غزة تشتكي: حلم النجاة يتحول لكابوس في فرنسا
ملخص :
في غزة، تعيش رغدة الشيخ واقعا مريرا، فقد وجدت نفسها بعيدة عن أطفالها الذين غادروا القطاع في بداية الحرب متجهين إلى فرنسا، لتجد أن حلم النجاة قد تحول إلى كابوس لا ينتهي، حيث تراقب عالمها وهو يتبدد أمام عينيها.
حين غادر زوجها احمد وأطفالها الثلاثة ربحي ونور وحسام الدين القطاع بمساعدة من وزارة الخارجية الفرنسية، بدا الأمر وكأنه انتصار على الحرب، فقد كانت رغدة سعيدة بنجاتهم من الموت وكانت تأمل أن تلحق بهم بعد اتمام اجراءات سفرها.
لكن ما حدث كان صادما، فبعد مرور ستة أشهر على وصولهم إلى فرنسا، قامت السلطات الحكومية بانتزاع الأطفال من والدهم وأودعتهم دار رعاية، بل وقطعت التواصل بينهم وبين العائلة، لتتحول الفرحة إلى حزن عميق وصدمة لم تكن في الحسبان.
صدمة الأم
لاحقا، منعت السلطات الفرنسية الأم المقيمة في غزة من التواصل المرئي مع أطفالها، واقتصر الأمر على الرسائل المكتوبة فقط، ودون أي مبرر مقبول، الأمر الذي زاد من صدمة الأم وحزنها.
ولعل أكثر ما يؤلم الأم هو أنها في آخر محادثاتها المرئية مع أطفالها، كانت تحتاج إلى مترجم للتحدث معهم، وذلك لأنهم بدأوا يفقدون لغتهم وثقافتهم العربية، وهو ما زاد من قلقها على مستقبلهم وهويتهم.
قبل الحرب، كانت رغدة تعيش حياة طبيعية مع أطفالها في منزل العائلة بحي الشيخ رضوان شمالي غزة، وكانت تدرس هندسة الديكور وتستعد لتقديم مشروع تخرجها، وتحلم بمستقبل مشرق، لكن الحرب غيرت كل شيء.
بداية النزوح
الحرب لم تترك مجالا للأحلام، ففي أيام معدودة تحول منزلها إلى ركام، وتبدل مسار حياتها إلى سلسلة من الصدمات المتتالية، لتجد نفسها أمام واقع جديد لم تكن تتوقعه.
عندما بدأت الحرب في السابع من اكتوبر، كانت رغدة في زيارة لمنزل ذويها، قبل أن تنزح معهم باتجاه مخيم النصيرات وسط القطاع، بينما انتقل زوجها مع الأطفال إلى مدينة خانيونس في الجنوب، لتبدأ رحلة النزوح والبعد عن الأهل والأحباب.
بسبب قطع الاتصالات وشبكة الانترنت، لم تتمكن رغدة من التواصل مع زوجها، ولم يعرف أي منهما مكان إقامة الآخر، مما زاد من قلقها وخوفها على مصيرهم، لتعيش لحظات عصيبة من الانتظار والترقب.
السفر إلى فرنسا
في ديسمبر، تمكن والد زوجها من السفر إلى باريس بمساعدة وزارة الخارجية الفرنسية، واصطحب معه الأبناء والأحفاد، ومن بينهم الأطفال الثلاثة، بينما بقيت الأم وحيدة في غزة، تعاني مرارة الفراق والوحدة.
تقول رغدة إنها حينما علمت بسفر زوجها وأطفالها، شعرت بالفرحة والحزن معا، فقد اطمأنت عليهم من خطر الموت، وفي الوقت نفسه شعرت بالألم الشديد والوحشة لفراقهم، لتعيش مشاعر متضاربة بين الأمل والألم.
بدت فرنسا خيارا جيدا للعائلة، فقد ظنوا أنهم سيبدأون هناك مرحلة التعافي من آثار الحرب، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، فقد تحول الأمل إلى يأس والصدمة إلى ألم مستمر.
انتزاع الأطفال
بعد بضعة أشهر، وتحديدا في منتصف يوليو، احتجزت السلطات الفرنسية الأطفال الثلاثة وحظرت عليهم التواصل مع أسرتهم، ليتحول حلم الأمان إلى كابوس حقيقي، وتزداد معاناة العائلة.
يرى الجد ربحي الشيخ أن الأسرة كانت مخطئة حينما ظنت أنها في أمان حينما فرت من الحرب إلى فرنسا، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع أصعب وأشد قسوة، حيث فقدوا الأمان والاستقرار.
ويقول ربحي إن انتزاع الأطفال جاء بعد تقديم بلاغ ضد والدهم بتعنيفهم، ودون أي دليل طبي أو مدرسي، الأمر الذي يثير علامات استفهام حول مصداقية هذه الادعاءات، والهدف من وراءها.
مناشدة لإنقاذ الأطفال
ويضيف أن المحكمة لم تجد أي تقرير طبي أو مدرسي يثبت هذه الادعاءات، وخلال جلسة عقدت في مارس، عبر الأطفال عن رغبتهم في رؤية جدهم وعمهم، ودافع المحامون عن ضرورة إعادة العلاقة بين الأب وأطفاله، وأكد مركز الاستقبال ضرورة إعادة ربط الأطفال بعائلتهم.
وفي وصفه لواقع أحفاده، أكد ربحي أن الأطفال مفصولون عن والدهم وأجدادهم ولغتهم وثقافتهم ووالدتهم منذ ما يقارب العامين، مؤكدا أن هذه قضية إنسانية وليست سياسية، ومناشدا كل صاحب ضمير في فرنسا والعالم لمساندة مسعاهم القانوني والإنساني لعودة الأطفال إلى بيتهم.
وحيدة، تقيم رغدة في مركز لإيواء النازحين في غزة، بانتظار السماح لها بمغادرة القطاع لجمع شملها مع زوجها وأطفالها، أو إعادتهم إليها، كما تقول، لتظل أسيرة الأمل والانتظار.
الأم في غزة
لا تملك الأم سوى مناشدة كل من يستطيع المساعدة أن يمد لها يد العون، كي تنتهي مأساتها المستمرة، وتعود إلى حضن أطفالها، وتستعيد حياتها الطبيعية التي فقدتها بسبب الحرب والظروف القاسية.
طوال الأشهر الماضية، كانت رغدة تحاول أن تبقي خيط الاتصال مع صغارها حيا، فكانت مكالمات الفيديو متنفسا وحيدا، ورغم الألم الشديد لاحتياجها إلى مترجم للتواصل معهم، إلا أن تلك المكالمات كانت تمنحها القدرة على الصمود.
تقول رغدة: نتحدث بلغتين مختلفتين بواسطة مترجم، كأنني أتعرف على أولادي من جديد، لتصف بذلك حجم المعاناة التي تعيشها، والشعور بالبعد والاغتراب عن أقرب الناس إليها.
قطع التواصل المرئي
بالنسبة للأم، لم يكن الأمر متعلقا فقط باللغة، بل بكل ما تحمله من ذكريات وتفاصيل صغيرة بين الأم وأطفالها، إلا أن السلطات الفرنسية منعتها من التواصل المرئي مع أولادها، بحجة أن ذلك يؤثر في حالتهم النفسية، وهو ما زاد من قلقها وحزنها.
ومنذ ذلك الحين، فإن المسموح لها هو إرسال رسائل مكتوبة فقط للاطمئنان على أطفالها، دون أن تتلقى ردودا سريعة منهم، فقد يصلها الرد بعد عدة أسابيع ودون أن يحمل معلومات تطمئنها على أحوالهم، لتظل في حالة من القلق والترقب المستمر.
تقول الأم إن أبناءها الذين كانوا الأوائل في مدارسهم في غزة، قد تدهور مستواهم الأكاديمي، حسب ما يردها من أنباء، وذلك بسبب عدم وجود أسرة تتابع دروسهم، وهو ما يزيد من مخاوفها على مستقبلهم وتعليمهم.
أسئلة بلا إجابات
وتتساءل: كيف يبدون الآن؟ هل كبروا؟ هل ما زالوا يتذكرون تفاصيل بيتهم في غزة؟ من يوقظهم صباحا ومن يحضنهم حين يخافون؟ لتصف بذلك حجم الشوق والحنين الذي يملأ قلبها، والرغبة في رؤيتهم والاطمئنان عليهم.
لا تجد الأم عزاءها سوى فيما تبقى من ملابسهم وألعابهم التي جمعتها من بين ركام منزلها، فـ هذه الدمية لحسام الدين، وكان يحبها كثيرا، أما هذا القميص فهو لربحي، لكنه صغير عليه الآن، لتسترجع بذلك ذكريات جميلة جمعتها بأطفالها.
ومما يزيد من آلامها فقدان أثاث منزلها وحاجيات أطفالها بعد تدميره، واضطرارها للعيش في خيام ومراكز إيواء لا تصلح للسكن الآدمي، وتطبطب على نفسها مع كل هذا الألم بتقليب صور أطفالها التي تصلها من زوجها البعيد، لتجد في هذه الصور سلوى وعزاء.
خوف وقلق
وجود أطفالها في دار رعاية في فرنسا أمر مخيف بالنسبة لها، وعبّرت عن قلقها حيال ذلك بالقول أنا خائفة جدا عليهم، وأخشى أن يحرموني منهم إلى الأبد أو أن يعطوهم لعائلة أخرى من غير ديننا وقوميتنا، لأنهم بعد فترة سوف ينسون ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، لتصف بذلك حجم الخوف الذي يسيطر عليها من فقدان أطفالها إلى الأبد.
وتتابع: حاليا لا أعرف عنهم شيئا، لا أعرف من يرعاهم ومن يصطحبهم إلى المدرسة ومن يشرف على تربيتهم ونظافتهم وكافة شؤونهم، لتصف بذلك حجم العجز الذي تشعر به، وعدم قدرتها على الاطمئنان على أطفالها وتلبية احتياجاتهم.
لا تنفي رغدة أنها فرحت حينما علمت بنبأ مغادرة أولادها قطاع غزة في بداية الحرب، لاعتقادها أن هذا في صالحهم وسيحميهم من خطر الحرب، لكن ما جرى معهم لاحقا غير رأيها بشكل كامل، وجعلها تتمنى لو أنهم لم يغادروا.
ليتهم لم يغادروا
ليتهم لم يخرجوا، هكذا عبرت الأم عن ندمها وحزنها، لتؤكد أن البعد والفراق أصعب من أي شيء آخر، وتنفي الأم أي اتهام موجه لزوجها بممارسة العنف ضد أطفالها، مؤكدة أنه حنون جدا على أولاده وحريص على رعايتهم وتقديم أقصى ما يمكن لإسعادهم.
وختمت حديثها مدافعة عنه: لا أصدق هذه الاتهامات، زوجي أحمد حنون جدا، كان يأخذهم دائما للنزهة في ميناء غزة وفي الحدائق ومدن الملاهي، وحريصا على الاحتفال بأعياد ميلادهم وشراء الملابس والألعاب لهم، لتؤكد بذلك براءة زوجها من أي اتهام، وحرصه على إسعاد أطفاله وتوفير كل ما يحتاجونه.

