غزة على صفيح ساخن.. تصعيد خطير يستهدف الأمن والفوضى تلوح في الأفق
ملخص :
في تطورات خطيرة تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة، يواجه قطاع غزة موجة جديدة من التصعيد الأمني، إذ تتصاعد وتيرة الاعتداءات التي تستهدف الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعناصر الشرطة، وتزامنت هذه الاعتداءات مع تحركات مشبوهة لعصابات العملاء المدعومة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
أظهرت الأحداث الأخيرة، والتي بدأت خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، عن مواجهات مباشرة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وعصابات العملاء، وبينت تقارير عن قيام هذه العصابات باختطاف مواطنين واستهداف نقاط تابعة للشرطة الفلسطينية.
كشفت مصادر أمنية عن تفاصيل هذه الأحداث، مبينة أن 3 مركبات تابعة لعملاء الاحتلال حاولت التسلل قرب دوار أبو حميد وسط مدينة خان يونس، لكن أمن المقاومة تصدى لها، وتم استهداف إحدى المركبات بقذيفة مباشرة، مما أدى إلى احتراقها ومقتل وإصابة من فيها.
تحركات مشبوهة وعمليات نوعية
وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني بمقتل المواطنة رشا أبو جزر وإصابة 5 آخرين في هجوم نفذته عصابات متعاونة مع إسرائيل بدعم من جيش الاحتلال في منطقة محيط مسجد معاوية شمال غرب مدينة رفح.
ذكر المصدر أن عناصر من هذه العصابات تقدمت بعدد من المركبات في المنطقة، وأطلقت النار بشكل عشوائي صوب الفلسطينيين، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات بين مقاتلي الفصائل الفلسطينية وعناصر العصابات المسلحة.
واضاف أن الاشتباكات أسفرت عن سقوط عدد من العناصر بين قتيل وجريح، قبل أن يتدخل الجيش الإسرائيلي بقصف المنطقة لتأمين انسحاب العصابات العميلة.
تصعيد يستهدف الأمن
في الأثناء، استشهد 3 فلسطينيين عندما استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية نقطة تابعة للشرطة الفلسطينية عند مفترق الزقزوق في حي أمل بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، بينما استشهد شرطي رابع برصاص قناص إسرائيلي غرب مدينة غزة.
بينما اختطفت عناصر من العصابات العميلة أكثر من 25 مواطنا، بينهم أطفال ونساء، من منطقة دولة والسوافيري بحي الزيتون شرقي مدينة غزة، بحسب بيان للشرطة الفلسطينية.
ويكشف تتابع الأحداث عن نمط شبه متكرر يبدأ باستهداف طائرات الاحتلال لعناصر الشرطة في المناطق القريبة مما يسمى بـ"الخط الأصفر"، يعقب ذلك تسلل عصابات العملاء لتنفيذ عمليات أمنية لصالح الاحتلال تشمل محاولة اغتيال أو اختطاف مقاومين أو أفراد من الشرطة وحتى نازحين مدنيين.
ويحذر خبراء وفصائل فلسطينية من أن استهداف الاحتلال المكثف لأفراد الشرطة الفلسطينية، وبالتزامن مع تصاعد أنشطة العصابات في مختلف مناطق قطاع غزة، محاولة لنشر فوضى أمنية واسعة في القطاع، وسط تهديدات سياسية وعسكرية إسرائيلية بالتخطيط لاستئناف الحرب على قطاع غزة، بسبب رفض حركة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية تسليم أسلحتها.
حماس تحمل الاحتلال المسؤولية
وفي تعليقها على الأحداث، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن "تكثيف استهداف جيش الاحتلال الإرهابي لعناصر الشرطة المدنية يأتي في سياق سعي الحكومة الصهيونية الحثيث لنشر الفوضى في القطاع، وإضعاف المنظومة الأمنية، وإتاحة الفرصة لمليشيات العملاء لتنفيذ أجنداتها الخبيثة، وهو ما سيتصدى له شعبنا ومقاومته بكل قوة".
وطالبت الحركة في تصريحات صحفية الإدارة الأمريكية، الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، والوسطاء، بتحمل مسؤولياتهم في وقف جرائم الاحتلال وانتهاكاته المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، وإلزامه بتنفيذ استحقاقات الاتفاق.
كما طالبت المجتمع الدولي بإدانة "جرائم الاحتلال، والعمل على عزله سياسيا، ومحاسبة قادته على جرائمهم بحق شعبنا والإنسانية".
بدوره، يقول مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تيسير محيسن للجزيرة، إن "الاحتلال يواصل خروقاته عبر الاستهدافات المباشرة، إضافة إلى إطلاق المتعاونين معه لتنفيذ عمليات اغتيال داخل المدن، مما ينفي وجود أي تهدئة فعلية".
وكان الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى قال، في مداخلة سابقة على الجزيرة، إن هذه المليشيات تسهل الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة حماس، حيث يصعب على الوحدات الإسرائيلية مثل "وحدة المستعربين" التنقل فيها دون اكتشافها، مما يجعل العملاء المحليين أداة مناسبة لتنفيذ مهام تتراوح بين الاغتيال وإحداث الفوضى.
كما لفت إلى أن هذه المليشيات تلعب أدوارا تنظيمية وإدارية، مثل المشاركة في إدارة معبر رفح، وتصنيف الفلسطينيين الداخلين والخارجين، لتصبح بمثابة "حكومة ظل" تحت إشراف الاحتلال، مما يضاعف تأثيرها العسكري والسياسي في غزة.
وتتخذ هذه المليشيات مواقعها في "المناطق الصفراء"، أي المناطق الأكثر حساسية أمنيا، لتتحرك بحرية من أجل تنفيذ عمليات استهداف دقيقة، كما أن وجودها يغير أولويات المقاومة ويزيد من تعقيدات الحفاظ على الأمن الداخلي للقطاع.
توجه ممنهج لضرب الأمن
في الأثناء، يقول الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد حاتم كريم الفلاحي إن "استهداف إسرائيل مراكز الشرطة في غزة، يعكس توجها مدروسا لضرب أي بنية أمنية قائمة، ومنع تشكل واقع إداري مستقر داخل القطاع".
ويضيف الفلاحي في تحليل عسكري للجزيرة أن إسرائيل تعتبر أجهزة الشرطة امتدادا للإدارة المحلية السابقة في غزة، وترفض بقاء أي تشكيل أمني لا يخضع لترتيبات جديدة، مفضلة فرض ما تسميه "قوة استقرار" بآلية مختلفة وبشروط أمنية مشددة.
وبين أن إسرائيل ترى أن وقف إطلاق النار فرض عليها دوليا دون أن تحقق أهداف الحرب وعلى رأسها تصفية قيادات وضعتها على قوائم الاغتيال، إضافة إلى فشلها في نزع سلاح فصائل المقاومة.
وفي هذا السياق، يشير الفلاحي إلى أن ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بشرط نزع السلاح يعكس منطق الضغط بالقوة، مؤكدا أن القصف بات أداة تفاوض غير مباشرة بعد تعثر المسار السياسي.
ويؤكد أن غياب آليات واضحة لمحاسبة الخروقات شجع إسرائيل على تكرار هذا النهج، كما تفعل في لبنان وسوريا، حيث يستخدم القصف كأداة فرض وقائع دون ردع فعلي.
ويرى الخبير العسكري أن هذا السيناريو مرشح للاستمرار في ظل استخدام إسرائيل للقوة لإجبار المقاومة على تقديم تنازلات بعد أن فقدت أوراق ضغط رئيسية وفي مقدمتها ملف الأسرى، مما ينذر بمزيد من الخسائر الإنسانية.

