غزة تحت وطأة المليشيات المسلحة: هجمات وخطف بتغطية إسرائيلية
ملخص :
في تطور لافت، شنت مليشيات مسلحة، تعمل بتعاون وثيق مع الاحتلال الإسرائيلي، هجومين متزامنين استهدفا مناطق سكنية متاخمة لما يعرف بالخط الأصفر في خان يونس جنوب قطاع غزة، وحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.
وتكشف المعلومات الميدانية عن أن المليشيات، التي تحركت تحت غطاء من الطائرات الإسرائيلية المسيرة، حرصت على التقاط صور سريعة تظهر تفاعلها مع السكان المحليين من خلال توزيع السجائر على بعضهم، وذلك في محاولة للتغطية على النوايا الحقيقية لتلك العمليات.
وتتمركز هذه المليشيات في خمس مناطق على طول المناطق الشرقية للقطاع، حيث تتلقى الحماية من جيش الاحتلال ضمن ما تسميه إسرائيل بالخط الأصفر.
هجمات متزامنة وترويع السكان
بدأت المليشيات مؤخرا بشن هجمات متزايدة على التجمعات السكانية القريبة من الخط الأصفر، مستغلة الغطاء الناري الذي يوفره جيش الاحتلال، الذي يتخذ منها أدوات لتنفيذ مخططاته في قطاع غزة، وفقا لما صرح به مسؤول في أمن المقاومة.
ويروي شهود عيان من سكان منطقة مفترق دولة في حي الزيتون تفاصيل الحادثة الأخيرة التي وقعت، حيث قام عشرات المسلحين الذين كانوا يستقلون حافلة كبيرة بترويع السكان المقيمين على أنقاض منازلهم في المنطقة المحاذية للخط الأصفر بشكل مباشر.
واضاف الشهود ان المسلحين قاموا باجبار نحو 20 شخصا، من بينهم نساء وأطفال، على الصعود إلى الحافلة تحت تهديد السلاح، ثم انطلقوا بهم لمسافة مئات الأمتار داخل الخط الأصفر.
اختطاف واطلاق سراح مشروط
وبين شهود العيان الذين تحدثوا للجزيرة نت، أنه تحت حماية الطائرات المسيرة الإسرائيلية، أطلق المسلحون سراح النساء والأطفال بعد توثيق ذلك بالصور، ومنحوهم بعض الألعاب، لكنهم احتفظوا بستة شبان ولا يزال مصيرهم مجهولا.
واكد الشهود ان تزامن هذه الحادثة مع تقدم مركبتين تقلان مسلحين إلى منطقة الشيخ ناصر غرب الخط الأصفر في خان يونس، يكشف عن تنسيق محكم.
ووفقا لتوثيق نشره أفراد المليشيات، قاموا بتوزيع السجائر على بعض الأفراد في المكان قبل أن ينسحبوا، لكن عناصر من المقاومة بادرتهم بقذيفة أدت إلى مقتل عدد منهم وهروب آخرين، مما استدعى تدخل الطائرات لتأمين طريق لهروبهم.
اهداف الاحتلال واجهاض المقاومة
في هذا السياق، قال مسؤول في أمن المقاومة إن المليشيات المسلحة تنفذ مخططات الاحتلال بهدف زعزعة الجبهة الداخلية وإجبار السكان المقيمين قرب الخط الأصفر على مغادرة أماكن إقامتهم، وذلك في محاولة لتوسيع المساحة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال.
واضاف المسؤول الامني ان أمن المقاومة تمكن من إجهاض مخطط يقوم على سيطرة مليشيات مسلحة على تجمعات سكنية دون مغادرتها، وتكرار السيناريو نفسه في عدة مناطق داخل قطاع غزة.
وبين المسؤول ان يقظة المقاومة والأجهزة الأمنية، ونبذ المواطنين لتلك المليشيات حالا دون تمكنها من الاحتفاظ بالمناطق التي تتسلل إليها بحماية جنود الاحتلال، واقتصار ذلك على عمليات خاطفة غالبا ما تبوء بالفشل.
ادوات لتنفيذ المخططات
وشدد المصدر نفسه على أن الاحتلال يتخذ من المليشيات أدوات له لتنفيذ مخططات تهدف إلى نشر الفوضى داخل قطاع غزة، دون اضطرار الجيش الإسرائيلي إلى تعريض نفسه للخطر.
واشار المصدر الى أن المعلومات التي توصلوا إليها كشفت تكرار اجتماعات ضباط المخابرات الإسرائيلية بالقائمين على المليشيات في معسكرات الجيش الحدودية، وتزويدهم بالمهام المطلوبة منهم.
ولفت المصدر الى أن قوات الاحتلال كررت في الآونة الأخيرة استهداف نقاط انتشار الأجهزة الأمنية داخل قطاع غزة، بهدف تهيئة الظروف الميدانية لتسلل عناصر المليشيات العميلة إلى المناطق السكنية وتسهيل مهام ترويع واختطاف مواطنين.
تاريخ المليشيات وتكويناتها
وبدا الاحتلال الإسرائيلي الاعتماد على المليشيات المسلحة بعد أشهر من بدء الحرب على غزة في السابع من أكتوبر، مستقطبا أصحاب السوابق المدانين بجرائم أمنية سابقة تتعلق بالتخابر مع الاحتلال وقضايا اتجار وتعاطي مخدرات.
وتشكلت أول مليشيا مسلحة في المناطق الشرقية لمدينة رفح جنوب القطاع بقيادة ياسر أبو شباب، ثم تولى غسان الدهيني زعامتها عقب مقتله، ومن ثم برزت أخرى في المناطق الشرقية لمدينة خان يونس بقيادة حسام الأسطل، وثالثة تتمركز شرق المحافظة الوسطى يتزعمها شوقي أبو نصيرة، ورابعة تنتشر شرق محافظة غزة بقيادة رامي حلس، وخامسة تتمركز شمال قطاع غزة بقيادة أشرف المنسي.
واضاف المصدر انه بناء على المعلومات التي جمعتها الأجهزة الأمنية في القطاع، فإن أعداد المنتمين للمليشيات مجتمعة تقدر بما بين 700 و1000 شخص.
استراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي
ويرى مدير مركز الدراسات السياسية رامي خريس أن التحركات الأخيرة للمليشيات المسلحة أصبحت عنصرا مركزيا في إستراتيجية الاحتلال للتحكم الداخلي، حيث يتم توظيفها لتنفيذ عمليات اغتيال وجمع معلومات وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي.
واوضح خريس انه يمكن النظر إلى الخط الأصفر الذي يلتهم ما يزيد عن 50% من مساحة قطاع غزة بوصفه منطقة وسيطة بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة وأنماط السيطرة غير المباشرة القائمة على إدارة المجال الأمني عن بعد.
وعدد خريس اليات السيطرة غير المباشرة من خلال استخدام الغطاء الناري أو الجوي بصورة غير مباشرة لتهيئة بيئات تشغيل محددة، وتوظيف مجموعات محلية بدرجات متفاوتة في مهام الرصد أو التنفيذ، واختبار أنماط سيطرة أمنية دون الحاجة إلى احتلال مادي دائم للأرض.
تأثيرات مقصودة
ويحذر خريس من أنه إذا استمر هذا النمط من العمل الأمني الإسرائيلي، فإن أثره لا يقتصر على تحقيق أهداف تكتيكية آنية، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية والاجتماعية للصراع.
واكد خريس ان هذا النمط من العمل الامني يهدف الى اضعاف مستويات الثقة داخل المجتمع المحلي، واستنزاف القدرات الأمنية في معالجة تهديدات داخلية متغيرة، وخلق تهديد دائم منخفض الظهور يصعب ضبطه بوسائل تقليدية، ونقل جزء من عبء الأمن من المؤسسات المنظمة إلى المجتمع ذاته.
ووفقا لخريس، فإن المواجهة التي تدور بين الأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة ستوفر بيئة أمنية مستقرة نسبيا، مع ضرورة الحرص المتواصل على تقليص محاولات الاختراق وتحويل المجتمع إلى خط دفاع أول.
رفض شعبي واسع
وتنشط القوى الفلسطينية والعائلات في قطاع غزة في مجابهة العصابات ورفع الغطاء العشائري عن المنتمين لها، حيث نظمت لجنة الإسناد الفصائلي والمجتمعي في شمال غزة مؤتمرا صحفيا وطنيا بمشاركة ممثلي القوى الوطنية والإسلامية والعائلات والعشائر والمخاتير لتعزيز وحدة الصف الفلسطيني وحماية الجبهة الداخلية من أي محاولات اختراق أو عبث.
واكد المختار يحيى الكفارنة في كلمة له نيابة عن العائلات والعشائر رفضهم التام لأي سلوك يخدم الاحتلال، مشددا على أن من ينخرط في مثل هذه الأفعال يضع نفسه خارج القيم والأعراف المجتمعية ولا يحظى بأي غطاء أو سند اجتماعي.
كما دعا إلى الحفاظ على السلم الأهلي ومعالجة هذه القضايا ضمن الأطر القانونية، واشار إلى أن وحدة الشعب الفلسطيني وصمود جبهته الداخلية يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات ولا مكان لأي جهة أو فرد يعبث بأمن المجتمع أو يخرج عن ثوابته الوطنية.

