حرائق فرنسا.. أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية
ملخص :
تعيش فرنسا واحدة من أكثر الكوارث البيئية تعقيداً في تاريخها الحديث، إذ تواجه موجة حرائق غابات استثنائية دفعت البلاد إلى تسجيل أكبر حركة نزوح داخلي منذ الحرب العالمية الثانية، في ظل استمرار تمدد ألسنة اللهب في جنوب غربي البلاد، ولا سيما في منطقتي لا جيروند وأكيتانيا الساحليتين، المعروفتين بامتداد غابات الصنوبر على مساحات شاسعة.
وتحولت الحرائق إلى أزمة وطنية متعددة الأبعاد، لم تقتصر تداعياتها على الخسائر البيئية، بل امتدت إلى الاقتصاد والسياحة والصحة العامة، لتفرض تحدياً غير مسبوق على السلطات الفرنسية التي وجدت نفسها مضطرة إلى طلب دعم أوروبي واسع لمواجهة الكارثة.
أرقام صادمة وخسائر تتجاوز كل التوقعات
تعكس الإحصاءات الرسمية حجم الكارثة التي تضرب فرنسا، والتي لا يفوقها في أوروبا سوى الحرائق التي اجتاحت محيط العاصمة الإسبانية مدريد، ومنذ بداية العام الج اري، أتت النيران على نحو 116 ألف هكتار من الغابات، بينها 42 ألف هكتار خلال أسبوع واحد فقط في منطقتي لا جيروند وأكيتانيا، في وقت دفعت فيه سرعة انتشار الحرائق السلطات إلى تنفيذ واحدة من أكبر عمليات التعبئة الميدانية لمكافحة النيران.
وشملت هذه الجهود نشر 2750 رجل إطفاء، و1500 عسكري، إلى جانب 1440 عنصراً من قوات الأمن الداخلي بين الشرطة والدرك، في محاولة لاحتواء الحرائق ومنع وصولها إلى التجمعات السكانية.
تعبئة جوية وبرية واسعة لمواجهة الكارثة
ولم تقتصر الاستجابة الفرنسية على الموارد البشرية، بل سخّرت السلطات مختلف إمكاناتها البرية والجوية، حيث دفعت بعشرات سيارات الإطفاء القادمة من مختلف أنحاء البلاد إلى مناطق الكوارث، إضافة إلى 18 طائرة متخصصة في مكافحة الحرائق، تتقدمها "طائرات كنادير" القادرة على التزود بالمياه مباشرة من البحار والبحيرات.
كما انضمت إلى الأسطول الجوي طائرة النقل العسكرية "إم 400" بعد تزويدها بخزان خاص يستوعب 16 ألف لتر من المياه أو السوائل المثبطة لانتشار النيران، في خطوة هدفت إلى تعزيز قدرات التدخل السريع في المناطق الأكثر خطورة.
نزوح جماعي وخسائر اقتصادية وبيئية فادحة
أدت الحرائق إلى تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة، بعدما اضطر 225 ألف شخص إلى مغادرة منازلهم، في أكبر موجة إجلاء تشهدها فرنسا منذ عقود، كما تعطلت أعمال نحو 15 ألف شركة ومؤسسة في جنوب غربي البلاد، بينما أُحيل عشرات آلاف العاملين إلى البطالة المؤقتة، وسط خسائر مالية تقدر بمئات ملايين اليوروهات، فضلاً عن الضربة القاسية التي تلقاها الموسم السياحي في منطقة تشتهر بمنتجعاتها وشواطئها.
وسجلت السلطات المحلية احتراق 250 منزلاً على الأقل، في حين تجاوزت آثار الكارثة حدود الخسائر المادية لتشمل أزمة تلوث واسعة انعكست على الصحة العامة، إضافة إلى أضرار بيئية وصفت بأنها من الأخطر في تاريخ البلاد الحديث.
استعانة بالدعم الأوروبي وسط نقص الإمكانات
أمام اتساع رقعة الحرائق، فعّلت باريس آلية "النجدة الأوروبية" بطلب من الرئيس إيمانويل ماكرون، لتلقي الدعم من الشركاء الأوروبيين، واستفادت فرنسا من خدمات الخرائط الفضائية الطارئة التي يوفرها برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لمتابعة تطور الحرائق، كما استقبلت 7 طائرات، و4 مروحيات أوروبية متخصصة في مكافحة الحرائق، إضافة إلى مروحية خامسة من سويسرا.
إلا أن الأزمة كشفت في المقابل عن محدودية الأسطول الجوي الفرنسي، إذ إن "طائرات كنادير" غير قادرة على تنفيذ عمليات إخماد ليلية، كما أن 4 طائرات من أصل 12 تمتلكها فرنسا تخضع لأعمال إعادة تأهيل، بينما تجاوز عمر عدد منها 30 عاماً.
ورغم توقيع الحكومة الفرنسية عقداً مع الشركة الكندية المصنعة للحصول على أربع طائرات جديدة، فإن أول طائرتين لن تدخلان الخدمة قبل عام 2028، فيما سيتأخر تسليم الطائرتين الأخريين حتى عام 2030، الأمر الذي أثار جدلاً سياسياً وانتقادات للحكومة بسبب ضعف الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية.
ماكرون يتدخل شخصياً مع تفاقم الأزمة
في المراحل الأولى، تولى رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، ووزير الداخلية، لوران نونيز، إدارة الأزمة، إلا أن تسارع الأحداث واتساع نطاق الخسائر، إلى جانب التغطية الإعلامية المكثفة واقتراب النيران من مدينة بوردو، دفع الرئيس، إيمانويل ماكرون، إلى تولي الملف بصورة مباشرة.
وترأس ماكرون اجتماعاً وزارياً أمنياً لتقييم تطورات الكارثة، كما خصص جانباً كبيراً من آخر اجتماع لمجلس الوزراء قبل العطلة الصيفية لمناقشة الملف، قبل أن يتوجه إلى بوردو للاطلاع ميدانياً على سير عمليات الإطفاء، وإعلان دعم الدولة لرجال الإطفاء الذين يواجهون ظروفاً بالغة الصعوبة.
تقلبات الطقس تعيد الحرائق إلى الواجهة
وشهدت عمليات الإطفاء انفراجاً نسبياً، مساء الاثنين، بعدما توقف تمدد النيران وتراجع خطر وصولها إلى مدينة بوردو، إلا أن هذا التحسن لم يدم طويلاً، فمع حلول الثلاثاء، أدى ارتفاع درجات الحرارة وعودة الرياح الغربية واتجاهها نحو الداخل، بالتزامن مع موجة جفاف حادة، إلى تجدد اشتعال الحرائق بقوة، لترتفع أعمدة الدخان مئات الأمتار في السماء، وتتجدد المخاوف من وصول ألسنة اللهب إلى المدينة.
ودفعت هذه التطورات السلطات إلى إخلاء 4 آلاف شخص من أحد المخيمات الصيفية في مدينة لاكانو، كما مُنع السكان الذين سبق إجلاؤهم من العودة إلى منازلهم في إقليم لا جيروند بسبب استمرار الخطر.
وأظهرت التقارير التلفزيونية الظروف الإنسانية الصعبة للنازحين، الذين لجأوا إلى القاعات الرياضية المغلقة، حيث ينامون على فرش وضعت مباشرة على الأرض.
حرائق متعددة تعقّد جهود الإطفاء
في المقابل، تمكنت السلطات من السيطرة على الحريق في إقليم ليه لاند بعد أن أتى على 3600 هكتار ودمر 198 مبنى، وفي مدينة بيسكاروس، التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة خارج الموسم السياحي، تسببت الحرائق في تدمير قرابة 200 مبنى.
كما سمحت السلطات بعودة نحو 15 ألف شخص إلى بلدتي سانغينيه وبارانتيس-أن-بورن، إضافة إلى رواد أحد المخيمات، بعد تحسن الأوضاع الأمنية في تلك المناطق.
غير أن الأزمة لا تقتصر على الجنوب الغربي، إذ لا تزال الحرائق مشتعلة في إقليم لو فار المطل على البحر الأبيض المتوسط، وفي جزيرة كورسيكا بالقرب من مدينة كورتيه، فضلاً عن حريق آخر في إحدى المناطق الجبلية بجبال الألب الفرنسية، الأمر الذي أدى إلى تشتيت القدرات المخصصة لمكافحة الحرائق.
موجة حر جديدة تنذر بتفاقم الأزمة
وتترقب السلطات الفرنسية بقلق وصول موجة حر ثالثة خلال شهر واحد، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية في عدد من المناطق، خصوصاً جنوب غربي البلاد، ووصف الرئيس، إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى بوردو، الوضع بأنه "الأخطر على الإطلاق، والأصعب منذ الحرب العالمية الثانية"، بينما يصف مسؤولون آخرون ما تشهده البلاد بأنه "حرب نيران" تمتد على أكثر من جبهة في آن واحد.
مقارنات تاريخية وتحقيقات جنائية
تعيد الحرائق الحالية إلى الأذهان كارثة عام 1949 في إقليم ليه لاند جنوب بوردو، عندما التهمت النيران نحو 50 ألف هكتار من الغابات، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية تجاوز تلك الكارثة إذا استمرت الظروف المناخية القاسية.
وفي موازاة جهود الإطفاء، تواصل السلطات تحقيقاتها بشأن أسباب اندلاع الحرائق، حيث أعلنت الرئاسة الفرنسية توقيف 162 شخصاً منذ الأسبوع الأول من يوليو للاشتباه بصلتهم بإشعال الحرائق، بينما أودع 15 شخصاً السجن، وصدر بحق 5 متهمين أحكام بالسجن بعد إدانتهم بالتسبب بحرائق متعمدة.
ومن أبرز القضايا التي أثارت الرأي العام اعتراف رجلي إطفاء، أحدهما يبلغ 19 عاماً، بتورطهما في إشعال أحد الحرائق عمداً، كما أسفرت الكارثة عن إصابة 93 رجل إطفاء، فيما لقي اثنان من عناصر الإطفاء حتفهما بعد احتراق مركبتهما أثناء أداء واجبهما.
شلل في النقل وتداعيات مستمرة
وامتدت آثار الحرائق إلى قطاع النقل، حيث توقفت حركة القطارات السريعة بين بوردو ومدن الجنوب، ومنها بايون وبياريتز، كما أغلقت الطرق السريعة في الاتجاهين بين بوردو وبايون، ما زاد من تعقيد عمليات الإجلاء والإمداد.
وتؤكد المؤشرات أن فرنسا تواجه واحدة من أعقد الأزمات البيئية في تاريخها الحديث، في ظل تداخل العوامل المناخية مع محدودية الإمكانات، واتساع رقعة الحرائق، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على الحكومة في احتواء الكارثة والحد من تداعياتها الإنسانية والاقتصادية والبيئية.

