صراع صلاحيات بين ترامب والكونغرس يتصاعد بشأن الحرب في إيران
ملخص :
على مدى ما يقرب ثمانية أسابيع من العمليات العسكرية الأمريكية الجارية في إيران، تمكن الجمهوريون في الكونغرس من إحباط سلسلة من المحاولات الديمقراطية الرامية إلى وقف الحرب وإلزام الرئيس دونالد ترامب بالعودة إلى المشرّعين للحصول على تفويض رسمي أو على الأقل التشاور معهم بشأن مسار الحملة العسكرية.
وتأتي هذه التطورات في ظل جدل دستوري وسياسي متصاعد حول حدود صلاحيات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، مقابل الدور الرقابي والتشريعي للكونغرس في قرارات الحرب والسلم.
وحاول الديمقراطيون من جانبهم مراراً تفعيل بنود "قانون صلاحيات الحرب" الصادر عام 1973، والذي يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس على خوض نزاعات عسكرية طويلة دون موافقة الكونغرس، إلا أن جميع تلك المحاولات واجهت عراقيل متكررة، كان أحدثها يوم أمس الأربعاء، حين نجح الجمهوريون في مجلس الشيوخ في إسقاط مقترح مماثل للمرة الخامسة منذ بدء العمليات.
مهلة الـ 60 يوماً تقترب من نهايتها
رغم التعثر التشريعي، يبرز عامل زمني ضاغط يتمثل في المهلة القانونية المنصوص عليها في قانون سلطات الحرب، والتي تحدد سقفاً زمنياً مدته 60 يوماً لعمليات القتال التي تُنفذ دون تفويض من الكونغرس، ما لم يتم اتخاذ إجراءات تشريعية لاحقة، وبحسب القانون، يبدأ احتساب هذه المهلة من تاريخ إخطار الكونغرس رسمياً بالعملية العسكرية، وهو ما جرى في 2 مارس/ آذار، رغم أن العمليات بدأت فعلياً في 28 فبراير/ شباط ضمن ضربات مشتركة مع إسرائيل، وفق ما أعلنته الإدارة الأمريكية حينها، وبذلك، من المقرر أن تنتهي المهلة في الأول من مايو/ أيار، ما يضع إدارة ترامب أمام استحقاق قانوني وسياسي حساس قد يعيد رسم مسار الحرب أو يفرض عليها قيوداً جديدة.
مبررات البيت الأبيض واعتراضات ديمقراطية
عند انطلاق العمليات العسكرية، برر الرئيس الأمريكي قراره بالاستناد إلى صلاحياته الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة، مشيراً إلى أن التحرك يهدف إلى حماية القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، والدفاع عما وصفه بالمصالح الوطنية الحيوية، مشددا على أن العمليات تأتي في إطار الدفاع الجماعي عن النفس لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل.
غير أن هذا التبرير قوبل بانتقادات حادة من جانب الديمقراطيين في الكونغرس، الذين اعتبروا أن الإدارة تجاوزت صلاحياتها الدستورية، وأن القرار العسكري لم يستند إلى تفويض تشريعي واضح، بما يجعله، وفق رأيهم، غير قانوني.
قراءة قانونية متباينة لصلاحيات الرئيس
في المقابل، يتمسك البيت الأبيض، إلى جانب غالبية الجمهوريين، بأن ما يقوم به الرئيس يندرج ضمن الإطار القانوني الذي يسمح له باستخدام القوة العسكرية لفترة محدودة دون تفويض مسبق من الكونغرس، ويستند هذا الطرح إلى تفسير قانون سلطات الحرب الذي يمنح الرئيس مهلة 60 يوماً لإدارة العمليات القتالية دون موافقة تشريعية، على أن يعود بعدها للحصول على تفويض أو إنهاء الانخراط العسكري، ومع اقتراب انتهاء هذه المهلة، تتزايد التساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام الإدارة، خاصة في ظل غياب توافق سياسي واضح داخل الكونغرس.
مواقف جمهورية متحفظة تتبلور
ورغم الدعم الجمهوري العام لعرقلة المبادرات الديمقراطية الرامية إلى إنهاء الحرب، بدأت تظهر مواقف داخل الحزب تشير إلى حدود هذا الدعم إذا ما تجاوزت الإدارة المهلة القانونية، فقد صرّح السيناتور الجمهوري، عن ولاية يوتا، جون كيرتس، بأنه لن يؤيد استمرار أي عمل عسكري يتجاوز مدة الستين يوماً دون تفويض صريح من الكونغرس، في موقف يعكس تمسكاً بالبعد الدستوري للمسألة، كما حذّر النائب براين ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، من أن استمرار العمليات دون غطاء تشريعي قد يؤدي إلى تراجع الدعم السياسي للإدارة داخل الحزب الجمهوري، مشيراً إلى أن مواقف المشرعين قد تتغير بشكل ملحوظ بعد الأول من مايو.
خيارات محدودة أمام الإدارة الأمريكية
وفقاً للإطار القانوني، تواجه إدارة ترامب ثلاثة مسارات رئيسية مع انتهاء المهلة:
- السعي للحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلة العمليات العسكرية بشكل رسمي.
- تقليص أو إنهاء الانخراط العسكري تدريجياً بما يتماشى مع القيود القانونية.
- اللجوء إلى تمديد محدود لمدة 30 يوماً، بشرط تقديم مبررات خطية تتعلق بتسهيل انسحاب آمن للقوات، وهو تمديد لا يسمح باستمرار العمليات الهجومية.
تفويض القوة العسكرية: أداة تشريعية غائبة منذ عقدين
يمتلك الكونغرس خياراً آخر يتمثل في إصدار تفويض رسمي لاستخدام القوة العسكرية، وهو الإجراء الذي بات الوسيلة الأساسية للموافقة على العمليات العسكرية الأمريكية بدلاً من إعلان الحرب التقليدي، غير أن هذا الخيار يظل معقداً سياسياً، إذ لم يصدر الكونغرس تفويضاً منذ عام 2002، ما يعكس حالة تردد مؤسسي تجاه الانخراط في حروب جديدة.
وفي هذا السياق، أفادت السيناتورة الجمهورية، ليزا موركوفسكي، بأنها تعمل مع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ على صياغة مشروع تفويض جديد بشأن العمليات في إيران، بهدف إعادة ضبط الإطار القانوني وتحديد الأهداف والجدول الزمني والتكاليف المرتبطة بالحرب.
جدل دستوري متجدد حول حدود السلطة التنفيذية
تاريخياً، دأبت إدارات أمريكية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على توسيع تفسير صلاحيات الرئيس في مجال العمليات العسكرية، معتبرة أن الدستور يمنحه مرونة واسعة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد سبق لإدارة الرئيس باراك أوباما أن تبنت تفسيراً مماثلاً خلال العمليات في ليبيا عام 2011، حيث استمرت التدخلات العسكرية رغم تجاوز المهلة القانونية، مع الاعتماد على تبريرات تتعلق بطبيعة العمليات وعدم انخراط قوات برية أمريكية في قتال مباشر.
كما أن الرئيس ترامب نفسه واجه انتقادات مماثلة خلال ولايته الأولى، حين استخدم حق النقض (الفيتو) ضد قرار من الكونغرس يهدف إلى إنهاء المشاركة الأمريكية في الحرب باليمن عام 2019، معتبراً أن القرار يمس صلاحياته الدستورية.
أبعاد سياسية داخلية متصاعدة
ورغم الجدل القانوني، يشير مراقبون إلى أن تجاوز المهلة الزمنية قد يتحول إلى أزمة سياسية داخلية للجمهوريين، الذين أبدوا حتى الآن قدراً كبيراً من الدعم لإدارة الحرب دون تدخل مباشر من الكونغرس، ويحذر بعض أعضاء مجلس الشيوخ من أن استمرار العمليات دون غطاء تشريعي واضح قد يضع الحزب أمام ضغوط سياسية وشعبية متزايدة، خاصة مع تصاعد التساؤلات حول أهداف الحرب وتكاليفها واستراتيجيتها.
وفي هذا السياق، اعتبر السيناتور الديمقراطي، كريس مورفي، أن المواقف السابقة لعدد من الجمهوريين تجعل من الصعب عليهم تبرير استمرار العمليات بعد انتهاء المهلة القانونية، ما قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الموقف التشريعي خلال الأسابيع المقبلة.

