"لعنة العقد الثامن": هل يواجه الكيان الصهيوني لحظة الانهيار الذاتي؟
علا القارصلي
ملخص :
تحتل "لعنة العقد الثامن" مكانة مركزية ومتعاظمة في الوعي الجمعي الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء، إذ لم تعد مجرد هاجس لاهوتي أو أسطورة تاريخية عابرة، بل تحولت فعلياً إلى محرك استراتيجي عميق يوجه بوصلة القرارات السياسية والعسكرية الكبرى في اللحظة الراهنة، ويظهر هذا المصطلح في الفضاء العام كعقدة نفسية وتاريخية تتغذى على مخاوف الانهيار البنيوي من الداخل، مما جعل النخب الحاكمة في تل أبيب تستشعر خطراً وجودياً داهماً مع اقتراب الدولة من إتمام ثمانين عاماً من عمرها، وهذا التحول الجذري من النبوءة الغيبية إلى التحليل الجيوسياسي يعكس حالة القلق الوجودي التي بدأت تسيطر على مراكز صنع القرار، حيث يتم الربط دائماً بين التصدعات الاجتماعية الحادة وبين السوابق التاريخية التي شهدت تآكل السيادة اليهودية قبل وصولها إلى مئويتها الأولى، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام تساؤلات استراتيجية حول مدى قدرة الكيان المعاصر على كسر الطوق الزمني الذي خنق التجارب السياسية القديمة، ومن هنا تبرز الضرورة المنهجية للعودة إلى الجذور التاريخية للممالك القديمة لفهم أصل هذه العقدة التي تطارد العقل الصهيوني المعاصر وتؤثر في رؤيته للصراع المستمر مع المحيط.
جذور الممالك اليهودية القديمة
التاريخ السياسي لليهود في فلسطين سجل قيام كيانين مستقلين قديماً، وكلاهما تهاوى وسقط في عقده الثامن نتيجة التفسخ الداخلي قبل الضغط الخارجي، حيث بدأت التجربة الأولى بمملكة داود وسليمان التي يرجع تاريخها إلى حوالي عام 1010 قبل الميلاد، واستمرت حتى عام 930 قبل الميلاد تقريباً، وبموت الملك سليمان في بداية العقد الثامن من حياة هذه المملكة، بدأت بوادر الانقسام والتشظي تغلب على ملامحها السياسية، مما أدى في نهاية المطاف إلى انقسامها إلى مملكتين ضعيفتين هما مملكة إسرائيل في الشمال التي ضمت عشرة أسباط ومملكة يهوذا في الجنوب التي ضمت سبطين فقط، وهذا التفتت الذي أعقب ثمانين عاماً من القوة جعل منهما فريسة سهلة للقوى الإقليمية الصاعدة -آنذاك- مثل الآشوريين والبابليين، وهو ما يرسخ في الوعي التاريخي فكرة أن الانهيار يبدأ دائماً من الذات نتيجة صراعات السلطة وتآكل الوحدة الوطنية بمجرد الوصول إلى تلك الحقبة الزمنية الحرجة التي تمثل ذروة عمر الجيل الثالث الذي لا يأخذ فكرة انهيار الدولة على محمل الجد.
وحسب تحليل المصادر التاريخية وتفاصيل تجربة مملكة الحشمونائيم، فإن الكيان الثاني الذي أقامه اليهود بدأ حوالي عام 140 قبل الميلاد نتيجة لثورة يهوذا المكابي ضد الحكم اليوناني، وبالرغم من الزخم العسكري الذي أظهرته هذه المملكة في بداياتها، إلا أنها دخلت في طور الفوضى والاقتتال الداخلي بمجرد وصولها إلى عقدها الثامن، حيث استمرت كمملكة موحدة وذات سيادة لمدة 77 عاماً فقط، ومع تفاقم الصراعات بين المعسكرات المتنافسة على التاج، اضطر القادة المتصارعون إلى الاستنجاد بالقوى الخارجية وتحديداً القائد الروماني بومبي في سوريا، مما حول الدولة من كيان مستقل إلى دولة تابعة ومحمية تدهورت تدريجياً حتى انهارت تماماً وسقطت تحت الهيمنة الرومانية الكاملة، وهذه التجارب التاريخية المريرة هي التي بلورت ما يعرف بـ "عقدة الثمانين" في العقلية الصهيونية الحالية.
انهيار الدول
إن تاريخ العالم يشهد أن الدول غالباً ما تنهار حول رقم ثمانين عاماً أو مضاعفاته، مستشهداً بالدولة الأموية التي سقطت بعد 92 عاماً من قيامها، والدورات المتعاقبة داخل الدولة العباسية التي كانت تتجدد كل ثمانين عاماً تقريباً بدخول قوى جديدة مثل الأتراك ثم البويهيين ثم السلاجقة، وحتى التاريخ الأندلسي لم يخرج عن هذه القاعدة في انقساماته المتعاقبة، ويمتد هذا التحليل ليشمل القوى الدولية الحديثة، حيث سقط الاتحاد السوفيتي بعد حوالي 74 عاماً من الثورة البلشفية، وشهدت الولايات المتحدة حربها الأهلية الطاحنة بعد 85 عاماً من تأسيسها، مما يعزز الفرضية القائلة بأن العقد الثامن يمثل مرحلة الشيخوخة السياسية للأنظمة التي تفشل في تجديد نخبها أو الحفاظ على تماسكها الاجتماعي، وهذا السياق التاريخي الواسع يمنح "لعنة العقد الثامن" في الحالة الإسرائيلية بعداً كونياً يتجاوز النصوص الدينية ليصبح قانوناً تاريخياً تخشاه النخب السياسية التي ترى في التصدعات الداخلية الحالية نذيراً بنهاية الدورة السياسية للكيان الصهيوني.
التأصيل الديني في النصوص
يوجد تأصيل ديني عميق لهذه المخاوف يستند إلى نصوص واضحة في العهد القديم، حيث يشير المزمور رقم 90 صراحة إلى أن سنوات القوة في عمر الممالك تصل إلى 80 عاماً، وهو النص الذي يفسره التيار التدبيري وجماعات اليمين المسيحي الصهيوني على أنه السقف الزمني الحتمي للوجود السياسي المستقل، ويرى هؤلاء أن أي مملكة تصل إلى العقد الثامن وهي في قمة قوتها العسكرية تصبح عرضة لدمار مباغت وانهيار مفاجئ، وهذا التفسير اللاهوتي يتم توظيفه استراتيجياً لتعزيز فرضية أن النهاية التاريخية تقترب بخطى حثيثة، مما يدفع ببعض التيارات الدينية إلى ربط الواقع الميداني المتأزم بنبوءات غيبية تتحدث عن معارك نهائية كبرى، وهذا الربط المتعمد بين النص الديني والواقع الجيوسياسي يزيد من حالة التوجس الشعبي داخل المجتمع الإسرائيلي، ويجعل من "اللعنة" مادة حية وحاضرة بقوة في النقاشات العقائدية التي تداخلت بشكل لا يمكن فصمه مع الخطاب العسكري والسياسي الرسمي للدولة.
وحسب تحليل رؤية التيار المسيحي الصهيوني وعقيدة سكوفيلد التي صيغت في عام 1909، فإن هناك اعتقاداً جازماً لدى ملايين البروتستانت في أمريكا بما يعرف بـ "عقيدة الاختطاف"، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية الكيان الصهيوني في عقده الثامن، وتفترض هذه العقيدة أن المسيح سينزل في السماء ليخطف المؤمنين به قبل وقوع دمار عظيم يضرب منطقة الشرق الأوسط، ويؤمن أتباع هذا التيار بأن هناك مقدمات ضرورية لهذا الحدث تشمل كسر قوة إيران التي يسمونها عيلام وقتل قادتها الروحيين، وتشكل حلف يأجوج ومأجوج الذي يضم روسيا الممثلة في مدن مثل توبولسك وماشك وتركيا والسودان وليبيا، ويرى التدبيريون أن الأحداث الجيوسياسية الحالية هي تنفيذ حرفي لما ورد في سفر حزقيال 38 وسفر أرميا 49، وهذا النوع من الفكر اللاهوتي المتطرف يتقاطع مع طموحات ومخاوف القادة السياسيين في إسرائيل، الذين يستغلون هذه السرديات تارة لضمان الدعم الإنجيلي الأمريكي وتارة أخرى للتحذير من مغبة التفكك الذي قد يعجل بحلول الدمار، ومن هذا البعد الغيبي انتقل الهوس بالبقاء من بطون الكتب الدينية إلى منصات التصريحات العلنية لكبار المسؤولين.
هواجس القيادة السياسية الإسرائيلية
حسب ما ورد مع مقال نشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وتصريحات إيهود باراك في عام 2022، فإن رئيس الوزراء الأسبق عبر بوضوح فج عن مخاوفه من عدم وصول إسرائيل إلى مئويتها الأولى، مستشهداً بانهيار دول وأنظمة عظمى في عقدها الثامن.
وفي تتبع لخطابات بنيامين نتنياهو في عام 2017، فإنه يبدو مسكوناً بهاجس الاستمرارية وغير واثق تماماً من قدرة دولته على البقاء دون بذل جهود وجودية استثنائية، حيث صرح في ندوة مغلقة أن هدفه الأسمى هو ضمان وصول إسرائيل إلى عامها المائة، معترفاً بأن التاريخ لم يكن رحيماً بالكيانات اليهودية السابقة التي انهارت قبل هذا العمر، وفي سياق متصل، جاءت تحذيرات، نفتالي بينيت، خلال حملاته الانتخابية لتردد نفس النغمة التشاؤمية، إذ دعا الناخبين مراراً للوقوف خلف ائتلافه لتجاوز خطر التفكك والاندثار الذي يهدد الدولة في عقدها الثامن، وهذه الاستراتيجيات الخطابية تعكس رغبة واضحة من القادة في استخدام "لعنة العقد الثامن" كأداة للترهيب السياسي وتوحيد الجبهة الداخلية المتصدعة، إلا أنها في الوقت نفسه كشفت عن عمق الضعف النفسي والارتباك الاستراتيجي الذي يعاني منه الكيان أمام حتمية الزمن وتجارب الماضي التاريخي، وهو ما منح خصوم الكيان مادة دسمة للاستثمار في هذا الانهيار المعنوي.
ووفق ما رصده المحللون أمثال مائير ابن شاحر، وعوزي ديان في صحيفة "هارتس" عام 2020، فإن القلق من دخول العقد الثامن أصبح يتصدر الأبحاث الاستراتيجية الرصينة، وانضمت إليهم الباحثة عينات شوشان رافائيلي في عام 2023 للتحذير مما أسمته متلازمة العقد الثامن، حيث يرى هؤلاء أن الدولة تعاني من "كراهية الذات" وصراعات هوياتية لا يمكن جسرها بين العلمانيين والمتدينين، وهذا الاستقطاب الحاد جعل المجتمع الإسرائيلي يشعر بأنه يواجه عدواً داخلياً أكثر خطورة من الجيوش الخارجية، وتتجلى هذه المخاوف في تزايد الحديث عن الفساد السياسي المستشري وفقدان البوصلة الوطنية، مما يعزز القناعة بأن إسرائيل قد وقعت بالفعل على شهادة زوالها بيدها، وأن الانتحار الجماعي السيادي أصبح سيناريو مطروحاً بقوة في ظل غياب رؤية وطنية موحدة تجمع الشتات المتناحر تحت سقف واحد.
المقاومة الفلسطينية ونبوءة الزوال
قدم الشيخ أحمد ياسين تأسيساً فكرياً واستراتيجياً لنبوءة زوال إسرائيل، مستنداً إلى رؤية قرآنية وتاريخية تفترض دورة تغير الأجيال كل 40 عاماً، حيث حلل مسار الصراع بدءاً من النكبة في عام 1948 كجيل أول للضياع، ثم جيل الانتفاضة والمواجهة في عام 1987 كجيل ثانٍ استعاد زمام المبادرة، وصولاً إلى توقعه الحاسم بزوال الكيان في عام 2027، واعتبر الشيخ ياسين أن هذا التاريخ يمثل نهاية القدرة التوسعية للصهيونية وبداية انكماشها واندثارها الفعلي.
وفي تحليل الكلمة المصورة لأبي عبيدة في أكتوبر من عام 2023، فقد انتقل مصطلح "لعنة العقد الثامن" من الإطار الفكري والنظري إلى الإطار العسكري والعملياتي المباشر، حيث استخدمه الناطق باسم كتائب القسام التابع لحركة "حماس" كجزء أصيل من الحرب النفسية الموجهة لتفكيك إرادة المجتمع والجيش الإسرائيلي، ودعا الصهاينة صراحة إلى العودة لتلموذهم وقراءته جيداً ليدركوا أن زمن انكسارهم قد بدأ فعلياً، وهذا التوظيف الاستراتيجي للنبوءة يعكس إدراكاً عميقاً من المقاومة لحجم الهشاشة النفسية داخل الكيان الصهيوني، فالتأكيد على هذا المصطلح في أوج المعارك الضارية هدف إلى تعميق حالة الرعب الوجودي لدى الجندي والمستوطن، وإشعارهم بأنهم يقاتلون ضد حتمية تاريخية وقدر محتوم لا يمكن رده بالقوة العسكرية، مما يقلب المعادلات الميدانية ويجعل المقاتل الفلسطيني أكثر ثباتاً ويقيناً في مواجهة آلة حربية تعاني من صراعات داخلية وهواجس زوال لا تتوقف.
حرب غزة وانقسام المجتمع
وفي استقراء لتقارير صحفية حول أثر طوفان الأقصى، فإن هذه الحرب لم تؤدِّ إلى توحيد المجتمع الإسرائيلي خلف قيادته كما جرت العادة في الأزمات الكبرى، بل ساهمت في تعميق التصدعات الداخلية بشكل غير مسبوق وجعلتها تخرج إلى العلن بصورة فجة، حيث تحولت المظاهرات من الاحتجاج على ما سمي بالانقلاب القضائي إلى صراعات مفتوحة ضد الفشل الذريع في إدارة المعركة وملف الأسرى، ويرى المحللون الاستراتيجيون أن هذه الحالة من التفسخ المجتمعي هي الملمح الأبرز الذي يسبق السقوط التاريخي في نظر أصحاب نبوءة العقد الثامن، فالانقسام بين التيارات العلمانية والدينية المتشددة، وتصاعد حدة التوتر مع الحريديم حول قضايا الخدمة العسكرية والهوية السياسية للدولة، كلها عوامل تشير إلى تآكل الهوية الوطنية الجامعة، وهو ما يجعل الكيان الإسرائيلي يواجه خطر الانهيار الداخلي قبل أن يواجه التهديدات الخارجية.
الدفاع الإسرائيلي وتفنيد اللعنة
في كتاب "البيت الثالث" للكاتب آري شافيت، تبذل المؤسسة الإسرائيلية جهوداً ثقافية وفكرية مكثفة لمواجهة هذا التشاؤم التاريخي الذي بات ينخر في عظام المجتمع، حيث يسعى المفكرون الصهاينة إلى إعادة تصوير الدولة كمعجزة بشرية فريدة لا تخضع للقوانين التاريخية التقليدية التي أطاحت بالإمبراطوريات والممالك السابقة، ويحاولون غرس ما يسمى بـ "ثقافة الموت والفداء" لضمان ولاء الأجيال الجديدة للمشروع الصهيوني ومنع تفكك الهوية الوطنية تحت ضغط الأزمات، ويرى شافيت أن التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل اليوم ليس أمنياً أو عسكرياً فحسب، بل هو تحدي تفكك الهوية الذي يجب التغلب عليه من خلال إعادة تجميع الشتات الفكري والثقافي، وهذا التوجه يهدف بشكل أساسي إلى إقناع الإسرائيلي بأن البقاء ممكن ومضمون إذا ما تم تجاوز الصراعات الداخلية التي دمرت الممالك السابقة في عقدها الثامن.
يحاول التيار العلماني تفنيد النبوءات، من خلال سعي حثيث لاستبدال النصوص الغيبية بوقائع القوة العسكرية الغاشمة والتفوق التكنولوجي النوعي كضمانة وحيدة لتجاوز عقدة الثمانين عاماً، ويحاول هذا التيار إقناع الجمهور بأن الدولة الحديثة تمتلك أدوات بقاء وتحالفات دولية لم تكن متوفرة لمملكة داود أو سلالة الحشمونائيم، إلا أن استمرار قادة سياسيين وعسكريين في استحضار هذه اللعنة في خطاباتهم الرسمية يضعف من أثر هذه المحاولات.

