ليبيا: ضغوط دولية متزايدة للقاء رئيسي النواب والدولة
ملخص :
في ظل جمود سياسي مستمر، يواجه مجلسا النواب و«الأعلى للدولة» الليبيين ضغوطا دولية متزايدة، خاصة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بهدف تحقيق توافق حول القوانين الانتخابية، وهو الأمر الذي يرى فيه مراقبون حجر عثرة أمام تقدم العملية السياسية في البلاد.
وتأتي هذه الضغوط في ظل تعثر المجلسين في التوصل إلى اتفاق يمهد الطريق لإجراء انتخابات شاملة تنهي حالة الانقسام التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، واضاف محللون ان ذلك يعيد إلى الواجهة سيناريو عقد لقاء مباشر بين رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، أملا في كسر الجمود السياسي.
ويعتقد بعض المحللين أن فرص عقد هذا اللقاء تبدو أقرب إلى «ورقة ضغط سياسية» تستجيب للضغوط الدولية المتزايدة، وبين المحللون انها قد تكون اكثر من كونها «مساراً حاسماً» في ظل التضارب الذي يشهده المشهد السياسي الليبي، وتعدد المبادرات الدولية المطروحة.
هل ينجح اللقاء المرتقب في حل الأزمة الليبية؟
ويرى الباحث الليبي خالد الشارف أن هذا التداخل في المسارات السياسية يجعل فرص عقد اللقاء «ممكنة شكلياً لكنها ضعيفة عملياً»، وأوضح الشارف أن جدوى اللقاء تظل مرهونة بوجود آلية تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة، وإلا فإنه سيظل مجرد إعادة إنتاج للأزمة دون تغيير فعلي في بنية الانقسام القائم.
وفي ظل غياب أي إعلان رسمي عن لقاء مرتقب بين رئيسي المجلسين، تدور أحاديث في الأوساط السياسية الليبية عن تبادل رسائل ومقترحات تهدف إلى تمهيد الطريق لهذا اللقاء، واضافت الاوساط السياسية ان هناك طرح لعواصم ومدن مثل القاهرة وأنقرة وبوزنيقة كمحطات محتملة لاستضافة هذا الاجتماع، دون أن يتبلور ذلك في مسار رسمي واضح حتى الآن.
واكد عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، هذه الأحاديث المتداولة، مشيرا إلى وجود اتصالات غير رسمية تجري في هذا الشأن، وسبق أن فشلت وساطة فرنسية في عقد اجتماع بين رئيسي مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في ديسمبر الماضي في باريس، بهدف التوصل إلى حل بشأن القوانين اللازمة لإجراء الانتخابات العامة المؤجلة.
تحركات أممية جادة لتجاوز الجمود السياسي
وعاد الحديث عن اللقاء المحتمل مجدداً، بالتزامن مع تحرك جدي من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتجاوز حالة الجمود بين المجلسين، وبينت الامم المتحدة ان ذلك سيتم عبر تشكيل «مجموعة سياسية مصغرة» تتولى معالجة أكثر القضايا الانتخابية تعقيداً تحت اسم «4+4»، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة دولية ضاغطة على المجلسين.
وأظهرت إحاطة المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي، إلى جانب تصريحات نائبتها، ستيفاني خوري، قناعة متزايدة بأن مجلسي «النواب» و«الدولة» لم يحرزا التقدم المطلوب ضمن خريطة الطريق، ويشمل ذلك تعثر التوافق على تشكيل مفوضية الانتخابات، وعدم حسم التعديلات المرتبطة بالقوانين الانتخابية، وهما من الركائز الأساسية في خريطة الطريق التي أقرها مجلس الأمن في أغسطس الماضي.
وفي سياق متصل، ظهرت مقترحات منسوبة إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بشأن إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، واعتبر البعض تلك المقترحات تحدياً يواجه المجلسين ووجودهما في المشهد السياسي الليبي، وقوبلت هذه المبادرة برفض من «المجلس الأعلى للدولة»، مع تأكيده على عدم الاعتداد بأي تسوية لا تمر عبره بتفويض رسمي.
مساعي وساطة محلية لتسهيل الحوار
بالتوازي مع التحركات الدولية، برز مسار وساطة محلية بدأ في فبراير الماضي لتسهيل اللقاء بين رئيسي المجلسين، وركزت الوساطة المحلية على معالجة الخلافات المرتبطة بالقوانين الانتخابية ومخرجات لجنة «6+6»، وهي لجنة مشتركة بين مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» توصلت إلى إطار قانوني للانتخابات الرئاسية والتشريعية قبل ثلاث سنوات.
وتمكن فريق الوساطة من تحديد نقاط الخلاف وتهيئة بيئة تفاوضية أولية، مع تسجيل تجاوب مبدئي من تكالة في طرابلس، واشار فريق الوساطة الى لقاء جرى مع صالح في مدينة القبة، عُرضت خلاله ملاحظات تكالة، حيث أبدى رئيس مجلس النواب استعداداً للتعاون وقبول تعديلات محتملة من لجنة «6+6»، مع قبول مشروط للقاء تكالة بوجود اتفاق مبدئي يضمن جدية اللقاء ونتائجه.
وعاد فريق الوساطة المحلي إلى بنغازي لعرض نتائج تحركاته على تكالة، الذي أبدى انفتاحاً على مخرجات الوساطة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية عقد لقاء بين رئيسي المجلسين، وبين فريق الوساطة ان ذلك رغم بقاء المسار محدود التأثير وعدم تحوله بعد إلى إطار تفاوضي شامل، ويشار إلى أن المجلس الأعلى للدولة أعلن الأسبوع الماضي تشكيل «لجنة للتواصل» مع مجلس النواب وإحياء «اتفاق القاهرة».
تحديات فنية وسياسية تواجه العملية الانتخابية
من ناحية فنية، أعاد فريق الوساطة طرح ملاحظات «المفوضية الوطنية العليا للانتخابات» بشأن صعوبة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يوم واحد، ووفقاً لعضو لجنة الوساطة والرئيس الأسبق للمفوضية، الدكتور عثمان القاجيجي، فإن التحديات السابقة كانت لوجستية وتنظيمية أكثر من كونها قانونية مستحيلة.
واستشهد القاجيجي بتجارب الانتخابات البلدية التي اعتمدت نظام تعدد صناديق الاقتراع داخل المركز الواحد، ما يجعل إجراء الاستحقاقين ممكناً من الناحية التقنية إذا توفرت الإرادة السياسية، ويبدو أن جوهر الانسداد في المشهد الليبي لا يكمن في الجانب الفني الخاص بالعملية الانتخابية، حسب القاجيجي.
ويرى القاجيجي أن «المشكلة في غياب التوافق السياسي»، مؤكداً أن أي تقدم في هذا الملف مرهون بوجود اتفاق على القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، واكد القاجيجي ان ذلك هو الضمانة الوحيدة للوصول إلى انتخابات نزيهة وشفافة تعبر عن إرادة الشعب الليبي وتنهي حالة الانقسام السياسي والمؤسساتي التي تعيشها البلاد.

