تراجع الدعم الامريكي لاسرائيل: دراسة تكشف تحولا جذريا
ملخص :
كشفت دراسة إسرائيلية حديثة عن تراجع كبير في الدعم الذي تحظى به إسرائيل داخل الولايات المتحدة، مبينا أن المشكلة لم تعد تقتصر على الانتقادات الإعلامية أو الغضب الشعبي المرتبط بالحرب.
واضافت الدراسة أن الأمر يمس أحد أهم مرتكزات علاقة إسرائيل التاريخية بواشنطن، وهو الدعم الواسع والعابر للحزبين.
واوضحت الدراسة الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن التدهور لم يعد محصورا في صورة إسرائيل لدى الديمقراطيين، وإنما يمتد إلى الجمهوريين الشباب والإنجيليين وقطاعات من اليهود الأمريكيين، مع بدايات انعكاسه حتى داخل الكونغرس نفسه.
تآكل شعبية إسرائيل في أمريكا
وبينت الدراسة التي صدرت بعنوان "أزمة حادة في وضع إسرائيل في الولايات المتحدة"، والتي أعدها أفيشاي بن ساسون غوردس وتيد ساسون، أن هذه الخلفية تمنح الدراسة ثقلا خاصا، لأنها صادرة عن مؤسسة إسرائيلية بحثية معنية بالأمن القومي، ومن باحثين يقرآن العلاقة مع واشنطن من زاوية استراتيجية لا إعلامية فقط.
واظهرت الدراسة أن 60٪ من الأمريكيين باتوا يحملون رأيا سلبيا أو سلبيا جدا تجاه إسرائيل، مقارنة بـ 53٪ في عام 2023 و42٪ في عام 2022.
وبحسب الدراسة، فإن هذا الارتفاع السريع لا يعكس تراجعا تدريجيا فحسب، إنما يشير إلى تسارع في الانحدار منذ الحرب على غزة، ثم مع الحرب على إيران، بما رسخ لدى قطاعات واسعة انطباعا بأن إسرائيل تدفع الولايات المتحدة إلى صراعات لا تخدم بالضرورة مصالحها.
غضب الشباب الأمريكي
واشارت الدراسة أيضا إلى أن إسرائيل باتت تُرى، في المقارنات الدولية داخل الاستطلاع نفسه، بصورة أقرب إلى دول تعد خصوما لواشنطن مثل روسيا وإيران والصين.
واكدت الدراسة أن الأمر لا يتعلق هنا بمقارنة سياسية مباشرة، بقدر ما يكشف عن تغير في موقع إسرائيل داخل الوعي الأمريكي، من حليف بديهي إلى طرف مثير للجدل والاستقطاب.
واظهرت الدراسة أن أخطر ما ترصده الدراسة يظهر في الفئات العمرية الشابة، حيث أن 75% من الأمريكيين بين 18 و29 عاما ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، فيما تصل النسبة إلى 85% بين الديمقراطيين الشباب.
تحول في المواقف
ولفتت الدراسة إلى أن المعطى الأهم هو أن السلبية امتدت أيضا إلى 64% من الجمهوريين الشباب، وهي نقطة تصفها الدراسة بوصفها تحولا جديدا لم تكن تعكسه الاستطلاعات السابقة بهذه الحدة.
وبينت الدراسة أن هذا التحول يضرب مباشرة الاستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل خلال العقد الأخير، حين راهنت على توثيق صلاتها بالجمهوريين والإنجيليين لتعويض الخسارة داخل المعسكر الديمقراطي.
واضافت الدراسة أنه الآن، فإن التآكل يطاول الجيل الجمهوري الصاعد نفسه، مما يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة بحكومة أميركية بعينها أو بمرحلة سياسية مؤقتة، إنما باتت تمس القاعدة الاجتماعية التي سعت إسرائيل إلى بنائها داخل الولايات المتحدة.
يهود مترددون تجاه إسرائيل
واكدت الدراسة أن المؤشرات لا تقتصر على الانقسام الحزبي، إذ ترصد الدراسة تراجعا لافتا أيضا بين الإنجيليين البيض دون سن الخمسين، وبين الكاثوليك الشباب، وكذلك بين غير المنتسبين دينيا، وهذه المعطيات تعني أن الانحسار يمس أكثر من شريحة واحدة، وبات يطال بيئات كانت إسرائيل تعدّها خزان دعم طويل الأمد.
واوضحت الدراسة أن المؤشرات داخل المجتمع اليهودي الأميركي لا تقل أهمية عن اتجاهات الرأي العام الأوسع، فقد أظهرت استطلاعات أوردتها الدراسة أن ما بين 55٪ إلى 60٪ من الناخبين اليهود عارضوا العمل العسكري في الحرب مع إيران.
واشارت الدراسة إلى أن 63٪ منهم فضلوا خيار الدبلوماسية والعقوبات على الخيار العسكري، كما قال 54٪ إن الحرب قد تثير مخاوف بشأن دور إسرائيل واليهود الأميركيين في السياسة الخارجية الأميركية.
ضغوط سياسية متزايدة
وكشفت الدراسة أن 30٪ من اليهود الأميركيين باتوا يميلون في تعاطفهم إلى الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، وهي نسبة ترتفع بين الفئات الأصغر سنا، كما يظهر انقسام واضح بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل.
وبينت الدراسة أن 31٪ أيدوا استمرارها بلا شروط، مقابل 44٪ قالوا إنها يجب أن تُربط بالتزام إسرائيل بالقانون الأميركي، بينما عارض 26٪ أي مساعدات.
واوضحت الدراسة أن هذا التحول لا يعني فقط تراجع الحماسة، إنما يشكل تغيرا في طبيعة العلاقة نفسها وحدودها السياسية والأخلاقية.
تراجع الدعم في الكونغرس
واكدت الدراسة أن الأزمة لا تقف عند حدود المزاج الشعبي، فالدراسة تشير إلى أن 40 من أصل 47 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ صوتوا لصالح تشريع يمنع بيع الجرافات لإسرائيل، كما أيد 37 عضوا منع تصدير قنابل زنة نصف طن.
واشارت الدراسة إلى أن أهمية هذه الخطوة تكمن في دلالتها السياسية إضافة لنتيجتها التشريعية المباشرة فقط، بل في انتقال التراجع من حيز الرأي إلى حيز محاولة تقييد الدعم العسكري.
ولفتت الدراسة إلى أن هذا الاتجاه لم يعد محصورا في شخصيات معروفة بعدائها لإسرائيل، بل شمل أصواتا كانت تُعد أقرب إليها، لكنها باتت تميز بين دعم إسرائيل ودعم حكومتها، أو بين السلاح الدفاعي والمساعدات المرتبطة بحروب مثيرة للخلاف داخل الولايات المتحدة.
خلاصة التحول في الدعم
واشارت الدراسة إلى تصاعد النقد الموجه إلى اللجنة الأميركية للشؤون العامة الإسرائيلية (أيباك)، بحيث لم تعد العلاقة بها دائما رصيدا انتخابيا، انما أصبحت في بعض الدوائر عبئا يحتاج إلى تفسير.
وبينت الدراسة أنه في المقابل، لا تبدو الساحة الجمهورية على الدرجة نفسها من التماسك التي كانت عليها سابقا، فالحرب على إيران أطلقت سجالا علنيا داخل المعسكر المحافظ، وبرزت شخصيات إعلامية نافذة تهاجم الانخراط الأميركي بوصفه خدمة لإسرائيل لا للمصلحة الأميركية.
وحذرت الدراسة في محصلتها النهائية من تحول بنيوي في مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، مبينا أن الحرب على غزة، إضافة إلى الانطباع بأنها دفعت واشنطن إلى مواجهة مع إيران، وعنف المستوطنين، والانخراط الإسرائيلي في الاستقطاب الداخلي الأمريكي، كلها عوامل ساهمت في إعادة تشكيل صورة إسرائيل باعتبارها حليفا أكثر كلفة وأقل بداهة في نظر قطاعات متزايدة من الأمريكيين.
واكدت الدراسة أن أخطر ما تخسره إسرائيل ليس فقط مستوى التأييد، إنما بداهة التأييد نفسها، وحين يصبح دعمها موضع نقاش داخل الشارع والكونغرس والبيئة اليهودية وبعض أجنحة الحزبين.
واضافت الدراسة أن الأمر بات يتجاوز التراجع الدعائي إلى مساس فعلي بأحد أهم أسس قوتها الاستراتيجية على المدى البعيد.

