أثرياء العالم وصناعة النفوذ الإعلامي: هيمنة متنامية على صناعة الوعي
ملخص :
يشكّل استحواذ كبار الأثرياء على وسائل الإعلام ومنصات التواصل ظاهرة متجذرة في الاقتصاد السياسي العالمي، غير أن المشهد الراهن يكشف عن مستوى أكثر تعقيدًا من تداخل المال بالتأثير الإعلامي، إذ يسيطر عدد محدود من أغنى رجال الأعمال في العالم على منصات رقمية وشركات إعلامية عملاقة، في ظل اتهامات ومخاوف متزايدة من توظيف هذا النفوذ في توجيه الرأي العام، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وإسرائيل.
وتشير المتابعات إلى أن ستة من بين أغنى عشرة أشخاص في العالم يمتلكون أو يديرون مؤسسات إعلامية ومنصات تواصل كبرى، وسط جدل واسع حول طبيعة التوجهات التحريرية والسياسات الرقمية التي تعتمدها هذه المنصات، وما إذا كانت تعكس انحيازات سياسية أو مصالح استراتيجية.
إيلون ماسك: منصة "إكس" بين النفوذ السياسي والجدل الدولي
يُعد إيلون ماسك، مؤسس شركتي تسلا وسبيس إكس، أغنى رجل في العالم، وقد أحدثت صفقة استحواذه على منصة "تويتر" وتحويلها إلى "إكس" تحولًا كبيرًا في سياسات المحتوى، حيث أظهرت تقارير إعلامية متخصصة ميولًا واضحة نحو تعزيز المحتوى اليميني داخل المنصة.
وكان ماسك قد زار إسرائيل بعد اندلاع الحرب على غزة، والتقى برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في لقاء أثار اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، خصوصًا بعد الاتهامات الموجهة للمنصة بتضخيم محتوى مرتبط بخطاب الكراهية، كما شهدت أدوات الذكاء الاصطناعي التابعة له جدلًا بعد تقارير تحدثت عن تعليق مؤقت لأحد أنظمة "غروك" إثر إجاباته حول الحرب في غزة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن ماسك يعمل على تطوير منصات معرفية تنافس الموسوعات الرقمية التقليدية، وسط انتقادات تتعلق بطبيعة المحتوى وإدارته.
لاري إليسون: توسع إعلامي واستثمارات ذات أبعاد سياسية
يبرز لاري إليسون، مؤسس شركة أوراكل، كأحد أبرز رجال الأعمال في قطاع التكنولوجيا، وتمتد استثماراته إلى قطاع الإعلام بعد استحواذه على شبكة "سي بي إس"، وتعيين شخصيات إعلامية معروفة بتأييدها لإسرائيل في مواقع قيادية داخل المؤسسة، كما تسعى شركاته إلى توسيع حضورها في سوق الإعلام العالمي عبر صفقات استحواذ محتملة تشمل مؤسسات كبرى، في وقت تشير فيه تقارير إلى علاقات وثيقة تجمعه بمسؤولين إسرائيليين، إضافة إلى دعمه المالي لمؤسسات مرتبطة بإسرائيل ومشاريع في المنطقة.
لاري بيج وسيرجي برين: قوة البيانات في قلب الصراع المعلوماتي
يمتلك لاري بيج وسيرجي برين شركة "غوغل"، ومنصة "يوتيوب"، وهما من أكبر منصات المعلومات في العالم، وتُقدّر ثرواتهما بمئات المليارات من الدولارات، وتشير تقارير صحفية إلى حصول شركات تابعة لهما على عقود مع الحكومة الإسرائيلية ضمن حملات رقمية واسعة، هدفت إلى تحسين صورة إسرائيل عالميًا خلال الحرب على غزة، وفق ما وصفته بعض التحليلات بحملات "إدارة صورة رقمية"، كما كشفت تحقيقات صحفية عن مشاركة شركات التكنولوجيا الكبرى في مشاريع سحابية ضخمة مع إسرائيل، ما يتيح بنية تحتية رقمية متقدمة تستخدمها مؤسسات حكومية وأمنية، كما أفادت تقارير بأن شركات التكنولوجيا الكبرى، بما فيها غوغل، شاركت في تقديم تقنيات ذكاء اصطناعي ذات استخدامات عسكرية خلال مراحل مبكرة من الحرب.
أمازون وجيف بيزوس: الإعلام والبيانات في منظومة واحدة
يملك جيف بيزوس، مؤسس أمازون، إلى جانب امتلاكه صحيفة "واشنطن بوست"، وقد أثارت التغييرات التحريرية داخل الصحيفة نقاشًا واسعًا حول استقلالية القرار الإعلامي، كما توسعت أمازون في قطاع البث والترفيه والتقنيات الرقمية، في وقت تشير فيه تقارير إلى تعاون تقني واسع مع جهات حكومية إسرائيلية، عبر خدمات الحوسبة السحابية والبنية الرقمية، وتتحدث تقارير استقصائية عن استخدام هذه الخدمات في دعم مؤسسات عسكرية وصناعية، ما يثير جدلًا حول حدود العلاقة بين القطاع التكنولوجي والأنشطة الأمنية.
مارك زوكربيرغ: "ميتا" بين إدارة المحتوى والاتهامات بالانحياز
يمتلك مارك زوكربيرغ شركة "ميتا" التي تشمل منصات فيسبوك وإنستغرام وواتساب، وتواجه الشركة منذ سنوات انتقادات تتعلق بسياسات إدارة المحتوى، خصوصًا فيما يخص المحتوى المرتبط بالقضية الفلسطينية، حيث تشير تقارير إلى حذف عشرات آلاف المنشورات استجابة لطلبات رسمية من جهات حكومية إسرائيلية، كما تحدثت تقارير إعلامية عن وجود موظفين سابقين في وحدات استخباراتية داخل شركات التكنولوجيا الكبرى، ما أثار نقاشًا حول تأثير الخلفيات الأمنية على سياسات المحتوى والذكاء الاصطناعي داخل المنصات، وتتهم جهات حقوقية الشركة بانتهاج سياسات غير متوازنة في التعامل مع المحتوى السياسي المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط.
النفوذ الرقمي وإعادة تشكيل الرأي العام
تعكس هذه المعطيات اتساع الدور الذي تلعبه شركات التكنولوجيا والإعلام في تشكيل الخطاب العالمي، حيث لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في إدارة تدفق المعلومات، ويخلق تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية في هذا القطاع بيئة معقدة، قد تؤثر على حيادية المحتوى الرقمي، وتفتح الباب أمام جدل مستمر حول مفهوم حرية التعبير وحدود الرقابة الرقمية.

