فريدمان ينتقد "استراتيجية المطرقة" الإسرائيلية ويقترح حلا للوضع في لبنان
ملخص :
قدّم الكاتب الأمريكي توماس فريدمان في مقال تحليلي منشور في صحيفة "نيويورك تايمز" قراءة نقدية لافتة لمسار السياسة الإسرائيلية في ظل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، معتبراً أن إسرائيل باتت، وفق تعبيره، تضل طريقها على المستويين الاستراتيجي والأخلاقي.
ويرى فريدمان أن التحول الذي تقوده قوى اليمين المتطرف داخل إسرائيل لم يعد مجرد تغيير في السياسات، بل انزياح بنيوي نحو مقاربة تقوم على القوة المجردة دون رؤية سياسية متكاملة، ما يضع الدولة العبرية أمام مخاطر تتعلق بمكانتها الإقليمية وعلاقاتها الدولية، وعلى رأسها علاقتها التاريخية بالولايات المتحدة.
"استراتيجية المطرقة": قوة بلا أفق سياسي
يطرح فريدمان ما يسميه بـ "استراتيجية المطرقة"، وهي مقاربة إسرائيلية تعتمد على استخدام القوة بشكل واسع لتدمير الخصوم دون تقديم مشروع سياسي بديل أو تصور طويل الأمد للحل، وبحسب تحليله، فإن هذه الاستراتيجية قد تحقق نتائج عسكرية آنية، لكنها في المقابل تُفرغ أي إنجاز أمني من مضمونه، لأنها لا تؤسس لاستقرار دائم، بل تعمّق دوائر الصراع وتُبقي المنطقة في حالة توتر مستمر.
ويحذر من أن استمرار هذا النهج يهدد ليس فقط أمن إسرائيل، بل أيضاً صورتها الدولية وعلاقاتها مع حلفائها، خصوصاً في الولايات المتحدة حيث بدأت تتصاعد، وفق وصفه، أصوات ناقدة حتى داخل دوائر داعمة تقليدياً لإسرائيل.
رموز صادمة تعكس التحول السياسي والأخلاقي
يستند فريدمان في تحليله إلى صورتين يعتبرهما دلالتين على ما يصفه بالتحول العميق داخل إسرائيل:
الصورة الأولى: لجندي إسرائيلي يقوم بتحطيم تمثال للسيد المسيح داخل قرية "دبل" المارونية في جنوب لبنان، معتبرا أن هذا الفعل، بغض النظر عن كونه فردياً، يعكس مناخاً عاماً يتغذى على خطاب الكراهية والتصعيد السياسي والإعلامي داخل إسرائيل.
الصورة الثانية: لوزراء من اليمين الإسرائيلي يحتفلون بإعادة إنشاء مستوطنة "صانور" في شمال الضفة الغربية، في خطوة يعتبرها فريدمان محاولة لتكريس واقع ميداني يمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، ويقوّض أي إمكانية مستقبلية لحل الدولتين.
ويشير إلى أن هذه السياسات تتناقض، بحسب رأيه، مع تعهدات دولية سابقة، بما فيها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافضة لضم الضفة الغربية.
غياب الأفق السياسي وتآكل خيار الدولتين
في جوهر تحليله، يؤكد فريدمان أن الأزمة الأساسية في السياسة الإسرائيلية الحالية تتمثل في غياب أي رؤية سياسية شاملة، خصوصاً فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مشددا على أن إسرائيل، وفق هذا المنطق، لا تستطيع تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة في غزة أو لبنان أو سوريا أو حتى على مستوى علاقاتها الإقليمية، ما لم تنخرط بجدية في مسار يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية تعيش إلى جانبها.
ويرى أن هذا المسار وحده قادر على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، بما في ذلك إضعاف النفوذ الإيراني وفتح الباب أمام توسيع اتفاقيات التطبيع، خصوصاً مع دول مثل السعودية، ورغم إقراره بصعوبة هذا الخيار، وانتقاده المتكرر للضعف والفساد داخل بعض أوساط القيادة الفلسطينية، إلا أنه يعتبر أن سياسات نتنياهو ساهمت في إضعاف أي بدائل فلسطينية معتدلة، ما زاد من تعقيد المشهد.
تحذيرات من أزمة ثقة أمريكية متصاعدة
وينقل فريدمان عن حالة مزاج سياسي أمريكي متغير تجاه إسرائيل، مشيراً إلى أن قطاعات متزايدة من الرأي العام في الولايات المتحدة باتت تنظر إلى إسرائيل بقيادة نتنياهو باعتبارها طفلاً مدللاً يفرط في الاعتماد على الدعم الأمريكي دون تقديم أفق سياسي واضح، محذرا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الدعم التقليدي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وهو ما يشكل، بحسب وصفه، تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
الداخل الإسرائيلي: خطاب سياسي يغذي التوتر
يربط الكاتب بين سلوك بعض الجنود والمستوطنين في الضفة الغربية، وبين الخطاب السياسي السائد داخل الحكومة الإسرائيلية، معتبراً أن هذا الترابط يعكس بيئة سياسية تغذي التطرف وتضعف المنظومة الأخلاقية داخل المجتمع، منتقدا مواقف شخصيات سياسية أمريكية تدعم سياسات ضم الضفة الغربية، معتبراً أن مثل هذه المواقف تسهم في تعميق عدم الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك تداعيات محتملة على دول مجاورة مثل الأردن.
لبنان: بين الفشل العسكري والحاجة إلى "خيار ثالث"
في مقاربته للملف اللبناني، ينتقد فريدمان ما يعتبره تكراراً غير مجدٍ للعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، والتي بلغت، بحسب تقديره، سبع عمليات منذ عام 1979، دون تحقيق استقرار دائم، واصفا هذا النهج بأنه حلقة مفرغة تقوم على تكرار التجربة نفسها مع توقع نتائج مختلفة، وهو ما يعتبره إخفاقاً استراتيجياً واضحاً، وبدلاً من خيار الاجتياح العسكري أو ترك الوضع القائم على حاله، يقترح فريدمان ما يسميه "الخيار الثالث"، والذي يربطه بمبادرة أو مقاربة أمريكية يمكن أن يقودها دونالد ترامب لإعادة ترتيب الوضع في لبنان.
ملامح تصور مقترح لخطة ترامب لإنقاذ لبنان
يعرض الكاتب تصوراً يقوم على مجموعة من الخطوات الأساسية، أبرزها:
- انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.
- نشر قوات دولية مدعومة من حلف الناتو لتأمين المنطقة بالتنسيق مع الجيش اللبناني.
- إبقاء السلطة السيادية للجيش اللبناني في إدارة المرحلة الانتقالية.
كما يشيد فريدمان بقيادات لبنانية، من بينها الرئيس جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، واصفاً إياها بأنها تمثل نماذج سياسية تعددية يمكن أن تساهم في تعزيز الاستقرار إذا ما تجنبت البلاد الانزلاق إلى صراع داخلي.
حزب الله وإعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي
ويرى فريدمان أن هذا المقترح، في حال تطبيقه، قد يضع حزب الله أمام اختبار داخلي حقيقي، ويحدّ من قدرته على استخدام الصراع الخارجي كذريعة دائمة لتعزيز نفوذه العسكري والسياسي، محذرا من أن عدم انخراط الحزب في أي تسوية من هذا النوع سيجعله، بحسب وصفه، أداة ضمن النفوذ الإيراني في المنطقة، تستخدم الصراع اللبناني-الإسرائيلي كجزء من استراتيجية أوسع تمتد إقليمياً.
دعوة لإعادة هندسة المشهد الإقليمي
ويقدم فريدمان رؤية تعتبر أن استمرار السياسات الحالية في إسرائيل ولبنان سيقود إلى مزيد من العزلة السياسية لإسرائيل، وإلى تعميق عدم الاستقرار في محيطها الإقليمي، داعيا إلى تبني مقاربة دولية جديدة، قد تقودها الولايات المتحدة في حال عودة ترامب إلى واجهة القرار السياسي، بهدف إعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط على أسس أكثر استقراراً، تضمن أمن إسرائيل من جهة، وتفتح أفقاً سياسياً للبنان والفلسطينيين من جهة أخرى.

