ازدواجية المعايير تكشف الوجه الاخر لسياسات اسرائيل
ملخص :
بين ركام كنائس لبنان وأزقة الموت في قطاع غزة، رُسمت ملامح ازدواجية لا تخطئها العين، إذ تحركت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بكل ثقلها لترميم صورة أخلاقية خدشها جندي حطم تمثالا للمسيح في جنوب لبنان وسط رفض عالمي لهذا الاعتداء، في حين كانت تبارك في الوقت ذاته أيدي جنودها وهي توغل في دماء الفلسطينيين وأعراضهم في غزة والضفة الغربية المحتلة.
هذه المفارقة لسنا نحن من كتبناها، بل هي اعترافات مدوية خرجت من داخل البيت الإسرائيلي، لتفتح الصندوق الأسود لسياسة الصمت المطبق التي تتبعها تل أبيب بشأن فظائع قاسية وانتهاكات للكرامة البشرية، وهذا التباين الحاد يطرح سؤالا جوهريا عن ماهية القيم التي يتشدق بها جيش الاحتلال، وكيف تتحول الجرائم الجسيمة إلى مجرد أخطاء تقنية فقط حين يكون الضحية فلسطينيا.
واضافت صحيفة هآرتس أن مقتل الفلسطينيين والدمار في غزة والضفة الغربية حظيا بتعاطف أقل من تدمير تمثال السيد المسيح على يد جندي إسرائيلي في جنوب لبنان.
انتقائية العقاب تكشف ازدواجية اسرائيل
وفي مثال قريب، ساد الصمت تجاه دماء عائلة بني عودة في الضفة الغربية، إذ قُتل 4 أفراد منها برصاص القوات الإسرائيلية التي استهدفت سيارتهم في بلدة طمون يوم 15 مارس، ومع ذلك لم تجد وحدة التحقيق بوزارة العدل ضرورة لاستجواب الضباط الضالعين في القتل، بعيدا عن محاسبتهم.
وبينت الصحيفة أن سوء سلوك قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية لا يحظى باهتمام جدي إلا عندما يكون موجها إلى صحفيين أمريكيين، وليس الفلسطينيين.
واكدت الصحيفة أن سياسات نتنياهو تعتمد على الأعداء الخارجيين للحصول على دعم داخلي أعمى.
الجرائم المنظمة في الضفة الغربية
ومن هنا، يشير محللون إلى أن ما يحدث في الضفة الغربية من قتل واعتداءات ليس ظواهر طبيعية أو فردية، إذ يمكن لإسرائيل منعها أو السيطرة عليها، ولكنها جاءت نتيجة دعم حكومي وقرار تدعمه كبرى المؤسسات العسكرية الإسرائيلية.
وذكرت هآرتس أن ما يحدث في الضفة الغربية يكشف عن انعدام تام للقلق، إذ يغزو المستوطنون أراضي القرى والتجمعات الفلسطينية يوميا، وغالبا ما يرافقهم رجال مسلحون يخدمون في كتائب الدفاع الإقليمي.
واوضحت الصحيفة أنه حتى لو كانت حالات الاحتكاك هذه مصنوعة عمدا بهدف طرد الفلسطينيين من منازلهم، فهي تستمر دون تدخل من السلطات أو أي محاولة لإنفاذ القانون.
الابادة على الهواء مباشرة
فمنذ بداية حرب غزة، قُتل 13 فلسطينيا بسبب هجمات المستوطنين و12 بنيران إسرائيلية مباشرة، وفي معظم الحالات، لا يُعتقل مطلقو النار، وهم مستوطنون يخدمون في الاحتياط، بل يُستجوبون ويُطلق سراحهم.
وفي الوقت نفسه، كشفت الصحيفة عن مجازر منظمة يشنها عشرات الشبان من المستوطنين الملثمين باستخدام الهراوات والأجهزة الحارقة في هجمات خاطفة، إذ يغادرون المكان في غضون دقائق دون أي اعتقال أو محاسبة.
لم تكن فظائع الحرب في غزة والضفة مجرد تقارير تُنقل خلف الأبواب المغلقة، بل كانت إبادة على الهواء مباشرة استعرضها الجنود الإسرائيليون بأنفسهم أمام عيون العالم، إذ حولوا منصات تيك توك وإنستغرام وتليغرام إلى ساحات لعرضها بكل تباهٍ في غزة.
فوبيا الغرب ودلالة الرموز
ويتباهى الجنود وهم يصورون أنفسهم وهم يقتحمون منازل غزة ويجربون ملابس السكان الداخلية، ويحتفلون بالقصف، ويتخذون وضعيات تصويرية بجوار كتابات انتقامية أو بجانب جثث قتلى فلسطينيين، وقالت هآرتس إنه في حين تحدّث الجيش ضد هذه المنشورات، فإن المسؤولين فشلوا في إدانتها.
واضافت الصحيفة أن المسؤولين واصلوا استهداف المدنيين الفلسطينيين في مناسبات دينية عدة وخاصة خلال شهر رمضان، متعمدين اقتحام منازلهم في ساعات السحور.
لم يكن الذهول والحزن اللذان أبداهما بنيامين نتنياهو إزاء تحطيم تمثال المسيح مجرد رد فعل عابر، بل كان استنفارا دبلوماسيا محسوبا بدقة، ففي اللحظة التي هوت فيها مطرقة الجندي على الرمز الديني، استشعرت الرادارات السياسية في تل أبيب خطر انفجار لغم في علاقتها مع الفاتيكان وعموم العواصم الغربية.
هجوم لاذع من الغرب
وحتى صحيفة هآرتس لفتت باستغراب إلى أن نتنياهو، الذي اعتاد الصمت حيال انتهاكات الجيش، سارع هذه المرة إلى إدانة الأمر علانية، إذ كتب لقد شعرت بالذهول والحزن لعلمي أن جنديا ألحق أضرارا بأيقونة دينية كاثوليكية، إنني أدين هذا العمل بأشد العبارات.
واكدت الصحيفة أن هذه المسارعة إلى الإدانة تعكس إدراكا عميقا بأن المساس بالمقدسات المسيحية هو خط أحمر، مما يزيد التدقيق الدولي في علاقة الحكومة الإسرائيلية بالمسيحيين.
وما منح هذه الحادثة خطورة استثنائية لدى الدوائر الإسرائيلية هو توقيتها الحرج الذي جاء ليعمّق الفجوة الآخذة في الاتساع بين السلطات وممثلي الكنائس في القدس، إذ لا تزال أصداء أزمة مارس تتردد في أروقة الفاتيكان، حين أقدمت الشرطة الإسرائيلية على منع البطريرك اللاتيني للقدس الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتون، من ممارسة الطقوس الدينية في كنيسة القيامة خلال احتفالات أحد الشعانين.
وبينما حاول الجيش الإسرائيلي امتصاص الغضب بنشر صورة لتمثال بديل جرى تركيبه بالتنسيق مع المجتمع المحلي في بلدة دبل اللبنانية، جاء الرد المسيحي الدولي حادا، إذ أعرب الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا عن استياء عميق وإدانة غير مشروطة، ووصف الفعل بأنه إهانة خطيرة.
وفي المحصلة، يقرأ محللون هذا الاستنفار الرسمي الإسرائيلي بأنه ذعر من خسارة اليمين المسيحي أو محاولة استفزاز الفاتيكان الذي قد يكلفه ثمنا باهظا يفوق كلفة مئات الأطفال الذين قُتلوا بأيدي الجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة، ما دامت تلك الجرائم تقع بعيدا عن مراكز التأثير الدبلوماسي التي تهتز لأجل الرموز ولا تتحرك لأجل البشر.

