تآكل الامن الدائم: هل تتجه اسرائيل نحو دوامة الحروب المفتوحة؟
ملخص :
كشفت مجلة +972 العبرية في مقال حديث عن تحول ملحوظ في الاستراتيجية الإسرائيلية، مبينة أن السعي المتواصل لتحقيق ما يسمى "النصر الكامل" قد أدخل إسرائيل في منعطف خطير، وهو دوامة من الحروب المفتوحة التي لا تنتهي.
واوضح المقال أن أبرز تجليات هذا التحول هو المواجهة المستمرة مع إيران، والتي تهدد بتآكل الشرعية الدولية لإسرائيل، وتعميق الانحدار الأخلاقي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
واشار كاتبا المقال، وهما المحامي وعالم الاجتماع عمير فاخوري، والمدير الأكاديمي لمركز نيسان في معهد فان لير بالقدس، والصحفي ميرون رابابورت، إلى أن الطريقة التي تسمي بها إسرائيل عملياتها العسكرية الأخيرة تعكس هذا التحول العميق في العقيدة القتالية.
تحول في العقيدة القتالية
بينما كانت إسرائيل في السابق تختار أسماء لعملياتها العسكرية تقلل من وطأة العنف أو تعزز صورة الصمود، مثل "الدرع الواقي" و"السيوف الحديدية"، فإن اسم العملية الأخيرة في لبنان، "الظلام الأبدي"، يكشف عن توجه أكثر مباشرة نحو الدمار الشامل، وفقا للكاتبين.
واستشهد الكاتبان بحملة القصف التي أسفرت عن مقتل المئات وجرح الآلاف في لبنان، موضحين أن الهدف لم يعد عسكريا فحسب، بل أقرب إلى الإبادة أو محو الوجود.
واضاف الكاتبان أن إسرائيل، رغم وقف إطلاق النار الحالي، تواصل تدمير القرى والبنى التحتية في جنوب لبنان بهدف إنشاء منطقة عازلة دائمة ومنع عودة السكان، وهو ما يشبه ما يحدث في غزة.
سياسة الحل العسكري الدائم
ونقل الكاتبان عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تصريحه بأن مئات الآلاف من اللبنانيين جنوب نهر الليطاني لن يُسمح لهم بالعودة، وأن منازلهم ستُهدم.
ويرى فاخوري ورابابورت أن هذه السياسات تعكس تبني إسرائيل لما يسميه عالم الاجتماع السياسي الإسرائيلي ياغيل ليفي بـ"عقيدة الأمن الدائم".
واكد الكاتبان أن هذه العقيدة لا تكتفي بإزالة التهديدات الحالية، بل تسعى إلى منع التهديدات المستقبلية عبر تدمير واسع للحياة المدنية وتهجير السكان، مع استبعاد أي حل سياسي لصالح الحل العسكري الدائم.
شعار النصر الكامل
ويؤكدان أن هذه المقاربة ظهرت بوضوح في حرب غزة بعد 7 أكتوبر، عندما تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شعار "النصر الكامل"، الذي تحول، بحسب الكاتبين، إلى سياسة قائمة على التدمير الواسع للمدن والبنى التحتية.
واشار المقال إلى أن ما كان يُعرف سابقا بسياسة "إدارة الصراع" في غزة، عبر الحصار والقصف الدوري وضبط التوازن مع حركة حماس، قد انهار مع طوفان الأقصى.
وبين الكاتبان انه بدلا من البحث عن تسوية سياسية، اتجهت إسرائيل إلى توسيع نطاق القوة العسكرية ليشمل لبنان وسوريا واليمن وإيران، في إطار ما يسمونه "حربا دائمة بلا سقف قانوني أو سياسي".
توسع نطاق الحرب
وذهب الكاتبان إلى أن الهجوم على إيران مثل تصعيدا جديدا في مفهوم "الأمن الدائم"، إذ لم يقتصر الهدف على ضرب منشآت عسكرية أو نووية، بل امتد إلى محاولة تغيير النظام السياسي نفسه في دولة كبرى ذات عمق حضاري وسكاني.
واشار الكاتبان إلى أن هذا المسار كشف حدود القوة الإسرائيلية، إذ لم يتحقق هدف إسقاط النظام الإيراني، بل انتهت الحرب إلى مأزق استراتيجي.
ونقلا تصريحا لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال فيه إن "إسرائيل لا يمكنها العيش دون عدو"، محذرا من أن دولا مثل تركيا قد تُصوَّر كأعداء جدد في المرحلة المقبلة.
تراجع الدعم الدولي
وفي تحليل أوسع، يرى الكاتبان أن الحرب الأخيرة لم تُنتج "نظام أمن دائم" كما كان يُفترض، بل كشفت عن تناقض جوهري: فكل تهديد يتم التعامل معه يولد تهديدا جديدا، ما يجعل الأمن نفسه حالة غير قابلة للتحقق الدائم.
واضاف الكاتبان أن تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة، خصوصا داخل الحزب الديمقراطي، يعكس تحولا سياسيا متزايدا، قد يحدّ من قدرتها على مواصلة هذا النهج العسكري دون كلفة سياسية متصاعدة.
ويرى فاخوري ورابابورت أن انهيار كل من "إدارة الصراع" و"عقيدة الأمن الدائم" يترك إسرائيل في فراغ استراتيجي وأخلاقي، حيث تستمر القوة العسكرية في العمل دون هدف سياسي واضح، ويمتلئ الخطاب العام بلغة الإبادة.

