غموض يكتنف تفكيك الفصائل العراقية رغم الضغوط الامريكية
ملخص :
وسط مطالبات أمريكية متزايدة للسلطات العراقية بتقويض نفوذ الفصائل المسلحة وحلها، يلاحظ المراقبون غياب شبه كامل لهذا الموضوع عن مناقشات قادة "الإطار التنسيقي"، الأمر الذي يثير مخاوف من فقدان الدعم الأمريكي للحكومة الجديدة، وفي هذا السياق، يقترح خبراء استراتيجية من خمس خطوات لتفكيك هذا الملف الأمني والسياسي المعقد في البلاد.
كشفت الإجراءات العقابية الأخيرة عن تصميم أمريكي واضح على تفكيك الفصائل المسلحة، بدءًا من تخصيص جائزة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عن أبو حسين الحميداوي، زعيم "كتائب حزب الله"، ثم إدراج سبعة فصائل على قائمة العقوبات والإرهاب، وصولًا إلى تخصيص جائزة مماثلة لمن يدلي بمعلومات عن أبو آلاء الولائي، قائد "كتائب سيد الشهداء".
على النقيض من ذلك، ورغم تصاعد الحديث قبل ثلاثة أشهر تقريبًا عن ضرورة نزع سلاح الفصائل وإعادة تنظيم "الحشد الشعبي"، تلتزم قوى "الإطار التنسيقي" الصمت، على الرغم من مشاركة الفصائل الفعلية في الحرب مع إيران وتنفيذها لمئات الهجمات الصاروخية داخل وخارج العراق، مستهدفة بعض دول الخليج العربي.
تأثير الحرب على جهود الدمج
قال مصدر قيادي من قوى "الإطار التنسيقي"، إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قد "أضعفت ما يمكن تسميته بجهود دمج الفصائل".
واضاف المصدر لـ"الشرق الأوسط"، أن "(الإطار التنسيقي) قد بدأ بالفعل مناقشات أولية حول آليات معالجة هذا الملف، لكن الحرب نسفت كل شيء، لأنها منحت الفصائل الذريعة المناسبة لرفض التخلي عن أسلحتها، بحجة أن الحرب تمثل تهديدًا وجوديًا لها".
وبين المصدر، أن "قادة (الإطار التنسيقي) يدركون حجم المخاطر التي تنطوي عليها المطالب الأمريكية وجديتها، لكنهم يضطرون إلى تجاهل ذلك بسبب ضغوط الفصائل والفاعل الإيراني"، مشيرًا إلى أن "بعض القوى والشخصيات التي تمتلك فصائل مسلحة لديها رغبة حقيقية في دمج عناصرها في الجيش وإعادة هيكلة (الحشد الشعبي)، لكنها تبدو عاجزة عن اتخاذ أي إجراء بسبب الأحداث الإقليمية المتسارعة وتعثر جهود تشكيل الحكومة".
تفكيك التمويل.. خطوة ضرورية
يعتقد الكاتب والباحث السياسي الدكتور باسل حسين، أن تفكيك الفصائل مرتبط بما أسماه "منظومة التمويل"، وقال لـ"الشرق الأوسط"، إن قوى "الإطار التنسيقي" "ليست كتلة صماء متراصة، بل هي تحالف هش تتقاطع فيه مصالح متباينة وتتجاذبه آراء عدة، وقد تم إثبات هذه الحقيقة في مناسبات عديدة".
واشار، إلى أن "الفصائل المسلحة ليست مجرد ذراع تنفيذية في يد الأحزاب، بل هي في أحيان كثيرة العمود الفقري الذي تقوم عليه هذه الأحزاب اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، إذ تتشابك شبكات المقاولات والمنافذ الحدودية والموانئ الموازية والعقود مع هذه الفصائل تشابكًا عضويًا لا يقبل الفصل".
وتابع، أن "أي مسعى جدي لتفكيك الفصائل سيعني حتمًا تفكيك منظومة التمويل بأسرها، وهو ما يرقى إلى الانتحار السياسي لمن يقدم عليه، ولهذا فإنها ستظل دائمًا منقوصة وانتقائية تتحاشى المساس بصميم البنية التي يقوم عليها نفوذ الميليشيات".
إلى جانب هذه الأسباب، يرى حسين، أن "تفكيك الفصائل ليس قرارًا عراقيًا محضًا، بل هو أمر يتعلق بالرؤية الإيرانية التي طالما نظرت إلى هذه الفصائل باعتبارها ركيزة لاستراتيجية الدفاع الأمامي لطهران، وبالتالي فلن تضحي إيران بهذه الورقة إلا في سياق تسوية شاملة ربما تعقد يومًا ما مع واشنطن".
ويخلص، إلى أن "الفصائل حين يشتد عليها الضغط الأميركي ويضيق بها هامش المناورة ستنحني كرهاً لا طوعاً، فتلجأ إلى حل شكلي تستر به واجهتها دون أن تمس جوهرها، فهي قد تغير الاسم وتبقي البنية، وتذوب في مؤسسات الدولة شكلاً، بينما تحتفظ بشبكاتها وسلاحها وولاءاتها خارج أي رقابة فعلية".
خمس خطوات نحو الحل
من جانبه، يطرح فراس إلياس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل والمتخصص في الدراسات الإيرانية، مقاربة تتضمن خمس خطوات من شأنها المساعدة على تفكيك الفصائل، ويعتقد أن مستقبل الفصائل المسلحة في العراق سيعتمد بشكل مباشر على مستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن، فهي "ستتأثر بشكل مباشر بنتيجة هذه العلاقة".
وقال إلياس لـ"الشرق الأوسط"، إن "الحديث عن الطرق العملية للتعامل مع الفصائل المسلحة يستدعي إنتاج مقاربة جديدة لمرحلة ما بعد التوتر، والطريقة العملية ليست (تفكيكاً فورياً)، بل إعادة هندسة تدريجية للقوة عبر الدولة".
ويتوقع إلياس، أن قوى "الإطار" إذا نجحت في تشكيل الحكومة وتحت ضغط أمريكي، فإنها قد تتحرك عبر خمسة مسارات: "أولاً: الفصل بين (الحشد) كهيئة رسمية والفصائل كأذرع سياسية-عسكرية، وتثبيت أن (الحشد) الذي يتقاضى رواتب من الدولة يخضع حصراً للقائد العام، بينما أي تشكيل يحتفظ بقرار مستقل أو ارتباط خارجي يُعامل ككيان خارج الدولة".
اما ثاني التحركات، فيرتبط بـ"السيطرة على المال قبل السلاح، ذلك أن أقوى مدخل هو تدقيق الرواتب والعقود والمنافذ والشركات والمكاتب الاقتصادية والتحويلات، عندما تُقطع الموارد غير الرسمية، تصبح الفصائل أقل قدرة على المناورة".
وفي ثالث المسارات، يتوقع إلياس "إعادة هيكلة القيادة عبر تغيير مواقع حساسة داخل "هيئة الحشد"، ونقل بعض الألوية إلى قواطع بعيدة عن الحدود، ودمج وحدات مختارة بالجيش أو الشرطة الاتحادية، وإحالة قيادات غير منضبطة إلى التقاعد أو مناصب رمزية".
واضاف الخبير العراقي مساراً رابعاً يتعلق بـ"التفكيك من الداخل لا بالمواجهة، فالحكومة قد تميز بين ثلاثة أنواع: فصائل قابلة للاندماج، وفصائل تحتاج لاحتواء سياسي، وفصائل رافضة تماماً، والتعامل معها يكون بالتجزئة: امتيازات للمنضبطين، عزلة للرافضين، وضغط قانوني على المتورطين".
ويخلص، إلى المسار الخامس المتعلق بـ"تحويل الضغط الأميركي إلى غطاء سياسي داخلي، فـ(الإطار) قد يقول للفصائل: إمّا الانضباط داخل الدولة، أو مواجهة عقوبات وعزلة مالية وأمنية تطول الجميع، هنا يصبح التشدد الأميركي أداة بيد الحكومة، لا مجرد تهديد خارجي".
ورغم المسارات الخمسة، يعتقد إلياس، أن "(الإطار) لن يفكك الفصائل بضربة واحدة، لأنها جزء من بنيته السياسية، لكنه قد يعمل على إفراغها تدريجياً من استقلالها العسكري والمالي، مع الإبقاء على عنوان (الحشد) بصورة منضبطة ومؤسساتية".

