غزة: قصص مؤلمة لمفقودين يتركون عائلاتهم في دوامة ترقب
ملخص :
في قلب قطاع غزة، تتكشف مأساة إنسانية جديدة، حيث تتزايد أعداد المفقودين في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، ومن بين هؤلاء المفقودين، تبرز قصص الأطفال الذين غادروا منازلهم ولم يعودوا، تاركين وراءهم عائلات تعيش في دوامة من القلق والترقب.
من بين هذه القصص المؤلمة، قصة الطفل أحمد أبو عواد، الذي خرج في أغسطس بحثا عن طعام لعائلته، بالقرب من شاحنات المساعدات القادمة من محور "موراغ"، جنوب القطاع، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحمد، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولا.
وتعيش عائلات الأطفال المفقودين في غزة حالة من اليأس، وتتشبث بأي أمل يعيد إليهم أبناءهم الذين فقدوا في خضم الحرب، ورغم مرور الوقت، فإنهم ما زالوا يطرقون جميع الأبواب، بحثا عن أي معلومة تقودهم إلى فلذات أكبادهم.
أسر تتشبث بالأمل رغم طول الانتظار
وتشير إحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إلى وجود 24 طفلا مدرجين ضمن قائمة المفقودين، وهؤلاء الأطفال ليسوا ضمن المدفونين تحت الأنقاض، ما يزيد من غموض مصيرهم.
وتقول سوسن الرقب، والدة الطفل أحمد أبو عواد، إن ابنها خرج مع آلاف الغزيين للحصول على بعض المساعدات، لكنه لم يعد، ولا تدري ما إذا كان أسيرا أم شهيدا، واضافت انها لم تترك مؤسسة تُعنى بحقوق الأسرى والشهداء والمفقودين إلا وتحدثت إليها، وسألت عنه الأسرى الذين خرجوا من سجون الاحتلال، ولم تصل لأي معلومة عن مصيره.
وتبكي هذه الأم شوقا لرؤية طفلها أو لمعرفة أي معلومة عنه، حتى أنها تمنت أحيانا أن يكون قد استشهد وعرفت مصيره، بدلا من لوعة القلب التي تعيشها ولا تدري عنه شيئا.
قصص تتشابه في الألم والضياع
وتبدو قصة وفاء بلور، التي بحثت طويلا عن شقيقيها ولم تجد لهما أثرا، مماثلة لقصص العديد من العائلات الأخرى في غزة، وقصت وفاء تفاصيل تلك الحادثة الأليمة، التي بدأت بخروج أشرف لشراء احتياجات للمنزل، لكنه لم يعد.
وآنذاك، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ تقدمه البري تجاه جنوب مدينة غزة، وبعدها فرضت قوات الاحتلال حصارا على المنطقة، ولم يتمكن ذووه من العثور عليه، واضافت وفاء انها استنفذت كافة الوسائل في البحث عن أشرف ولكن دون جدوى، حتى فقدت الأمل بالعثور عليه، مع غياب أي دليل يقودها إليه.
وما عمّق الجرح أكثر هو إخبارهم من أحد أقارب العائلة الذي تحرر من سجون الاحتلال إبّان الحرب، أنه رأى أشرف في منطقة قريبة من الحي الذي يقيمون فيه حاليا، وعندما ذهب شقيقه عدنان للبحث عنه لم يعد هو الآخر، وتبكي وفاء شقيقيها وتناشد المعنيين بملف المفقودين مساعدتها على الوصول لأي معلومة تكشف مصيريهما.
جهود البحث تصطدم بصعوبات جمة
ويتشارك أيمن صالح والد الطفل المفقود محمود، الخوف ذاته، ويقول عن تفاصيل ذلك اليوم المؤلم: في شهر ديسمبر، أعلن جيش الاحتلال شن عملية برية على المناطق الشرقية لمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ورغم ذلك لم نغادر منزلنا.
واشار إلى أن طفله خرج إلى مكان قريب من المنزل لكنه لم يعد، لذلك رفضنا مغادرة المنطقة في انتظار عودة محمود حتى اضطررنا للمغادرة تحت القصف عندما اقترب جيش الاحتلال من المنزل، ومذ ذلك الحين ونحن نعيش في متاهة، لم نترك غرفة للعناية المركزة، ولا ثلاجة للموتى في المشافي إلا وبحثنا فيها، كما طرقنا أبواب جميع المؤسسات التي تعنى بشؤون الأسرى والمفقودين، حتى فقدنا الأمل برؤية طفلي مرة أخرى.
واوضح الأب بنبرة حسرة، لافتا إلى أن زوجته فقدت النطق على إثر تعرضها لوعكة صحية بعدما فقدت آثار طفلهما محمود.
أرقام مفزعة تعكس حجم المأساة
وتؤكد مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا ندى نبيل إنه لا يمكن الجزم بشكل دقيق بأعداد المفقودين في قطاع غزة أو تصنيفاتهم، سواء من حيث الجنس أو الفئات العمرية أو حالات الإعاقة، مؤكدة أن جميع الأرقام المتداولة تبقى تقديرية في ظل الطبيعة المعقدة للملف، وغياب معلومات حاسمة عن مصير هؤلاء.
واوضحت ان عدد المفقودين يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف شخص، ويشمل ذلك من لا يزالون تحت الأنقاض، إضافة إلى من يُشتبه بتعرضهم للإخفاء القسري على يد الجيش الإسرائيلي، وفيما يتعلق بالأطفال، بينت أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 2900 طفل ضمن قائمة المفقودين، يتوزعون بين من هم تحت الركام، وآخرين يُعتقد أنهم قُتلوا أو اعتُقلوا دون الإفصاح عن أسمائهم أو مصيرهم.
واشارت مديرة المركز إلى أن نحو 2700 طفل يُرجّح أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، في حين يُقدّر أن قرابة 200 طفل قُتلوا وبقيت جثامينهم في الطرقات أو دُفنوا بشكل فردي أو في مقابر جماعية، أو تم اعتقالهم دون إعلان رسمي عنهم.
تحديات تواجه توثيق حالات الفقدان
واشارت الباحثة الفلسطينية إلى أن عمل الجهات المختصة في توثيق المفقودين، سواء من هم تحت الركام أو ضحايا الإخفاء القسري، يواجه صعوبات كبيرة، في مقدمتها سيطرة الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، وهي مناطق يُعتقد أن مئات الآلاف من الأشخاص لم يُبلَّغ عن مصيرهم فيها، بما يشمل عائلات بأكملها قضت تحت الأنقاض.
وقالت إن انسحاب القوات الإسرائيلية من تلك المناطق، يتيح للجهات المختصة الوصول إليها، وانتشال الجثامين، والتحقق من هويات الضحايا ومصيرهم، كما لفتت مديرة المركز الفلسطيني إلى أن السلطات الإسرائيلية تواصل الامتناع عن الكشف عن أسماء المعتقلين لديها، رغم وجود معلومات عن سجون سرية تضم أعدادا غير معلومة من المحتجزين، مؤكدة عدم توفر أي أرقام دقيقة بشأنهم.
أرقام مفجعة عن وضع الطفولة في غزة
ووفق إحصائية صدرت مؤخرا عن وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، فإن عدد الشهداء الأطفال منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر بلغ 21 ألفا و510 أطفال، فيما ارتفع إجمالي عدد الأيتام في غزة إلى 64 ألفا و633 طفلا، بينهم 55 ألفا و157طفلا تيتموا خلال الحرب الأخيرة على القطاع.
وبحسب الإحصائية التي حصلت الجزيرة نت على نسخة منها، فيوجد 34 ألفا و772 طفلا فقدوا أمهاتهم في غزة، و2363 طفلا فقدوا كلا الوالدين، من بينهم 2004 أطفال فقدوا والديهم خلال الحرب الأخيرة، وتشير البيانات إلى أن 61 ألفا و424 طفلا أيتام الأب فقط، و824 طفلا كانوا الناجين الوحيدين من بين أفراد أسرهم في الحرب.

