوق" ومخاوف التضييق
على الجانب الآخر، يثير مصطلح "الذوق العام" و "اللباس اللائق" جدلًا حقوقيًا واسعًا بخصوص آليات التعريف والتطبيق، فالذوق بطبيعته مفهوم مرن ومتغير، يختلف باختلاف الثقافات الفرعية، البيئات الاجتماعية، والأجيال المتعاقبة، وما يراه طرفٌ ما منافيًا للذوق، قد يراه طرفٌ آخر تعبيرًا طبيعيًا عن الحرية الشخصية أو مواكبة العصر.
من هنا تبرز مخاوف الحقوقيين والمحللين من أن تتحول أي مدونة إرشادية -إن لم تكن محددة بدقة متناهية وصياغات قانونية محكمة- إلى أداة فضفاضة تحمل تفسيرات شخصية وانطباعية عند تطبيقها على أرض الواقع، ويرى المعارضون للمبادرة أن التوسع في قوننة السلوكيات والمظهر قد يؤدي إلى فرض نوع من الوصاية الاجتماعية أو تقييد التنوع الذي يتميز به المجتمع، مشددين على أن الحريات الفردية والمظهر الشخصي هما حقان مكفولان ضمن أطر القانون العام ودون الحاجة لمدونات إضافية قد تفتح الباب للاجتهادات الميدانية.
الأولويات البرلمانية: الشارع بين المعيشة والأخلاق
لا ينفصل هذا الجدل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يمر به الشارع؛ إذ يرى فريق من المتابعين أن تركيز الحراك النيابي على قضايا مثل اللباس والذوق العام، في وقت تواجه فيه القطاعات المختلفة تحديات اقتصادية كالتضخم والبطالة، قد يبدو ابتعادًا عن الأولويات المعيشية المباشرة للمواطن.
فبينما يعبر المطالبون بالمدونة أن الإصلاح القيمي والسلوكي يسير جنبًا إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادي والسياسي، يعتقد آخرون أن دور البرلمان الأساسي يجب أن يتركز حول التشريعات الاقتصادية والرقابة على الأداء الحكومي، هذا التباين في تحديد الأولويات يجعل من المذكرة النيابية مادة نقاش حية لا تقتصر على نصوصها المكتوبة، بل تمتد لتسلط الضوء على العلاقة بين الناخب والممثل النيابي، وعلى كيفية ترتيب الأولويات الوطنية بين التشريع الخدمي والتشريع الاجتماعي.
بين كفالة الحرية وحماية الفضاء العام
تجسد هذه المذكرة النيابية المطالبة بـ "مدونة للذوق العام" حالة الصحوة والجدل الطبيعي التي تمر بها المجتمعات الحية وهي تعيد اكتشاف ذاتها وتنظيم مساحتها المشتركة، إنها ليست مجرد صراع بين رأيين أو اتجاهين، بل هي محاولة حثيثة للبحث عن نقطة التوازن والتوافقية؛ تلك التي تحمي حرية الفرد وصونه في مظهره وتصرفاته دون مساس بالدستور، وفي الوقت ذاته تحفظ للمؤسسة العامة هيبتها وللمجتمع قيمه وأعرافه المرعية.
إن النجاح الحقيقي لأي مبادرة تنظم السلوك العام لا يكمن في فرض القيود أو التوسع في الصياغات الفضفاضة، بل في قدرتها على بناء وعي جمعي ومسؤولية ذاتية لدى الأفراد، تعتمد على احترام الآخر وحسن المواطنة قبل الاعتماد على اللوائح والنصوص، وستظل هذه المذكرة وما رافقها من نقاشات شاهدًا على حيوية الشارع، وعلى أهمية بقاء الحوار مفتوحًا وموضوعيًا بين المؤسسة التشريعية والمجتمع؛ لضمان أن تبقى أي خطوة مستقبلية صائبة في خدمة المواطن وتماسكه الثقافي والاجتماعي.

